مع دقات منتصف ليلة أمس السبت اختتمت حملة دبي العطاء أعمالها منهية ملحمة غير مسبوقة من العمل الخيري الإنساني استمرت وقائعها على مدار الأسابيع الثمانية الماضية، تمكنت دبي خلالها من رسم لوحة وضاءة للعمل الإنساني، وقدمت للعالم من خلاله برهاناً جديداً على ريادة دولة الإمارات في هذا المجال ودليلاً ساطعاً على حرص قيادتها الرشيدة على لعب دور فعال في نشر مقومات الرخاء في كافة ربوع الأرض.

وقد حققت حملة دبي العطاء إنجازاً ضخماً من ناحية حجم التبرعات التي حشدتها خلال تلك الفترة الوجيزة حيث وصلت التبرعات إلى مليار و738 مليون 345 ألف درهم في تمام الساعة الواحدة من ظهر أمس (السبت) مع تواصل تدفق تبرعات اللحظة الأخيرة قبيل إسدال الستار على هذه الملحمة الإنسانية الرائعة. وقد هدفت دبي العطاء التي انطلقت بمبادرة شخصية من صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، في التاسع عشر من شهر سبتمبر الماضي، إلى حشد تبرعات مالية تكفي لضمان المقومات التربوية اللازمة لتوفير التعليم الأساسي لمليون طفل في المناطق الأكثر فقراً في العالم، سواء على مستوى البنية الأساسية أو الرعاية الصحية أو المعونات الغذائية، حيث تسعى الحملة أيضاً إلى إيجاد المحفزات اللازمة للحد من ظاهرة التسرب من التعليم الأساسي والتشجيع على تعليم الفتيات.

وتكمن قيمة الحملة وتميزها كونها لا تشبه أي حملة خيرية تقليدية قد تقتصر على جمع النقود ومن ثم توجيهها إلى مستحقيها فحسب، حيث هدفت دبي العطاء إلى تحويل تلك التبرعات إلى استثمار إنساني طويل الأمد في تعليم وبناء أجيال جديدة تحمل مشعل العلم لتضيء لشعوبها الطريق لبداية رحلة نحو مستقبل أفضل وتمكين مجتمعاتهم من اللحاق بركب التقدم الذي تجاوزهم بسبب تراجع مستوى التعليم، حيث استمدت الحملة أهدافها من قناعة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم الأكيدة بقيمة العلم كركيزة أساسية للنمو والتقدم. وقد جاء تفرد حملة دبي العطاء على عدة مستويات، وكان بداية هذا التميز مع إعلان صاحب السمو نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، مشاركته الشخصية وعائلته الكريمة في دعم فعاليات الحملة.

حيث أوكل سموه أنجاله وكريماته مهمة قيادة فعاليات الحملة كسفراء لها على المستويين المحلي والدولي، وكان لهذه المشاركة التي نادراً ما تتكرر على هذا المستوى الرسمي الرفيع في مناطق أخرى من العالم، بالغ الأثر في حفز المساهمات المالية وتشجيع المجتمع بكافة أطيافه وشرائحه، سواء من المواطنين أو المقيمين، على المشاركة كل على قدر استطاعته. ولم تقتصر فعاليات حملة دبي العطاء على دبي، فقد أوفد صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، أنجال وكريمات سموه في رحلات خارجية طافت عدداً من دول العالم للوقوف على أوضاع التعليم فيها والاحتياجات الضرورية لمساعدة أطفال المجتمعات الفقيرة هناك حيث التقى سموهم بمسؤولي تلك الدول وتعرفوا من القائمين على العملية التربوية فيها على واقع التعليم الأساسي هناك حيث شملت تلك الجولات كلاً من جزر القمر، اليمن، جيبوتي، البوسنة، تشاد، والسودان.

وشهدت دبي على مدار ثمانية أسابيع مجموعة متنوعة من الفعاليات والمزادات الخيرية والتي كان أبرزها المزاد الذي أقيم على قميص شخصي لصاحب السمو نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي يحمل توقيعه، وهو القميص الذي ارتداه سموه عندما قاد منتخب دولة الإمارات إلى الفوز ببطولة العالم في سباق القدرة في إسبانيا عام 2002.

حيث حظيت شركة سما دبي بالقميص مقابل 16 مليون درهم، كما حققت لوحة تذكارية تحمل طبعة يد سموه اليمنى وكذلك طبعة يد أنجاله مبلغ 80 مليون درهم ضمن مزاد خيري آخر وفاز بها مركز دبي المالي العالمي، حيث وجهت تلك الأموال لصالح الحملة، في حين كان أكبر تبرع من ناحية الحجم من نصيب «دبي العالمية» والتي تبرعت بمبلغ 260 مليون درهم لصالح أهداف الحملة.

كما نظمت العديد من القطاعات الحكومية والخاصة في دبي مبادرات عديدة هدفت إلى دعم حملة دبي العطاء وشملت تلك القطاعات الدوائر والمؤسسات الحكومية والمدارس والجامعات وشركات القطاع الخاص في جهد جماعي مشرف يعكس الوعي الكبير الذي نشرته حملة دبي العطاء بقيمة العمل الخيري والحافز الذي أوجدته في نفوس المجتمع المحلي من أجل البذل وعمل الخير.

كما حملت دبي العطاء الكثير من ملامح البذل غير المسبوقة ذات الأبعاد الإنسانية العميقة وكان من بينها نموذج الشاب الإماراتي يوسف يعقوب يوسف الذي قرر إلغاء حفل زفافه المخصص للرجال من أجل التبرع بقيمته والتي تقدر بنحو 150 ألف درهم لصالح الحملة. كما تسلمت إدارة الحملة أمس 615 ألف درهم تبرعات وذلك بواقع نصف مليون درهم من الكنيسة القبطية الأرثوذكسية المصرية بدبي و100 ألف درهم من شركات توراني و15 ألف درهم من سي.اس. آي باريش.

وجاء تبرع الكنيسة القبطية بتوجيه من قداسة البابا شنودة الثالث بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية ونيافة الأنبا أبراهام مطران القدس والخليج وذلك استجابة وتعبيراً عن عظيم التقدير لمبادرة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي لتوفير حياة أفضل لفقراء العالم ومساعدتهم على حياة أرقى والخروج من دائرة الفقر واللحاق بركب التقدم الاجتماعي وتقديم مساهمة بسيطة في إنجاح هذه المبادرة الإنسانية العظيمة.

يذكر أن «دبي العطاء» قد انطلقت إلى النور على يد صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم خلال شهر رمضان المبارك، حيث عكست فكرة الحملة الروح السمحة للدين الإسلامي الحنيف مبرزةً تعاليمه النجيبة في ناحية ضرورة التكافل الاجتماعي ونجدة المحتاج والعطف على الفقراء ومساعدتهم على تخطي محنهم، وهي التعاليم التي استقت منها دولة الإمارات العربية المتحدة منهجها في عمل الخير والقيم التي عملت قيادتها الحكيمة على ترسيخها وتأصيلها كمنهج حياة ممزوج بالكرم العربي الأصيل وأخلاق الفروسية التي طالما تمتع بها الشعب الإماراتي المعطاء.