دخلت كلية الصيدلة واستمرت فيها ثلاث سنوات إلا أنها لم تكمل دراستها فقد مات والدها ولم يترك لها ولأمها ولأخيها الصغير أي شيء، كان الرجل موظفاً بسيطاً وكان كل ما يأخذه ينفقه على بيته وعلى الكلية التي تدرس فيها ابنته (م) كان يمني النفس أن تتخرج وان تساعده على مصائب الدنيا لكنه انتقل إلى الآخرة قبل أن يرى حلمه يتحقق.
المصارحة
في يوم جلست (م) مع والدتها تستعرضان مشاكل الحياة وما عليهما فعله، فقالت (م) إنها ستترك كلية الصيدلة وستبحث عن عمل، ورغم أن هذا القرار لم يكن سهلاً لا عليها وعلى على والدتها إلا أنه كان لابد منه، بدأت (م) تبحث عن عمل وفعلاً تمكنت من إيجاد وظيفة مساعدة صيدلي في أحد المستشفيات الخاصة.
ورغم أن الراتب لم يكن كبيراً إلا أنه كان يكفي لسد الاحتياجات الضرورية، مرت الأيام ثقيلة عليها، وأخيراً جاء من يغير حياتها ويطلب يدها إلى الزواج، كان (ر) في الثلاثين من عمره يعمل نائب مدير أحد البنوك، ورغم فرحها بذلك إلا أنها رفضت الزواج لأنها هي العائل الوحيد لأسرتها، عندما عرف (ر) بأن سبب رفضها هو إعالتها لأسرتها قال لها بأنه مستعد لأن يتكفل بهذا الأمر وبالتالي لم يبق أمام الفتاة سوى الموافقة.
كانت والدة (ر) تريد لابنها غير هذه الفتاة الفقيرة والتي لم تكمل تعليمها ومما زاد الطين بلة أن الأم عرفت أن ابنها سينفق على أخ وأم زوجته مما جعل العلاقة بين الفتاة وحماتها تتأزم إلى درجة غير مقبولة.
بعد أن تزوج (ر) أحضر زوجته لتعيش في فيلا أسرته لأنها كبيرة جداً وليس فيها غير أخيه الذي يدرس في كلية الإعلام وأمه ووالده.
حاولت (م) أن تمتص غضب حماتها وأن تتحمل كل ما يصدر عنها من كلام جارح تجاهها وذلك إكراماً لزوجها، مرت الأيام وأنجبت (م) طفلاً غير حياتها وحياة زوجها إلى الأفضل لكنه لم يستطع أن يغير نظرة الحماة إلى كنتها فهي لا تزال تعتبرها غريبة عنها وعن ابنها وعن البيت.
كبر الطفل حتى أصبح عمره خمس سنوات ومع أن (م) وزوجها حاولا إنجاب أطفال آخرين إلا أنهما لم يتمكنا من ذلك، كان الطفل كل حياتهما، لذا أحاطته بكل رعاية وحنان.
كان عدم إنجاب (م) أطفالاً آخرين فرصة لحماتها لأن تطلب من ابنها أن يتزوج امرأة أخرى قائلة بأنها تريد أن يكون لديها الكثير من الأحفاد، خاصة وان ثروة العائلة كبيرة جداً.
كان هذا الأمر يزيد علاقة (م) تأزما مع حماتها حتى أن حياتها مع زوجها بدت مهددة بالخطر، لكن الزوج كان يخبرها دائماً أنه يحبها ولا يرغب في الزواج من أخرى وان الأولاد (قسمة ونصيب) وأن الطفل الذي رزقه الله به يساوي عنده ملايين الأطفال.
خبر غير سار
في أحد الأيام كان على (ر) أن يذهب إلى اجتماع مهم في مدينة تبعد عن مكان عمله بنحو 200 كم وكان عليه أن يقدم بعض الأوراق للمجتمعين، ولأن الوقت داهمه فقد ذهب إلى الاجتماع متأخراً مما دفعه لأن يزيد سرعة السيارة إلى أكثر من (180) كم في الساعة مما أدى إلى تدهور السيارة وموت (ر) في حين أن صديقه الذي كان معه أصيب بجروح خطيرة لكنه بقي على قيد الحياة.
