لا يماري العقلاء من البشر إن منهج التعسير لا يؤدي إلا إلى تأزم المشكلات أو تعقيد المعاملات وصعوبة إيجاد الحلول للخروج من الأزمات التي تعصف ببعض المجتمعات فهذه الطريقة لا يمكن لها أن تقدم للناس بعض المرونة في الحياة وتعينهم على التعايش السلمي بينهم وعموما إن منهج التعسير لا يكون نتائجه إلا العواقب السلبية حسيا كالمصادمات والتشنجات العصبية من قبل البعض.
وقد يكون لمنهج التعسير الدور الأكبر في بروز المظاهرات وانتشار الحروب وغيرها من الأشياء الحسية أما من الناحية المعنوية فيتمثل في عملية الحقد والكراهية من القوانين ومن المشرعين لها خصوصا إذا كانت لا تصب في مصلحة المجتمع لا الفرد وصحيح أن رضا الناس غاية لا تدرك في معظم الأحيان.
إن الذي يتمعن في حياة الحضارة الإسلامية الزاهرة يجد الصورة جلية في منهج المعاملة اللينة ورفع الحرج والمشقة عن الناس من اجل تحقيق التعايش السلمي في كل شؤون الحياة في المعاملات الاجتماعية والعبادات المفروضة والمسنونة والمعاملات التجارية والمدنية والاتفاقيات السياسية وكثير من الجوانب التي لا حصر لها على الإطلاق حتى المسائل والقوانين التي قننها البشر وهي تصب في مصلحة المجتمع أمر بتيسير الأمور لا تعقيدها.
وكما قيل لا تكن عودا صلبا فتكسر ولا رطبا فتعصر ولكن على المرء أن يتزن ويعتدل في كل الأمور فالهدف من التشريع الإسلامي إسعاد الناس إن هم اخلصوا العبادة لله تعالى ووفوا بحقوقه الواجبة التيسير على الناس والقرآن الكريم مشحون بكثير من الآيات التي تدل على اليسر وكذلك السنة المطهرة لنبي الرحمة عليه السلام فقد روى الأمام البخاري (ت 256 ه) عن طريق أبي هريرة، (ت 57 ه) رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا، وابشروا، واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة).
وكل الحياة البشرية مرتبطة بالدين في معاملاتها فقد روى البخاري أيضا من طريق جنادة بن أبي أمية قال: دخلنا على عبادة بن الصامت وهو مريض، قلنا: أصلحك الله، حدَّث بحديث ينفعك الله به، سمعته من النبي صلى الله عليه وسلم، قال: دعانا النبي صلى الله عليه وسلم فبايعناه، فقال فيما أخذ علينا: أن بايعنا على السمع والطاعة، في منشطنا ومكرهنا، وعسرنا ويسرنا وأثرة علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله، إلا أن تروا كفرا بواحاً، عندكم من الله فيه برهان).
فالحديث الشريف يدعو إلى منهج اليسر والتخفيف لا التشدد والتعقيد وقد امتثل لهذا المنهج كثير من المسلمين واخذ به غيرهم خصوصا الحضارة الغربية في لين المعاملات بين الناس، والاتحاد الأوروبي احد هذه النماذج وكذلك مجلس التعاون الخليجي التي حققت بعض التسهيلات للمواطنين التجارية والسياسية والاجتماعية، والآن تسعى بعض دول آسيا إلى تشكيل الاتحاد الآسيوي (آسيان) ليحقق طموحات الشعب ولتسهيل معظم الإجراءات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية...
فالهدف من كل تلك التسهيلات خلق مناخ يعين الناس على التنفس المريح الذي يسعدهم ولا يعكر صفو حياتهم فلا ريب أن هذا المنهج سيعين الناس على التعايش السلمي في ظل طريقة التيسير. كنت في إحدى الجهات الرسمية لتخليص معاملة خاصة بي وكما هو المعهود عند الموظفين اتخاذ الإجراءات الرسمية وقد اخذ المختص ذلك وبعدها قال لي اعتمدها عند المسؤول المباشر وذهبت إليه وحاول أن يغير مسار بعض الإجراءات المعقدة وعمل بجهده على كسر كل العقبات التي تقف عائقا أمام الجمهور ثم قال لي أنا أريد أن أسهل على المواطن فالتعقيدات ليس لها أي جدوى..
ودهشت من كلامه من خلال تحدثي مع خاطرتي وقلت إن هذا النوع من المسؤولين قليل جدا خصوصا إذا كان بعضهم يتمسك التمسك الشديد بالقوانين والإجراءات عموما نقول إن منهج اللين واليسير يحقق للناس السماحة، وينجز كثير من المعاملات وفي أسرع وقت ممكن وتنتعش الحركة الاقتصادية والسياحية وتسود المعاملات الحرة بين الناس ويسيطر هذا المنهج على كثير من الأمر التي لا تؤدي إلى الاستقرار السياسي والاجتماعي. فيحل مكانها التعايش السلمي بين البشرية جمعاء.
إبراهيم بن حبيب الكروان السعدي