كان شهر رمضان زاخراً بعرض العديد من المسلسلات والأعمال الدرامية المحلية وذلك على العديد من المحطات والقنوات الفضائية المحلية والخليجية والعربية سواء كانت قنوات رسمية أو خاصة وتابع المشاهدون هذه الأعمال بشغف شديد وبطبيعة الحال تختلف مدى جودة هذه الأعمال الدرامية من عمل لآخر. بطبيعة الحال تناولت وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة هذه الأعمال بالنقد والتقييم.
ومن اجل ذلك عقدت وحدة الدراسات في صحيفة «البيان» ندوة بعنوان «الدراما المحلية في الإمارات.. رؤى مستقبلية» شارك فيها نخبة من المثقفين والمهتمين بشؤون الفن والدراما في الدولة، حيث جرى مناقشة واقع هذه الأعمال ومدى جودتها والمطلوب لإطلاق حركة درامية تضاهي الأعمال الخليجية والعربية وتتفوق عليها أيضاً. خصوصا وان العمل الدرامي في الإمارات قد شهد تطورا ملحوظا منذ انطلاقته قبل أكثر من اربعين عاما في الإمارات وتركز الحديث على المحاور التالية: ـ بدايات الحركة الدرامية المحلية ما لها وما عليها
ـ دور المؤسسات الرسمية والأهلية والمجهودات الشخصية في دفع الحركة الدرامية للأمام ـ معوقات الحركة الدرامية المحلية وسبل التغلب عليها ـ الآفاق المستقبلية للحركة الدرامية وفق ما يتم عرضه حاليا وما هو مطلوب للوصول نحو الأفضل وكنا قد وجهنا الدعوة للعديد من الفنانين والمسؤولين الرسميين في بعض المؤسسات الحكومية والأهلية وقد حالت ظروف بعضهم دون المشاركة في أعمال الندوة نظرا لارتباطاتهم في المشاركة بفعاليات وأنشطة ثقافية وفنية أخرى لذلك قام المهتمون منهم بإرسال مساهمتهم لنا في ما أثرى أعمال الندوة وكان محط تقدير واحترام. وسننشر هذه المساهمات إلى جانب ما جرى في الندوة من مناقشات وطرح لوجهات النظر وفيما يلي وقائع الحلقة الأولى من الندوة:
* أ.د: محمد المطوع: الهدف الرئيس من هذه الندوة هو إعادة تقييم ما تم عرضه من مسلسلات وأعمال درامية خلال شهر رمضان المبارك خصوصا وأننا نعلم ان ذروة الإنتاج والعرض كان في هذا الشهر كما ان الكثير من المحطات الفضائية تعيد عرض هذه الأعمال في شهور أخرى. ومن هنا ارتأينا في وحدة الدراسات في جريدة « البيان» بعقد هذه الندوة لمناقشة هذه الأعمال من كل جوانبها الايجابية والسلبية حتى تضح لنا رؤية متكاملة لما نحلم بالوصول إليه. ويسرنا حضوركم أيها الإخوة ونرحب بكم باسم «البيان» على تلبيتكم دعوتنا رغم مشاغلكم الكثيرة. ونرغب منكم المرور سريعا على المحور الأول المتعلق ببدايات الحركة الدرامية المحلية، خصوصا وانه كان لكم إسهامات مبكرة في هذا المجال.
ـ عبد اللطيف القرقاوي: أولا نشكركم على الاستضافة أما بالنسبة لبداية الأعمال الدرامية في دولة الإمارات فقد كانت طيبة وكان لدينا مسلسلات ما زال صداها حتى الآن رغم إنتاجها في السبعينات وهناك بعض المحطات تعرضها على شاشاتها. والسبب في ذلك يرجع للدور النشط لوزارة الإعلام آنذاك بتبنيها المنتج المحلي ولكن مع المتغيرات بعد ذلك اندثرت الدراما المحلية نتيجة للتحول إلى النظرة التجارية فسيطرت المسلسلات المصرية والسورية على محطاتنا المحلية.
من ناحية ثانية فإن مسألة الكم مهمة فنحن في الإمارات ليس لدينا أكثر من عمل أو عملين في السنة وليس لدينا معاهد فنية متخصصة فالكاتب والمخرج والممثل لا يمكن ان يؤهل ويتكون دون آلية معينة وهذه الآلية غير متوفرة لدينا ولا يوجد من يتبناها ولهذا أصبحت الدراما تخضع للمؤسسات التجارية وقلة تتبع المؤسسات الأهلية.