كان لموت (ر) وقع سيئ جدا على نفس زوجته فهي تعرف أنه بغيابه ستفتح عليها حماتها أبواب جهنم وأن أمها وأخيها سيحرمان من المبلغ الذي كان (ر) قد خصصه لهما والأهم من هذا كله أنها ستفتقد رجلاً أحبها وأحبته.
حاولت (م) أن تستوعب ما حصل لكن المصيبة كانت أكبر من أن تتحملها ومما زاد من آلامها أن حماتها بدأت تطالبها بترك الفيلا قائله لها بأن وجهها السيئ هو السبب في موت زوجها، إلا أن (م) رفضت ترك الفيلا قائلة بأن جزءاً منها لابنها وإنها ستبقى فيها لأن ذلك من حقها، بقيت (م) في الفيلا ترعى ابنها لكنها كانت محط انتقاد لاذع من حماتها حتى حولت حياتها إلى جحيم لا يطاق وذلك لدفعها كي تترك الفيلا وتعود إلى بيت والدتها .
فكرت (م) في ترك الفيلا إلا أن أخ زوجها طلب منها البقاء كما طلب من والدته بأن تكف عن تقريع هذه المرأة المسكينة التي لا ذنب لها إلا أنها تزوجت رجلاً أحبها وأحبته.
أحست (م) بأنها وجدت ملاذاً لها في الفيلا وهو أخ زوجها، ورغم أنه كان لا يزال صغيراً نوعاً ما حيث إنه لا يزال في الجامعة إلا انه كان ذا شخصية قوية حتى أن والدته لم تكن تجرؤ على تقريع (م) في حضوره لأنه كان يتصدى لها مذكراً إياها بأن هذه المرأة كانت زوجة ابنها وهي أم حفيدها.
بدأت (م) تأنس إلى أخ زوجها حتى أنها أصبحت تفتقد غيابه عندما يذهب إلى الجامعة، وكانت تختلق أي شيء لتتصل به على هاتفه النقال لتسأله متى سيعود، عندما كان (ع) أخ الزوج يعود من جامعه كانت زوجة أخيه تحرص على أن تحضر له الطعام رغم أن الفيلا فيها عدد من الخدم يفوق عدد سكانها، أحس (ع) باهتمام زوجة أخيه به مما أرضى غروره كرجل.
بدأت (م) تغدق على (ع) حنانها واهتمامها متصورة أن هذا سيجعلها في مأمن من حماتها أما (ع) فقد كان ملتصقاً بابن أخيه وأحبه حباً كبيراً حتى أن الطفل كثيراً ما كان يترك سرير أمه ويذهب لينام عند عمه، كان الحب يبعث الأمل والفرح في قلب (م) لأن كل ذلك يصب في صالحها وبالتالي إبعاد أذى حماتها عنها.
ومع مرور الأيام أحس (ع) بعواطفه تختلف تجاه (م) وكذلك هي قد أحبته وأحبها، لكن أحداً منهما لم يحاول أن يقول للآخر مشاعره إلا أن تصرفاتهما تدل على ذلك.
لاحظت الأم اهتمام ابنها بـ (م) وكذلك هي لذا أرادت أن تقطع عليهما الطريق فأخبرتهما بأنها تراقب كل شيء بعينين مفتوحتين، في أحد الأيام مرض الطفل وطلبت (م) من (ع) إيصالها إلى المستشفى، كانت حالة الطفل تتطلب أن يبقى في المستشفى بضع ساعات، استغلها الاثنان وكشف كل واحد منهما عن حبه للآخر، ولكن اتفقا أن يبقى حبهما نظيفاً وطاهراً حتى يتخرج (ع) ثم يتزوجها.
