تشكل الفجوة الرقمية إحدى أبرز التحديات التي تواجه مسيرة تطوير التعليم في دول المشرق والمغرب العربية على حد سواء ولكن بنسب متفاوتة من دولة إلى أخرى، والمصطلح هنا يشير إلى الفجوة بين مستخدمي وسائل تقنية الاتصال الحديثة التي استرعت اهتمام المختصين والمعنيين بقطاعي تكنولوجيا المعلومات والتعليم معا للوقوف على العوامل التي أدت إلى اتساع تلك الفجوة خلال السنوات العشر الماضية، وتأثيراتها السلبية على مستوى أداء الطلبة في مختلف المراحل الدراسية.

التقت «البيان» عدداً من الباحثين والأكاديميين لاستطلاع آرائهم حول الفجوة الرقمية وآثارها على مسيرة التعليم عربيا، والتعرف إلى أهم العوامل التي أدت إلى تفاقمها، إلى جانب بحث سبل وآليات تجاوزها بهدف إيجاد بيئة تعليمية أفضل للأجيال النشء في ظل عصر تكنولوجيا الاتصال والثورة المعلوماتية. وأعرب الدكتور سليمان الجاسم مدير جامعة زايد بمقرها في دبي عن توقعاته بأن تشهد المرحلة المقبلة نقلة نوعية في سياسة التعليم على مستوى الدول العربية وخصوصا في مجال البحث العلمي والتقني، لاسيما أننا نعيش اليوم عصر أصبحت المعلومات فيه تتدفق بمجرد «ضغطة زر» على جهاز الكمبيوتر. فانتشرت مصطلحات جديد لم تكن معروفة في السابق مثل التعليم عن بعد والتعليم الالكتروني والمعلم الالكتروني وغيرها من المسميات التي ترمز إلى مواكبة مجال التعليم للثورة المعلوماتية التي طالت يدها شتى القطاعات الحيوية دونما استثناء.

التخطيط الاستراتيجي

ومن جانبه دعا بدر بن عبدالله الصالح أستاذ بكلية التربية بجامعة الملك سعود إلى ضرورة التخطيط الاستراتيجي من قبل جميع الجهات المختصة بتطوير التعليم لتحقيق أهداف الإصلاح التربوي لتلبية احتياجات المجتمع من جهة، ومسايرة ركب الحضارة والتطور من جهة ثانية، مضيفا أن الدول العربية جمعاء غدت اليوم في حاجة لتكثيف جهودها من أجل اللحاق بعجلة التطور أسوة ببقية الأمم.

ويمثل المعلم حجر الزاوية في هذا الصدد بحيث يتوجب تزويده بالمهارات اللازمة في مجال تكنولوجيا الاتصال من مهارة في التعامل مع البرامج والحلول المختلفة للكمبيوتر وشبكة الانترنت وتطبيقاتها المتنوعة، بالإضافة إلى اطلاعه وإلمامه المستمر بكل ما يستجد ويستحدث في هذا المجال متسارع النمو.

وذلك حتى يتمكن من نقل معارفه وخبراته إلى طلابه بثقة واقتدار، الأمر الذي يحسن بلا شك فاعلية النظام التعليمي وكفاءته لإخراج أجيال من الأشخاص المتسلحين بكافة المهارات والمعارف الضرورية للمشاركة في عملية الإنتاج بعد الانضمام لسوق العمل.

وعن أبرز التحديات أمام دمج تقنية المعلومات في التعليم أشار الصالح إلى غياب الدعم الفني للمعلمين والطلاب والبنية التقنية، بالإضافة إلى عدم توفر البنية التقنية التحتية والربط الشبكي والأجهزة والبرامج التي تيسر وصول المتعلمين للانترنت وأدواتها وتطبيقاتها المختلفة.

مبينا أنه حان الوقت لتبني برامج تدريب وتطوير مهني على رأس العمل تقليديا والكترونيا ، وتوفير مصادر معلوماتية الكترونية ترتبط بمحتوى المناهج ونشاطات التعلم ، وتطوير المناهج الدراسية سواء كانت منفصلة أو مدمجة.

وصرح عبدالله الكندري رئيس جمعية المعلمين في الكويت بأن بلاده لم تأل جهدا في سبيل توفير بيئة تعليمية ناجحة على مدى العقود الماضية ، لاسيما في مجال التعليم الالكتروني مما يساهم في ردم الفجوة الرقمية في هذا القطاع.

موضحا أن التكنولوجيا أصبحت السبيل والوسيلة المثلى للارتقاء بالتعليم حتى يستطيع الطالب من الوفاء بمتطلبات الالتحاق لسوق العمل بعد التخرج عن جدارة واستحقاق بعد تسلحه بأدواته الأساسية على الأقل للولوج في عالم الإنتاج والمساهمة بالتالي في بناء مجتمعه.

أسباب الفجوة

ومن تحدثت الدكتورة نادية حجازي أكاديمية عن ثنائية الفجوة الرقمية واللغة العربية مبينة أن المقصود بالفجوة الرقمية ذلك النفاذ إلى المعرفة من حيث توفر البنى التحتية اللازمة للحصول على موارد المعلومات والمعرفة بالوسائل الآلية أساسا دون إغفال الوسائل غير الآلية من خلال التواصل البشري.

وعن أسباب الفجوة الرقمية شرحت أنها عديدة من بينها عوامل تكنولوجية وأخرى اجتماعية وسياسية وثقافية ، وفيما يتصل بالأسباب «السوسيوثقافية» فإنها تتجلى في تدني مستوى التعليم وعدم تكافؤ الفرص والأمية والفجوة اللغوية وغياب الثقافة العلمية والتكنولوجية.

وبالنسبة للأسباب التكنولوجية فمن بينها التطور السريع والمذهل للتكنولوجيا الحديثة ، وتنامي الاحتكارية والاندماج المعرفي ، فيما تمثل كل من ارتفاع كلفة تقانة المعلومات واحتكار الشركات الكبرى والمتعدد الجنسيات لأسواق التجارة العالمية من بين الأسباب الاقتصادية.

أولوية التكنولوجيا

وقالت شيخة المحمود وزيرة التربية والتعليم في قطر إن تطوير التعليم من نواحي شتى وفي مقدمتها الجانب التقني بات ضرورة ولم يعد مسألة خيار لأن التكنولوجيا في مقدمة الأولويات وليست «كمالية».

حتى تتخرج دفعات جديدة من الطلبة المؤهلين والقادرين على العطاء والبناء في مجالات تخصصاتهم وعملهم المستقبلي انطلاقا من المستويات العلمية والمعرفية والتقنية الذي تأسسوا عليها في المراحل الدراسية المختلفة ، وعربيا جزمت شيخة أن هنالك درجة تفاوت في مستوى التقدم سواء بالاستخدام أو الإنتاج في مجال الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات بين بلد عربي وآخر .

وأردفت بأن نشر الثقافة التكنولوجية في التعليم ومختلف مجالات الحياة المهمة عبارة عن مسؤولية مشتركة تقع على كاهل الحكومات والمجتمع المدني والقطاع الخاص على حد سواء، في مسيرة تكاملية تعمل كل جهة على لعب دور مكمل لدور الجهة الأخرى، مما يتطلب مستوى تنسيق واتصال متميز بين كافة تلك الجهات والمؤسسات من القطاعين.

دبي ـ لولوة ثاني