أكد البروفسور جاك لانج وزير والثقافة والتعليم الوطني السابق في فرنسا أن إمارة أبوظبي في طريقها لتصبح ملتقى طرق ثقافياً عالمياً بفضل المشاريع الثقافية الجديدة التي نفذتها أو تعمل حالياً على تنفيذها وذلك بعد أن اختارت حكومة أبوظبي منارتين فرنسيتين بارزتين «متحف اللوفر وجامعة السوربون» إلى جانب بعض المتاحف والمعالم الدولية الأخرى لتعطي المثل على الانفتاح الحضاري «العصرنة» مع التمسك في نفس الوقت بالتقاليد المحلية والمحافظة عليها.
ووصف لانج في حديث خاص مع وكالة أنباء الإمارات مشروع «لوفر أبوظبي« بأنه مشروع مثالي يعكس جودة العلاقات بين الإمارات وفرنسا حيث نجحت باريس وحكومة أبوظبي في إعداد مشروع حقيقي مشترك يعتبر فريداً من نوعه اذ لن يوجد متحف يضاهيه من حيث المقتنيات التي تمثل كل الحضارات وكل العصور التاريخية والفترة المعاصرة والمجموعات الخاصة بإمارة أبوظبي نفسها..مشيرا إلى أن الزائر سيجد فيه ما لا يوجد في لوفر باريس.
وأوضح انه كان من المتحمسين لافتتاح لوفر أبوظبي وكذلك جامعة السوربون باريس أبوظبي.. مشيراً إلى أنه أعرب عن ارتياحه من هذين المشروعين الثقافي والتعليمي خلال لقائه مع سمو الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان وزير الخارجية والشيخ سلطان بن طحنون آل نهيان رئيس هيئة أبوظبي للثقافة والتراث.
وأشاد بهذه المناسبة بما لمسه من انفتاح ثقافي واسع لدى سمو وزير الخارجية ورئيس هيئة أبوظبي للثقافة والتراث وعزمهما وتصميمهما على تنفيذ المشاريع الثقافية التي تخدم الإمارات وتساعد في إرساء السلام الدولي..مشيرا إلى أن أبوظبي مزجت بين الأصالة والمعاصرة عندما أقدمت على تنفيذ هذه المشاريع مع المحافظة في نفس الوقت على التراث والتقاليد.
وعن السبب «في رأيه» الذي جعل أبوظبي تقدم على مثل هذه الخطوة الانفتاحية في مجال الثقافة والتعليم عبر البروفسور لانج عن اعتقاده بأن لدى حكومة أبوظبي الطموح الثقافي التعليمي الفني لتطوير الإمارة من خلال تنويع الثقافة والتعليم والأخذ بالتعددية في هذين المجالين وعدم الاكتفاء بتجربة واحدة فيهما.. وقال إن اختيار منارتين عظيمتين من فرنسا «اللوفر والسوربون» يمثل فكرة جريئة وهو دليل ذكاء متقد لدى المسؤولين في إمارة أبوظبي..معربا عن سعادته بالاستجابة الفرنسية السريعة والموافقة على تنفيذ هذين المشروعين الكبيرين.
وأعرب عن سعادته بعد أن زار ثانوية لوي ماسينيون الفرنسية في أبوظبي حيث وجد طلابا من كل الجنسيات «كما هو الأمر في جامعة السوربون باريس أبوظبي» يتعلمون اللغات.. مشيرا إلى اقتناعه بأنهم يمثلون المستقبل لبلدانهم ولذلك فإن أبوظبي بالنسبة لهم تمثل ملتقى طرق ثقافياً عالمياً.
وعن المردود الذي ستجنيه أبوظبي من مشروع «متحف اللوفر» أكد أن مدينة أبوظبي ستطور نشاطها السياحي والثقافي وسيكون ذلك بمثابة نجاح كبير خاصة عندما يكون المقر مبنيا بشكل معماري جميل يعكس الفخامة وبما يجذب شباب المدارس والجامعات لزيارته.
وقال انه يزور الإمارات لأول مرة بدعوة من الشيخ سلطان بن طحنون آل نهيان ليشكره على دفاعه عن المشروع عندما ناقشته الجهات المختصة في فرنسا ووقف البعض ضده..