أحست الأم أن هناك شيئاً ما لذا استغلت غياب ابنها في الجامعة وطلبت من (م) ترك الفيلا وترك ابنها أيضا إلا أن (م) رفضت بشدة، لكن المرأة طلبت من الخادمات والسائق إخراج (م) من الفيلا وعدم السماح لها بالعودة إليها مرة أخرى.
بدأت (م) تصرخ وتستغيث قائلة بأنها على استعداد لأن تترك الفيلا لكنها لن تستطيع ترك ابنها، إلا أن الخدم ألقوا بها في الشارع وأغلقوا الباب خلفها في حين بدأ ابنها بالبكاء طالباً والدته.
اتصلت (م) بـ (ع) وأخبرته بما حدث فهون عليها الأمر واعداً إياها بأن كل شيء سيكون على ما يرام عندما يعود.
الزواج
بعد أن التقى (ع) بـ (م) أخبرها بأن أفضل حل لمشكلتها هو أن يتزوجا على سنة الله ورسوله، وبذلك يكون وجودها في الفيلا طبيعيا وفي حمايته وافقت على الفكرة حيث اتصل (ع) بوالده المقعد واستأذنه في الزواج فأبدى الرجل موافقته بل إنه شجع ابنه على ذلك، ذهب (ع) مع صديقين له إلى المحكمة الشرعية وهناك كتب كتابه على (م) وفي المساء عادت (م) إلى الفيلا زوجة لـ (ع).
عندما عرفت الأم بذلك جن جنونها وبدأت تشتم وتسب وتتهم (م) بتهم قبيحة وتنعتها بأسوأ الألفاظ إلا أن (ع) طلب منها أن تبقى صامتة وان لا ترد احتراماً لوالدته.
اقتربت الأم من (ع) وظن أنها ستقول له مبروك لكنها بدلاً من ذلك صفعته على وجهه وطلبت منه أن يأخذ هذه المرأة ويرمي بها في الشارع ويطلقها إلا أن (ع) رفض ذلك قائلاً إنها أصبحت زوجتي ولن اتركها أبدا وقال لها إذا بقيت مصرة على أن تترك هي البيت فسأذهب معها ولن ترين وجهي مرة ثانية.
شعرت المرأة بالهزيمة أمام تهديد ابنها فقد يترك الفيلا فعلا ولن تراه، جن جنونها وأخذت تهذي تريد أن تنقض على (م) وتقتلها لتستريح منها إلى الأبد، مَرّ عام أنجبت خلاله (م) طفلاً آخر، ومع ذلك فإن حقد حماتها عليها لم يتغير.
بدأت المرأة تفكر في الكيد لـ (م) وتؤلب ابنها عليها حتى أحست (م) بأن زوجها بدأ يتغير من ناحيتها خاصة وان حماتها أخذت تدفع أمامه بفتاة جميلة وصغيرة هي ابنة أخيها، شعرت (م) بالخطر يتهدد حياتها لذا قررت أن لا تبقى صامتة وان تدافع عن حقها وحق أولادها، لذا فكرت في الخلاص من حماتها بأية وسيلة.
بعد تفكير طويل عقدت العزم على قتل حماتها لكنها ستقتلها بطريقة لا يكتشفها أحد، بدأت (م) تتحين الفرصة لكي تخلو بحماتها، وقد جاءت الفرصة السانحة عندما مرضت الحماة حيث وصف لها الطبيب خضاراً مسلوقاً هنا تذكرت (م) عندما كانت تدرس الصيدلة وتذكرت بان بضع قطرات من عقار (.....) كفيلة بقتل إنسان وان ميزة هذا العقار أنه يذوب في الجسم وإذا لم يتم الكشف على الإنسان بعد نحو ساعة فإن آثار العقار تختفي، ويظهر سبب الموت بأنه توقف تدفق الأوكسجين إلى الدماغ عبر الدم.
