لقد تابعت كما تابع ملايين المتفائلين والمتشائمين، من الأمتين العربية والإسلامية، بل من العالم بأجمعه، افتتاح مؤتمر المعرفة الأول، الذي انعقد في إمارة دبي، بتاريخ 28ـ 29 أكتوبر 2007 م بإشراف (مؤسسة محمد بن راشد) وتحت الرعاية المباشرة لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة، رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، وبحضور أعداد كبيرة جدا، من السياسيين، والمفكرين، والأدباء، والأكاديميين، في مختلف المجالات، ومن شتى بقاع الأرض. ولم يسعفني حظي لأتشرف بحضور هذه المناسبة العظيمة بشكل مباشر، ولكنني انضممت إلى صفوف متابعيها عبر وسائل الإعلام المرئية، والمسموعة، والمقروءة.

وبحكم إقامتي في هذا البلد المعطاء، ومتابعتي لحجم التطور السريع في جميع مناحي الحياة، الاقتصادية، والسياسية، والاجتماعية، والثقافية، كنت متيقنا بأن هناك شيئا عظيما ليس مألوفا، سيعلن عنه بهذه المناسبة، لاسيما أن مبادرة (دبي العطاء) والتي تشرفت بحضور إعلانها لا يزال مدها يتفاعل، محليا، وإقليميا، ودوليا.

ولكني لم أكن أتوقع مبادرة بهذا المستوى، لا من رجل واحد، ولا من دولة، ولا من الأمة بأكملها، ولا أظن أن أكثر الناس تفاؤلا، كان يتوقع إعلان مبادرة بهذا الحجم. ولا أعتقد أني قد فوجئت واندهشت بذلك، لكوني من بلد فقير متخلف، لم يألف تحولات كبرى على أي صعيد، منذ رحيل الاستعمار إلى يومنا هذا، بل كان اندهاشي، بل قل إن شئت صدمتي، مزيجا من الغبطة والخشية. فمبعث الغبطة أنه لا يزال في هذه الأمة التي أنتمي إليها رجل، له من سعة الأفق، وشمول الفكر، ونفاذ البصيرة، وقوة العزيمة، والتفاني في خدمة أمته.

والإصرار على تحقيق أهدافها، واستعادة مكانتها، وبناء مجدها، مهما كانت العوائق والتحديات ما يجعله يقتحم ما يراه غيره من القادة ضربا من الخيال أو حلما مستحيل المنال، فيصبح ـ بفضل تفاؤله وشجاعته وإقدامه وجهده ومثابرته ـ واقعا معاشا، لا يعتريه شك ولا ريب. متمثلا قول الله تعالى : [وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون] وشعاره قول الشاعر العربي القديم:

لا يدرك المجد إلا سيد فطن

لما يشق على السادات فعال

لولا المشقة لساد الناس كلهم

فالجود يفقر والإقدام قتال

أما مبعث الخشية، فهو: ألا يجد هذا الرجل الفذ، من التأييد والمؤازرة، ما يتناسب مع مكانته السامية، وحجم المهام التي يضطلع بها. فهو الذي يسعى جاهدا لإعادة بناء ما تهدم من حصون الأمة، وترميم ما هو متهالك منها، على أسس راسخة قوامها العلم والمعرفة، لتبعث في حلة جديدة كما أنشئت أول مرة، لتستأنف تبليغ رسالتها الحضارية، وتلعب دورها الريادي الذي فقدته منذ أن تقطعت أوصالها، لتصبح كيانات هزيلة لكل منها همومه الخاصة ومصالحه الضيقة، حتى انطبع في قلوب الناس ووجدانهم، أن الحال الذي عليه الأمة الآن، هو قدرها المحتوم الذي لا مناص منه.

أقول إن رجلا كهذا، يحتاج إلى أن تقف الأمة كلها معه لتشد أزره، باعتباره يمثل أملها في تحقيق أهدافها المنشودة، وبصفة خاصة الشباب الذي يتطلع إلى النهوض بأعباء الأمة في حاضرها ومستقبلها. ولذا فعلى هذا الشباب أن يتخذ من صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، مثلا أعلى في بناء المجتمع وترقيته، اقتصاديا، واجتماعيا، وثقافيا.

