تحتضن الإمارات ومنذ تأسيس دولة الاتحاد آلاف العمال الوافدين إليها من كل أصقاع الدنيا بحثاً عن مصدر رزق مريح وحياة هانئة، مشكلين مع أبناء الوطن تنوعاً ونسيجاً اجتماعياً قل نظيره في العالم، ينعم فيه الجميع بالأمن والأمان، وسهولة الحصول على فرصة عمل مناسبة.

في مثل هذه البيئة المثالية في كل شيء التي يتمنى الملايين في بلدان أخرى الوصول إلى حدها الأدنى، تحدث بعض التجاوزات أو الأخطاء في بعض الشركات تجاه عمالها، يقتنصها الإعلام المتربص للتشهير والتشويه، متناسياً ومتغافلاً أن عموم العمالة في الإمارات تحصل على مزايا وامتيازات لا مثيل لها في العالم، خصوصاً في ظل طفرة التنمية التي تشهدها البلاد، وهو سبب التهافت العمالي عليها من كل بقاع الأرض.

وصحيح أن تلك العمالة قدمت وخدمت البلاد وشاركت مع أبناء الوطن في البناء والتنمية، ومثلما عليها واجبات لها حقوق لا تنكرها أية جهة رسمية في البلاد، بل ان المؤسسات المعنية بدءاً من مجلس الوزراء ومروراً بوزارة العمل وهيئات التفتيش في البلديات وأجهزة الرقابة في دوائر الأمن، تتابع أوضاع العمال وتحرص على حقوقهم كما يحرصون عليها، لأنها تدرك أن ذلك واجبها والتزامها القانوني والأخلاقي.

لذلك طورت الدولة التشريعات وقوانين العمل ووضعت شروطاً صارمة على استقدام العمال لضمان حقوقهم لعل أبرزها الضمان المصرفي، كما استنفرت أجهزة الرقابة والتفتيش على مواقع العمل وسكن العمال لضمان توفير البيئة المناسبة والصحية لهم، والتدخل السريع من قبل الأجهزة ذات العلاقة لحل أية خلافات، وإلزام الشركات الوفاء بشروط التعاقد أو مواجهة عقوبات صارمة.

كما ألزمت الحكومة الشركات بتوفير السكن الملائم والصحي للعمال. وأحدث الإجراءات هو ما قرره مجلس الوزراء أمس بإعداد تصور عاجل حول أجور العمال في قطاع الإنشاءات والمقاولات.

وما يؤكد التوجه الرسمي للمضي قدماً في توفير أفضل معايير بيئة العمل ماأكده صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي حين أعلن مرتين خلال العام الجاري، الأولى وهو يعلن الخطة الاستراتيجية لحكومة دبي.

والثانية وهو يعلن الخطة الاستراتيجية الاتحادية، حيث أكد في الأولى على ضرورة توفير ظروف عمل ملائمة للقوى العاملة في دبي بشكل يستقطب العمالة الماهرة من خلال العمل مع الجهات الاتحادية لتطوير التشريعات والأنظمة المتعلقة بقطاع العمل، ووضع آليات مناسبة لتأكيد تطبيق التشريعات والأنظمة، ورفع مستوى وعي أصحاب العمل والموظفين بحقوقهم وواجباتهم القانونية.

وفي الثانية أشار سموه إلى غياب الدور الفاعل للقطاع الخاص، داعياً رجال الأعمال والشركات إلى المبادرة بتحمل مسؤولياتهم الاجتماعية للحفاظ على سمعة الدولة، لاسيما أن سبب معظم الملاحظات السلبية في التقارير الدولية عن الإمارات هو عدم قيام بعض الشركات بمسؤولياتها ليس فقط تجاه المجتمع وإنما تجاه عمالها وموظفيها.

ورأى سموه أن تقصير الشركات في أداء مسؤولياتها الاجتماعية سيضر إن عاجلاً أم آجلاً بمكانتها، وسيؤثر على فرص نمو أعمالها، إذ بات معياراً دولياً في تقييم الشركات وفرص منافستها ونجاح أعمالها.

وفي الملاحظتين السابقتين يضع صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد يده على الجرح، لكنه يصف الدواء أيضاً، فهو من جهة شدد على الحاجة لتطوير التشريعات وهو ما بادرت إليه الحكومة، ومن جهة ثانية طالب الشركات بأداء التزاماتها، ليست القانونية فقط، المشروطة في عقود العمل وقوانين وزارة العمل، بل والأخلاقية تجاه الدولة التي وفرت لها بيئة استثمار مثالية، حققت من ورائها مليارات الدراهم أرباحاً، وهو ما تتسابق الشركات لإعلانه والمنافسة فيه فيما بينها.

فمن حق العمالة ومن حق الدولة على تلك الشركات الوفاء بالتزاماتها والحفاظ على سمعة الدولة عالمياً وإغلاق فجوة التقصير التي تحدث عنها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد.

فليس من الإنصاف ولا العدل أن تستفيد تلك الشركات من قوانين وتشريعات الاستثمار والسوق الحرة في البلاد، محققة أرباحاً طائلة، وتتجاهل في نفس الوقت قوانين العمالة أو تتحايل عليها.

وليس من الإنصاف أيضاً أن ترسم الدولة لنفسها صورة مثالية على مستوى العالم سواء في سياستها الخارجية السلمية، أو الاقتصادية القائمة على المشاركة والتعاون الاستثماري مع الدول الشقيقة والصديقة، أو الاجتماعية المتمثلة في المساعدات والمنح والهبات التي تمنحها للدول المحتاجة أو المتضررة من الكوارث الطبيعية والحروب.

ولعل أجملها حملة «دبي العطاء» التي تستهدف تعليم مليون طفل في الدول الفقيرة، ليس من الإنصاف أن يكون ذلك هو توجه الإمارات بينما تقصير بعض الشركات يتحدى القيم والمبادئ السماوية والقوانين المحلية والدولية.

آن لتلك الشركات أن تتنبه لتوجهاتها وأن تنسجم مع سياسات الدولة حتى لا تجد نفسها خارج السرب إن استمرت في ذلك، لأن الذي يخسر ليس العامل فقط بل الوطن الذي يخسر أكثر، فالذي يحصل استغلال للوطن قبل أن يكون للعمال.