الفرصة المواتية
انتهزت (م) غياب الخادمة التي تحضر الخضار المسلوق للمرأة وقامت بوضع عشر نقاط من عقار (....) في الطعام وذهبت إلى غرفتها دون أن يراها أحد، وبدأت ترقب ماذا سيحدث لحماتها عندما تتناول الطعام، عندما ذهبت الخادمة إلى غرفة المرأة وجدتها نائمة لذا لم تحاول إيقاظها بل وضعت الطعام بالقرب منها وانصرفت.
في هذه الأثناء دخل الابن الأكبر لـ (م) إلى غرفة السيدة وبدأ يتناول الطعام ما كاد الطفل يأخذ بضع ملاعق حتى شعر بتعب شديد وبدأ يصرخ أفاقت المرأة من نومها وأخذت تنادي على الخدم كي يحضروا ليساعدوا الطفل.
سمعت (م) بما حدث فهالها ذلك وحملت طفلها وأسرعت نحو الباب حافية القدمين حاسرة الرأس في طريقها إلى المستشفى، كانت (م) تصارع الموت مع ابنها وكانت تطلب من السائق أن يوصلها بأسرع وقت ممكن فكل دقيقة محسوبة من عمر ابنها فهي تعرف قوة هذا العقار وهي تعرف أيضا أن الكمية التي وضعتها في الطعام غير قليلة بل قادرة على قتل أي إنسان في وقت قصير فكيف بهذا الطفل الصغير.
عندما وصلت (م) إلى المستشفى كان وجه الطفل قد أخذ يتحول إلى اللون الأزرق وبدا تنفسه متقطعاً، أحست بأنها النهاية وان الطفل قد يفارق الحياة أو فارقها.
طلبت من الطبيب أن يسعف الطفل بسرعة واصفة له نوع العقار الذي أخذه اندفع الجميع بالطفل إلى غرفة العناية المركزة محاولين إنقاذ حياته إلا أن الموت كان قد سبقهم إليه.
بدأت (م) تصرخ بأعلى صوتها وهي تقول لقد قتلت ابني ... لقد قتلت ابني ... في هذه الأثناء تم الاتصال بقسم الشرطة الموجود في المستشفى حيث حضر الضابط وطلب تقريرا عن سبب وفاة الطفل وفقاً لما كانت تقول والدته.
في هذه الأثناء كانت (م) ملقاة على الأرض فاقدة لوعيها حيث تم إسعافها بعد أن فاقت من غيبوبتها بدأت تسأل عن ابنها تريد أن تراه لكنهم اخبروها بأنه مات بسبب تناوله لكمية كبيرة من عقار (....) وطلب منها الضابط تفسيراً لذلك وكيف وصل هذا العقار إلى الطعام الذي تناوله الطفل.
جلست (م) تروي للضابط رحلة عذابها ومعاناتها مع حماتها وكيف أنها حولت حياتها إلى جحيم لا يطاق وقالت له بأنها هي التي وضعت العقار في طعام حماتها تريد من وراء ذلك قلتها إلا أنها بدلاً من أن تقتلها قتلت ابنها.
تم تحليل الطعام فوجد فيه نسبة عالية من العقار القاتل وعليه تم احتجاز (م) أربعة أيام على ذمة التحقيق لم يمض على احتجازها في السجن سوى يومين حيث أعيدت مرة ثانية إلى المستشفى فقد كانت تتصرف في السجن بطريقة غريبة وتقوم بأعمال منافية للذوق العام والأخلاق.
من خلال الفحوصات تبين بأنها مصابة بصدمة عصبية عنيفة أفقدتها السيطرة على نفسها وعليه تم إرسالها إلى مستشفى للأمراض العقلية والعصبية حيث لا تزال فيه حتى الآن، ورغم مرور عدة سنين على وجودها هناك إلا أن التقارير الطبية أشارت إلى أن (م) لم تنطق بكلمة واحدة بل بدت مسلوبة الإرادة شاردة الذهن غائبة عن الحياة.
إعداد أحمد سلطان