مشيراً إلى أنه جاء ماراً قبل ذلك مع الرئيس الفرنسي الراحل فرانسوا ميتران والتقيا لساعات قليلة مع المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان الذي وصفه بأنه «كان تنويريا وإنسانيا ويلتقي مع ميتران في كثير من الصفات كحب الإنسانية والعمل على تطوير مجتمعاتها».
وأكد أن الناس يرون أن هذا الميراث الروحي لزايد مستمر من خلال المسؤولين في أبوظبي ومن خلال المشروعات الثقافية والتعليمية التي يتم تنفيذها. ولدى سؤاله عن الثقافة كمفهوم أوضح البروفسور جاك لانج أن مدلول الثقافة واسع فهي تعني كل شيء.. إنها أولا الفن بجميع أشكاله وبحسب رؤية كل شعب ودولة لهذا الفن وهي ايضا طريقة حياة وتكوين ذاتي وعلاقات إنسانية انها طريقة العيش والحياة في المجتمع وفي المعتقد.
وشدد على أن أي بلد يفصل بين الثقافة والاقتصاد فإن مصيره نحو الانحدار.. موضحا أن الثقافة تحمل في طياتها النشاط الذهني والعملي وان الدعم الثقافي في الفن والأدب والشعر والرواية هو استثمار اقتصادي حقيقي إذ ان الحركة الثقافية تنشئ وظائف وعمل ومفكرين ومهندسين.
وضرب مثلا بمتحف اللوفر في باريس عندما كان خلال وزارته يشكو منقلة الزوار ويكاد التراب يغطي أرضه وكيف ان ترميمه و تجميله جذب إليه الزوار مجددا وتمت استعادة الأموال التي صرفت لصيانته بسرعة غير معقولة وهذا دليل على علاقة الاقتصاد بالثقافة انهما يمثلان كفاحا واحدا.. مشيرا إلى أن البلدان والمدن تتطور اليوم بسرعة وتتغير الحياة فيها بفضل التكنولوجيا وهذا يسهم في زيادة نسبة السعادة لدى الناس.
وحول وضع الثقافة العربية في فرنسا أكد الوزير السابق ان هذه الثقافة أصبحت اليوم بارزة اكثر عن ذي قبل حيث تنتشر المكتبات العربية وصالات السينما التي تعرض الأفلام العربية والمعارض الفنية والأسابيع الثقافية العربية..
مشيرا إلى أن باريس ساعدت قبل أكثر من عقدين في انشاء معهد العالم العربي الذي يسهم في تعريف الفرنسيين والأوروبيين عموما وزوار باريس الأجانب بالحضارة العربية الإسلامية. وأكد انه ساهم شخصيا في إنشاء وظائف تتصل باللغة العربية في الجامعات والمعاهد والمدارس الثانوية الفرنسية وشجع على تعليم اللغات الحية منذ مراحل التعليم الأولى بما فيها العربية الفصحى.
وأشار إلى التلاقح الفكري بين اللغات والآداب والثقافات.. منوها إلى وجود أدباء وموسيقيين ومخرجين مغاربيين في فرنسا يسهمون في اثراء الثقافة الفرنسية..وأكد ان التبادل الثقافي شيء جيد ويخدم الجانبين أما الاكتفاء بتلقي الثقافة دون تبادل فهو أمر(بليد) حسب وصفه.
وفي هذا الصدد كشف عن اعتزام لوفر باريس فتح قسم للفنون الإسلامية الراقية خلال العامين المقبلين ليساعد في الفهم الحقيقي للحضارة الإسلامية والدور العلمي الذي قام به العلماء المسلمون في العصور الماضية.
وأكد قناعته التامة بضرورة أن يكون التبادل الثقافي والعلمي والتعليمي في الاتجاهين ودون توقف.. مشيراً إلى أن كثيراً من الفرنسيين يبدون منفتحين على الثقافات الإنسانية وخاصة القادمة من الجنوب «الدول المغاربية». وفيما يتعلق بانتشار الثقافة الأميركية في مختلف أنحاء العالم وهيمنة العولمة..
