شهد الفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة المحاضرة الفكرية التي استضافها مجلس سموه بقصر البطين الليلة قبل الماضية بعنوان «التسامح كقيمة إنسانية» ألقاها المفكر الكويتي الدكتور أحمد مبارك البغدادي.
وذلك في إطار برنامج المحاضرات والأمسيات الفكرية التي ينظمها مجلس سموه لإثراء ودعم المفكرين والمبدعين العرب والأجانب وقدم لها راشد صالح العريمي رئيس تحرير جريدة الاتحاد، أمين عام جائزة زايد للكتاب.
وحضر المحاضرة سمو الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان وزير الخارجية وسمو الشيخ الدكتور سلطان بن خليفة آل نهيان وسمو الشيخ محمد بن خليفة آل نهيان رئيس دائرة المالية والعميد الركن الشيخ سعيد بن محمد آل نهيان نائب المفتش العام بوزارة الداخلية
ومعالي الشيخ حمدان بن مبارك آل نهيان وزير الأشغال العامة والشيخ أحمد بن سيف آل نهيان رئيس مجلس إدارة طيران الاتحاد والشيخ سلطان بن طحنون آل نهيان رئيس هيئة أبوظبي للسياحة وعدد من الشيوخ والوزراء وكبار المسؤولين في الدولة وجمع من سيدات المجتمع والمدعوين.
وأكد المحاضر على أن التسامح يقوم على سلسلة عمليات فكرية وثقافية يخضع لها الفرد والمجتمع، داعيا لاستئصال التعصب والانغلاق لتحل محلها قيم المحبة والسلام مشيرا إلى أن التسامح موضوع مهم ومصيري لنا كعرب ومسلمين وخاصة في ظل اتهامنا بالإرهاب نتيجة تصرفات أشخاص ضلوا طريق العيش ضمن مكونات الإنسانية بمفهومها الشامل وحاجة كل منا للآخر.
وقال لم يصل العالم الحديث والمعاصر إلى مفهوم التسامح إلا بعد أن عاصرت الإنسانية آلاما كثيرة وكبيرة على مدى 10 قرون تقريبا مع البدايات الأولى لنهاية العصور الوسطى أو عصور الظلام الأوروبية مشيرا إلى أن المجتمع الإنساني عرف قبل تلك الفترة شذرات من قبس التسامح وخاصة التسامح الديني.
واستشهد المحاضر بما أورده الدكتور عصام عبد الله في مقال منشور في موقع «إيلاف الالكتروني» بعنوان «مفارقات التسامح» من خلال سرد بعض الأمثلة في القرن الرابع الميلادي حين اصدر الإمبراطور الروماني قسطنطين مراسيم التسامح الديني والعفو عن المسيحيين والذي أعتنق فيما بعد المسيحية.
وأضاف بأن المجتمع الإنساني ظل بعيدا عن فكرة التسامح طوال العصور الوسطى بسبب الفكر الديني الكاثوليكي مشيرا إلى أن المجتمع الأوروبي شهد مع بدايات العصر الحديث في القرن الخامس عشر تطاحنا وقتالا استئصاليا بين كل من الكاثوليك والبروتستانت وخاصة ، حرب الثلاثين عاما (1618 ـ 1649) «ثورة البروتستانت»
وامتداد الثورات والحروب الأهلية من إيطاليا وحتى المملكة المتحدة. وقال أمام هذا الوضع من الدمار المادي والمعنوي برزت فكرة التسامح الديني لكي تستقر في وجدان المجتمع الأوروبي وترتقي حضاريا إلى التسامح السائد اليوم والقابل للتنامي والتطور في عصر العولمة.
الفكر الأوروبي
وأوضح البغدادي على أن «أوروبا» لم تعرف التسامح الديني والسياسي دون تجاهل لدعوة الدين المسيحي للتسامح والمحبة والصفح والغفران للخصوم إلا في القرن السابع عشر وخاصة في إنجلترا التي أدركت أهمية ذلك بعد سلسلة من الحروب الطائفية بين الكاثوليك والبروتستانت.
وأشار إلى أن المفكر جون لوك (1632 ـ 1704) أول من كتب حول موضوع التسامح الديني في الرسالة المعنونة ب«خطاب في التسامح» باللغة اللاتينية ودعا فيها إلى ضرورة التسامح مع المخالفين في العقدية والرأي وحق الاجتهاد واتخاذ العقل ميزانا وحكما
وذلك بعد تأثره بالتجربتين الألمانية «حيث كان سفيراً لبلاده» والهولندية أثناء إقامته فيها بعد هروبه من إنجلترا مذكرا بمواقف فولتير وكارل بوبر اللذين أكدا على أن التسامح موقف أخلاقي وعقلي نابع من الاعتراف بأن البشر غير معصومين عن الخطأ.