وأن يؤمن إيمانا مطلقا بقدرة الإنسان على تحدي الصعاب وتحقيق المعجزات، إن توفرت له الرؤية الواضحة، والإرادة الصلبة، وحدد الهدف، وتحلى بالتفاؤل، والإخلاص في أداء المهام التي يتولى القيام بها. وعلى الشباب أيضا ألا يلتفت إلى آراء الذين تملكهم القصور الذاتي، واستولى عليهم التشاؤم، وأقعدهم الإحباط ، من المهزومين نفسيا، وفكريا، فلا يرون أحدا من أبناء جلدتهم، إلا عاجزا، خائرا، كسيح الهمة والفكر مثلهم. فهؤلاء لا رأي لهم فيما يتعلق بنهضة الأمة وإعادة بنائها، لأنهم لا يرون حلا لمعضلاتها إلا بإبادتها عن بكرة أبيها، والإتيان بأمة جديدة وقادة جدد. ومن يفعل غير ذلك، فهو في زعمهم، كمن يحرث في البحر. فهؤلاء التعساء هم الذين قال فيهم الشاعر العربي:

أيهذا الشاكي وما بك داء

كن جميلا ترى الوجود جميلا

والذي نفسه بغير جمال

لا يرى في الوجود شيئا جميلا

ولقد ضرب صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، من خلال كلمته التي افتتح بها هذا المؤتمر، مثلا بليغا، لمن أراد أن يتذكر أو يعتبر، فالبحر كان يمثل المصدر الاقتصادي الأول لشعوب هذه المنطقة، وبعد التحول الاقتصادي الهائل الذي شهدته البلاد، في آخر القرن المنصرم وبداية القرن الحالي، قام سموه شخصيا بالإشراف على زراعة الجزر في البحر، لتتمدد الرقعة اليابسة لإمارة دبي، وتزداد اتساعا باتجاه البحر، ولينسف بذلك المثل السائد، الذي يضرب عادة لكل عمل لا ترجى منه فائدة، «أنت تحرث في البحر» ولسان حاله يردد قول الشاعر العربي القديم:

على قدر أهل العزم تأتي العزائم

وتأتي على قدر الكرام المكارم

فتكبر في عين الصغير صغارها

وتصغر في عين العظيم العظائم

فصاحب السمو الشيخ محمد، بإطلاقه هذه المبادرة الكبرى، قد وضع أسسا للنهضة الشاملة للأمة العربية والإسلامية، تتركز في مجملها على العلم والمعرفة، مما يدل على إيمانه العميق بأن الأمم لا تنهض إلا بعلم وعمل أبنائها. لذا اعتبر سموه النخبة التي شاركت في هذا المؤتمر، بمثابة هيئة استشارية (لمؤسسة محمد بن راشد) تتولى مراجعة خططها وتقييم أدائها، وتقدم لها المبادرات التي تساعد في تطوير مشاريعها، لتحقيق أهدافها المنشودة.

فالنخبة بذلك قد وضعت أمام مسؤولياتها التاريخية، تجاه أمتها، فعليها أن تشمر عن ساعد الجد، فلم يبق لها عذر تتذرع به، بعد أن وضع صاحب السمو كل هذه الإمكانيات الضخمة في خدمتها، (عشر مليارات دولار) لإنجاز (خمس وعشرين مبادرة) تشمل كل أنواع المعرفة، وعلى المفكرين، والباحثين، والعلماء أن يبدعوا، كل في مجاله، للنهوض بهذه الأمة من وهدتها.

وقد حذر سموه تلك النخبة، بلهجة مملوءة بالحزم والصرامة، من عدم الجد والإخلاص في التطوير المعرفي للأمة، باعتباره مرتبطا بمصيرها، وتقدمها، وبقائها، ارتباط العلة بالمعلول، وجودا وعدما، فليس هناك وقت ليضيع في التخاذل أو التقاعس.

حيث قال: «إذا لم تنهض النخب بمسؤولياتها، فهي ليست جديرة بمواقعها، ولا بالميزات التي تحصل عليها، ولا بالمكانة التي تحوزها، ليس لدينا في العالمين العربي والإسلامي، وقت لغير العمل والإنتاج. وإذا لم نبادر سنبقى تابعين وهامشيين، وإذا لم يقم كل منا بواجبه سنبقى الضعفاء في هذا العالم، والغرباء عن التيار العريض للحضارة الإنسانية، والمعرضين للمزيد من الأزمات، والتدخلات، والانكسارات، والانشطارات». والسؤال الذي يثار هنا، هل هم فاعلون ما يطلبه صاحب السمو؟ نأمل ذلك ونرجوه....

القنصل العام لجمهورية النيجر في دبي