وكان دور المسرح في البدايات كبيرا جدا وكذلك وزارة العمل والشؤون الاجتماعية والحكومات المحلية، وكمخرج تلفزيوني شخصيا كنت أعاني من ندرة الفرص التلفزيونية في الثمانينات وكان هناك تجارب معينة ولكن بعضها لم يكن مرضيا عنه والناس كانت ضد هذه التجربة وتريد أن يكون الإنتاج كله من الخارج لأسباب معينة. وعن تجربتي الخاصة فقد اتجهت نحو المسرح في أعمال قليلة ثم انتقلت إلى الأعمال الدرامية والمسرحية في ستوديوهات عجمان كما أخرجت سهرات تلفزيونية.
أما اليوم فهناك مؤسسات لها نظرة مستقبلية وتطالبها الحكومة الاهتمام بالعنصر الإماراتي وهذا الاهتمام هو الذي جعل أعمالنا تشاهد ليس محليا فقط بل خليجيا وعربيا. وعندما أتكلم عن مؤسسة دبي للإعلام ومن بينها قناة «سما دبي» فإن من بين أهدافنا الاهتمام بنشر الدراما المحلية الإماراتية وإيصالها إلى الجمهور العربي في كل مكان لتصبح عربية الانتشار.
ـ عبدالإله عبد القادر: بالإضافة لما ذكره الأستاذ عبداللطيف فان وزارة التربية والتعليم أيضاً كان لها دور أساسي في مجال الدراما المجال منذ بداية السبعينات وكذلك لعب تلفزيون الكويت من دبي دورا مماثلا آنذاك إذ جرى تنشيط الحركة المسرحية والدرامية بما كان يعرضه باستمرار للأعمال المسرحية، كما قام التلفزيون بالإضافة لعرض الدراما بنقل الأعمال المسرحية في الثمانينات مما شكل رافدا للشاشة المحلية فنيا وحتى ماديا كان يساعد الفرق المسرحية بتقديم الدعم المالي لها.
إذن كانت البدايات مبشرة بالخير وشهرياً كان يتم عرض احد المسلسلات، لكن الأمر اضمحل ولم يبق على حاله إلى ان وصلنا إلى درجة الصفر ولم يتم نقل أو عرض أي شيء محلي، وربما الدورات البرامجية الحالية قد حققت قفزة عددية ونوعية في الدراما المحلية بتقديمها للمتلقي والمشاهد ضمن مجموعة عربية وخليجية من المسلسلات والأعمال الدرامية الكثيرة وزجها في هذا الوسط الهائل من الكم وقد ساعدها البث الفضائي على الانتشار خارج حدودها.
ـ سميرة احمد: انا سعيدة لوجودي بين شخصيات لها باع طويل في الإعلام ولها دورها المشهود في رفد الحركة الثقافية والفنية في دولة الإمارات سواء عبر المسرح أو شاشتنا الفضية. وبالنسبة للدراما المحلية فيمكنني ان أبدا من حيث أشار الأستاذ عبداللطيف القرقاوي حول التوجه نحو الفنان الإماراتي والاهتمام به، حيث تم ذلك بالفعل في الفترة الأخيرة بحصوله على الفرص التي يجب الحصول عليها، حيث شارك الفنان الإماراتي في العديد من الأعمال على المستوى الخليجي والعربي واثبت حضوره ونجاحه أيضاً. واعتقد ان هذه الفرصة يجب ان تستغل بشكل صحيح لصالح الدراما الإماراتية لأنها ستحسب له كما ستحسب أيضاً للحركة الدرامية المستقبلية وسيكون مردودها ايجابيا للقادمين في العمل لاحقا في هذا المجال.
وتعقيباً على كلام عبدالإله عبدالقادر فبالفعل كانت فترة البدايات تشهد عروضا متواصلة للأعمال المسرحية وهذا الأمر لمحناه مؤخرا في قناة الإمارات وتلفزيون أبوظبي حيث جرت إعادة عرض هذه الأعمال عندما تولى الإدارة فنان إماراتي هو جمال سالم والذي قام بإعادة عرض هذه المسرحيات مما أسعدنا لان جهة رسمية تبنت الفكرة وتذكرت تاريخنا المسرحي وقدرته، هذا بالإضافة لدور تلفزيون الشارقة والذي ما زال مستمرا في عرض هذه الأعمال.