وأكد المحاضر على عدم جواز تكفير الآخرين للخلاف معهم بالرأي أو الفكر وعدم إقحام الحقوق المدنية والدنيوية للأشخاص باسم الدين مشيرا إلى أن التسامح يعد فكرة شاملة لداخل الدولة وخارجها بمعنى أن ليس مطلوبا منها أن تجعل منه عنصرا أساسيا من أسس سياستها الخارجية خلافا للداخل
حيث أنها ملزمة بتبني سياسة التسامح إزاء مواطنيها والمقيمين على أرضها بل وتشجيع هذه الروح بين الأفراد ومعاقبة من يعارض روح التسامح وهو ما يفتح الباب واسعا لمناقشة مدى حق المعارضين للتسامح الاجتماعي بالتمتع بحق تسامح الدولة أو خصومهم معهم.
لا استقرار بالمصالح
ووصف المحاضر السياسات الخارجية للدول بالمتقلبة وتعمل وفقا للمصالح الخاصة وهي مصالح لا استقرار لها ولا ثبات وقال عدو اليوم ربما يصبح صديق الغد وأستشهد بعدد من الأمثلة على رؤساء دول وحكومات عربية تقيم علاقات مع إسرائيل وأخرى ترفض ذلك.
وأكد أن عدم التسامح أمر مرفوض وخاصة في قضايا الفكر والرأي وحرية التعبير مبرزا ظاهرة التسامح من خلال الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والذي وضعت الثورة الفرنسية أسسه الإنسانية بمبادئ «الحرية والإخاء والإنسانية» وذلك عام 1948 والذي تحتفل به المنظمة الدولية في العاشر من ديسمبر من كل عام لتذكير الشعوب والحكومات بأهمية هذا الميثاق العالمي وضرورة تبنيه وتطبيقه في القوانين الوطنية.
واستعرض المحاضر ما تسببت به الحروب العالمية من ويلات وإزهاق أرواح كان بعضها بسبب عدم التسامح الديني موضحا على أن المادة الثانية من الإعلان المذكور تنص على حق كل إنسان بالتمتع بجميع الحقوق والحريات الواردة بالإعلان دونما تميز بسبب العنصر أو اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين أو الرأي سياسيا وغير سياسي وخلاف ذلك من حقوق المواطنة أو المولد.
التسامح في عصر العولمة
وأكد البغدادي أن عصر العولمة بات يشهد تناميا ملحوظا في قضية حقوق الإنسان والتي أصبحت القضية المحورية في السياسة الخارجية للدول الغربية وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية ودول الاتحاد الأوروبي مما ساعد على تأسيس المنظمات الدولية التي تراقب أوضاع دول العامل وتقديم التقارير السنوية حول مدى سوء أو تحسين هذه القضية مما يؤثر على مصداقية الدولة في المحافل العالمية.
وذكر بأهمية وخطورة شبكة الانترنت حيث ساهمت في نشر الصورة والخبر لكل انتهاك لحقوق الإنسان محذرا من خطورة تنامي نزعة التميز العنصري سواء ضد المرأة أو الخدم واستغلال الأطفال في الأعمال الشاقة مما يؤثر على مجمل الاقتصاد العالمي حيث تقوم بعض الدول الغربية وغيرها بهذه الأعمال والتهديد بمعاقبة فاعليها.
وسائل الإعلام
وحذر من خطورة الصورة الإعلامية والصحافية وما تلعبه من دور حيوي في فضح ممارسات انتهاك حقوق الإنسان وجعل ذلك من المستحيل لمن تمارسه من دول تتهرب من مسؤوليتها عن هكذا انتهاكات.
أمثلة حية
وقدم المحاضر عدداً من الأمثلة الحية على عدم التسامح الديني في بلدان عربية ودعا لأهمية إعادة النظر بمناهج التعليم وأن يكون نصيب حصص مادة التربية الإسلامية على حساب المواد العلمية الأخرى أو النشاطات الرياضية والموسيقية والفنية
وقال «مناهج التعليم الكويتية لا تسر صديق» ولا بد من فرض قيم التسامح بقوة القانون وعدم السماح بنشر الفتاوى الحاضة على التنافر بين المذاهب الدينية أو التي تكفر الآخر ويجب أن يتحول التسامح إلى روح وليس فقط مجرد قوانين. وأختتم المحاضر حديثة بالتعقيب على أسئلة ومداخلات الحضور مشيرا إلى أن التسامح الديني أصبح اليوم قضية محط اهتمام جميع دول العالم .
أبوظبي ـ إبراهيم السطري