قال انه لا خوف على الثقافة المحلية للشعوب إلا من المسؤولين الذين يتخلون عن ثقافتهم الوطنية.. مشيرا إلى أن الأميركيين يمكن أن يفرضوا ثقافتهم عندما لا تعمل الحكومات شيئا لشعوبها وبذلك تكون أول المذنبين.
ودلل على ذلك بالشعب الفرنسي الذي لا يقبل «أمركة» الثقافة الفرنسية أو القبول بما تريده الولايات المتحدة الأميركية وان كان يحب الشعب الأميركي الا انه ضد المغامرات العسكرية في العراق أو أفغانستان أو في إيران «إن حدث ذلك». وشدد على أن من حق الدول وشعوبها أن تعيش حرة وفي سلام وكما يحلو لها وان ترفض عسكرة السياسة والامبريالية الثقافية والخضوع لسياسة واحدة تملي عليها وان عليها أن تفخر بسيادتها الوطنية على كامل أراضيها.. داعيا العرب بشكل خاص إلى الدفاع عن ثقافتهم وعاداتهم وان يكثروا من الأصدقاء والحلفاء.. وأشار في هذا الصدد إلى أن فرنسا صديقة وحليفة طبيعية للعرب الذين اذا ما اتحدوا شكلوا قوة سلام قوية.
وتناول البروفسور جاك لانج أحداث 11سبتمبر التي وصفها بأنها كانت كارثية وأسهمت في تقديم بعض الأحكام الخاطئة ضد العرب والمسلمين وقد تم تجاوز الكثير من هذه الاحكام.. مشيرا إلى ضرورة التفكير في مشاريع جديدة للمساعدة في فهم «الآخر».
وقال هناك دراسات عن العرب وآدابهم في الجامعات والمعاهد الفرنسية ساهمت في انتهاء أو اختفاء الكثير من الأحكام المسبقة عن العرب والمسلمين كما ساعدت شبكة المعلومات الدولية «الانترنيت» والأسفار والرحلات والزيارات الطلابية بين مختلف الجامعات في تغيير هذه النظرة عن العرب والمسلمين ولو بشكل ما إلا أن المطلوب هو الإكثار من الأفكار التي تقرب بين الشعوب.
وشدد على أن الشرق العربي الإسلامي ليس إرهابيا.. وقال إن الإرهاب يوجد في كل وقت وفي كل مكان لدى المتطرفين من اي دين كانوا كما ان له أنواعاً عدة وان لصق الإرهاب بالإسلام كدين أو بالعرب ككل لهو امر «فضائحي».
وأكد أن احد الحلول الممكنة للقضاء على هذه الظاهرة يتمثل في التعليم وفي المشاريع الثقافية التنويرية وهو ما تقوم به أبوظبي وغيرها من المدن والدول في إنحاء العالم.. مشيدا في هذا الخصوص بمشروع «دبي العطاء» الذي أطلقه مؤخراً صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، لتوفير التعليم لنحو مليون طفل فقير في العالم.
وأضاف أن من الحلول الأخرى أيضا إقامة العدل الاجتماعي ورفع الظلم عن الناس وانتشالهم من الفقر والفاقة..مشيرا إلى وجود حوالي مليار نسمة في العالم يموتون من الجوع وحتى في فرنسا «حسب قوله هناك فقراء وهو امر غير مقبول في بلد متحضر». وفي المجال السياسي أكد وقوفه ضد الحرب أينما كانت..مشيرا إلى أن الحرب ضد العراق كانت مدمرة للبشر والحجر أفرزت الإرهاب الذي لم يكن موجودا من قبل بهذا المستوى..
وقال انه فيما يتعلق بإيران والسلاح النووي فإن المطلوب من الجميع البحث عن حل يتمثل في اتفاق عالمي مع طهران يكون ذا طابع اقتصادي سياسي وجيواستراتيجي وغير مفروض من هذه الدولة أو تلك.
ودعا بهذه المناسبة دول مجلس التعاون إلى أن تقول كلمتها في هذا الموضوع وان تشارك في إيجاد حل شامل مشيرا إلى أن ذلك سيكون ايجابيا ومثمرا وإلا فإن الحرب ستكون «كارثية» على المنطقة وعلى العالم.