كما ان توجه تلفزيون دبي وقناة «سما دبي» نحو الدراما أسعدنا مما يعني ان هناك من تنبه للفنان الإماراتي وأهميته وان من حقه ان يعطى الفرص لانه ليس أقل من الآخرين ان لم يكن موازيا لهم في القدرات والكفاءة، كما ان البلد بحاجة لتحمل عبء قضاياها وطرحها باللهجة والثوب الإماراتي وهذا ما نحن في أمس الحاجة له والدليل على ذلك تفاعل الناس في الشارع معنا كممثلين ومعظم الأعمال المحلية التي تمت في الأعوام الأربعة الماضية لاقت استحسانا مثل «حاير طاير» وما أنتجه تلفزيون دبي وقناة «سما دبي» من أعمال درامية وفنية. ونحن نعيش حاليا بالفعل فترة نضج حقيقي وثقة بالفنان الإماراتي.
ـ أ. د. محمد المطوع: كيف ساهمت البدايات في خلق سميرة احمد كفنانة متميزة؟
ـ سميرة احمد: هذا ما احمد الله عليه، ولعل السبب يرجع أولاً إلى الاهتمام الشخصي وحبي لهذا المجال الذي جعلني أتحدى عقبات اجتماعية كثيرة وأتغلب عليها في ذلك الوقت خصوصا وان دخول الفتاة في هذا المجال كان صعبا جدا وعبد اللطيف القرقاوي كان في نهاية الثمانينينات مخرجا مسرحيا وكان يتعاون مع مسرح الشارقة الوطني وعندما دخلت هذا المجال وقمت بالاشتراك في عمل مسرحي فقد منعت من مواصلة عملي من قبل أهلي وكان عبداللطيف والفنان عبدالله المناعي وخادم سرور يأتون من الشارقة إلى والدتي ويرجونها السماح بمواصلة هذه التجربة وهذا موقف لا يمكن ان أنساه لهما.
فحب العمل المسرحي هو الأساس وراء نجاحنا ولم يكن الدافع المادي هو الذي يحركنا أو يثير اهتمامنا أو يشكل هاجسا لنا. ومن توفيقي اننا شاركت في أعمال مهمة في الإمارات مثل مسرح الشارقة والمسرح القومي حيث كانت هناك شخوص مهتمة في العمل المسرحي ولها بعد نظر في تشكيل فرق مسرحية وعلى رأسهم الشيخ احمد بن محمد القاسمي ومن الأعمال التي لي فيها تجارب معهم واعتز بها مسرحية «هالشكل يا زعفران» و«مقهى أبو حمدة» وقد تقبلني الجمهور مما شجعني على المواصلة بالإضافة لوجود مخرجين متميزين مثل جواد الأسدي وفؤاد الشطي مما أفادنى كثيرا وجعلني أحرص على مواصلة النجاح والحرص عليه، كما أضاف لي كثيرا من الخبرة اختيار تلفزيون قطر للعمل في أعماله الدرامية.
ـ جمال مطر: اعتقد أنكم في مؤسسة « البيان» أقمتم هذه الندوة لتقييم العروض الدرامية في رمضان بشكل خاص من باب افتراض ان كل عمل فني يساهم في خلق أجواء صحية ومتفتحة، وقد شعرنا ان بعض المسلسلات لم تحقق نجاحا كبيرا خاصة تلك التي أنتجت على عجل لعرضها في رمضان، ونحن كلنا نؤمن ان النص المسرحي هو بمثابة الرأس من الجسد إذا صلح الرأس صلح الجسد، وإذا كتب النص بشكل جيد فانه يساعد المخرج وحتى الممثل لإخراجه بشكل جيد فحتى المخرج الضعيف لو وقع بين يديه نص جيد فانه يساعده كثيرا.
والسؤال لماذا الهرولة في هذا الشهر الكريم؟ واستغلاله ابشع استغلال خاصة بالمسلسلات قليلة القيمة ولا نقول كلها حيث لم يتم مراعاة الشهر الفضيل وكأنها فرصة يجب اغتنامها بأنانية شديدة. ولماذا لا يكون مشروع الدراما اكبر من المناسبات؟ بمعنى ان يكون لدينا خطة كما في « سما دبي» والذي احيي جهوده المتميزة هذا العام فبصراحة كان رمضان هذا العام لقناة « سما دبي»، حيث استطاع تحقيق نجاح ملموس ليس فقط في مجال الدراما والمسلسلات وإنما حتى في الكاميرا الخفية والتي هي أيضاً فيها جزء من الدراما؟
فلماذا لا يكون الأمر مخططا خاصة وأننا نعمل على إنتاج 3 مسلسلات خلال العام فلماذا الهرولة في رمضان والعمل في عز الحر والصيف؟ فالنتيجة ان غالبية المسلسلات تكون بعيدة عن الواقع مما يعرضنا للانتقاد في الشارع ونتهم بالبعد عن مناقشة همومنا ولا تعمل تقاطعا بينها وبين المتفرج ويعاب علينا وجود الصراخ الدائم. ونتمنى ان لا تستنزف الأموال في مسلسل باهت.
ويمكننا ان نضرب مثالا على المسلسلات الناجحة وهو مسلسل « الفريج» فقد كان عملا مميزا للممثلين ولقناة «سما دبي» ورغم انه مسلسل كرتوني فقد نجح بجدارة، فلماذا نجح هذا المسلسل؟ لقد نجح لان له علاقة وطيدة بالمكان وارتباطه بهمومنا وأتمنى من قناة سما دبي أو أي قناة أخرى ان تحول هذا العمل إلى مسلسل درامي.
ـ عبد الإله عبد القادر: إضافة لما ذكرناه في البداية أود الإشارة إلى التاريخ الدرامي للمسرح، فلو أخذنا الدراما بشكل عام سواء كانت إذاعية أو مسرحية أو تلفزيونية بمعنى مرئية أو مسموعة نجد ان الفنان المحلي حقق دراما إذاعية جيدة خلال سنوات الثمانينات فقد كانت تذاع هذه المسلسلات بشكل يومي من إذاعة دبي وقد حققنا نقطة أساسية لم تحققها دول الوطن العربي ونقصد بها المسلسل الدرامي الإذاعي المخصص للطفل، فهناك مئات الساعات المخصصة للطفل في مكتبة إذاعة دبي مسجلة في بداية الثمانينات وكلها موجهة للطفل في ساعاته، وهذا ما لم يحدث في إذاعات الخليج ولا الإذاعات العربية، ويضاف هذا الجهد إلى تاريخ الدراما المحلية.
ـ عبد اللطيف القرقاوي: الكلام الذي ذكره الأخ جمال كلام طيب وفي اعتقادي انه عندما تبدأ دائما أي مشروع فانه بحاجة لعدة مراحل حتى يخرج للوجود وينفذ. وهنا أتكلم باسم مؤسسة دبي للإعلام ففعلا لدينا خطة مدروسة انطلقت قبل عامين وخلال هذه الفترة القصيرة حققنا نجاحات كبيرة بغض النظر عن رغبات الجمهور فيما يحبه ويريده ففي النهاية هذه آراء الجمهور والتي بعضها نتقبلها وبعضها نحترمها.
وخلال هذه الفترة كان لدينا خطة موجودة وستكون لدينا أيضاً خطة خمسية سنعمل وفقها سواء في سما دبي أو في تلفزيون دبي ونحن نهتم بكيفية خلق العنصر المحلي وضرورة حديثه عن بيئتنا المحلية. فعندما نتكلم عن دولة الإمارات اليوم لا يمكن القول ان الإمارات في مطلع السبعينيات كانت تقدر ان تطرح مواضيع غير، والإمارات عام 2007 مواضيعها مختلفة.
ففي كلمة قالها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي بشأن الخطة الإستراتيجية «ان دبي أصبحت اليوم مدينة عالمية»، فاليوم نحن لا نناقش فقط قضايا محلية، خاصة وأننا في إطار التركيبة السكانية فقط 7%. فلو أنتجنا كل أعمالنا على مستوى الفريج فسيقولون ما هذه المحطة؟ أليس لديهم غير هذا النمط من الحياة؟ ففي اعتقادي إننا في عصر العولمة وهناك قضايا كبيرة قادمة علينا مناقشتها.
المشاركون
عبد اللطيف القرقاوي: مدير قناة «سما دبي»
سميرة احمد: ممثلة
علي عبيد: كاتب/عضو مجلس دبي الثقافي
جمال مطر: مؤلف ومقدم برامج
عبد الإله عبد القادر: كاتب وناقد مسرحي
أدار الندوة:
أ.د محمد المطوع
الإعداد والتحرير:
موسى أبوعيد
تصوير: محمد شاهين



