كشف اندلاع حريق بمكب نفايات الفجيرة مؤخرا دون معرفة أسبابه، استمرار المشكلة منذ مدة طويلة في الفجيرة ومناطقها في دبا الفجيرة والبدية والحلاة والطيبة ومسافي وقراط، والتي يتفق الجميع على مخاطرها الصحية والبيئية والسياحية في ظل عدم إيجاد حل مناسب لمعالجتها.

وأحدث الحريق آنذاك سحابة من الدخان الكثيف غطت أجزاء كبيرة من الإمارة ما أدى إلى انبعاث الروائح الكريهة التي لازمت الأجواء فترة طويلة لتغزو آثارها المناطق المجاورة في كلباء وغيرها من أماكن وأحياء سكنية وتجارية ومراكز صحية وتربوية. فقد اشتكى عدد من أهالي الفجيرة من تلبد السماء بشكل شبه يومي بألسنة الدخان المنبعثة من محرقة البلدية الناتجة عن حرق أكوام النفايات، التي تقع بالقرب من الصناعية الجديدة في منطقة الحيل والتي لا تبعد عن مركز الإمارة إلا مسافة قليلة. وأعربوا عن خوفهم من انتشار الأمراض الخطرة بين أطفالهم وبهم.

كما نادى في الوقت ذاته سكان المناطق المجاورة والمتضررة من الجهات ذات الاختصاص بإيجاد حلول عاجلة ومناسبة لإنهاء المشكلة التي تؤرقهم وبإقفال المكب الحالي وإيجاد مكان بديل لتجميع النفايات حتى وقت إنجاز المشروع الصحي الضخم للنفايات مستقبلا.وقال المواطن سالم الكندي من منطقة الحيل: إلى جانب التأثير السلبي على الصعيد الصحي فإن المار بجانب المحرقة يستنشق الدخان المتصاعد منها والروائح الكريهة رغما عن أنفه. كما يشاهد المنظر المؤذي لوجودها بموقع مكشوف قريبا من الشارع، فضلا عن أن المكب لم تراع فيه أية مواصفات بيئية حيث يتم تجميع النفايات بكل أنواعها بصورة غير علمية ومن ثم حرقها، وهي الطريقة التي ساعدت على جذب القوارض والحشرات الناقلة للأمراض وبصورة خاصة الذباب.

كما أن هناك كميات كبيرة من الأوراق وأكياس البلاستيك تغطي مساحات كبيرة وهو ما يعد تلويثا للبيئة. وأشار المواطن ناصر عبيد إلى عدم صلاحية المكب الحالي وعدم قدرته على استيعاب المزيد من النفايات وموقعه الذي قد يكون نتج عنه تشققات وتحلل التربة ما يشكل خطرا على العاملين به وحوله والمناطق المجاورة. وطالب حسن عبدالله من مواطني منطقة الفجيرة بضرورة معالجة النفايات بطرق أخرى غير إحراقها كإعادة تدويرها والاستفادة منها كما هو الحال في الدول المتقدمة حفاظا على صحة السكان والصحة البيئية بشكل عام، تريحهم من معاناة يومية يتكبدون من جرائها أثمانا باهظة من صحتهم وأرزاقهم وراحتهم وأموالهم، على اعتبار أن الحرق طريقة بدائية وتشكل خطورة أكبر على البيئة من انتشار النفايات نفسها في الطبيعة.

وفي ذات السياق أوضح أحد المتنزهين إلى عين الغمور بأن المحرقة لا تبعد عن المكان إلا مسافة قليلة تصل إلى 10 كيلومترات، حيث يعاني بعض المتنزهين في بعض الأوقات من روائح المحرقة،

التي تحرمهم في كثير من الأحيان الاستفادة من هذا الموقع السياحي، مطالبا الجهات المعنية بنقل مكب النفايات إلى موقع مناسب ويكون بعيدا عن المواقع السياحية والسكنية والصناعية بحيث تتوافر فيه الشروط البيئية والصحية كافة.

وذكر المواطن راشد عبيد اللاغش من سكان دبا الفجيرة بأن كل يوم وعند منتصف الليل عندما يأوي الناس إلى مضاجعهم يبدأ الحرق في مكب النفايات، حيث تبقى الرائحة ملازمة للمنطقة لفترة طويلة ما يجعلهم يستنشقون كميات كبيرة من الأدخنة، الأمر الذي يزيد من معاناة المصابين بالربو وبالأمراض الصدرية.

كما أضاف طاهر راشد الحفيتي من دبا الفجيرة أن قلقهم على الوضع الصحي بات متزايدا في ظل استمرار الوضع كما هو عليه وانتشار أمراض الحساسية والجهاز التنفسي، موضحا بأن الدولة تعمد في جهودها المستمرة وإمكاناتها المادية إلى دعم كل ما من شأنه الحفاظ على البيئة وطبقة الأوزون ويحميها من الأخطار السلبية.

وبين علي سعيد من منطقة الحلاة بأن سحب الدخان المنبعثة من احتراق النفايات أصبحت شبه يومية لأهالي المنطقة، خصوصا وأنها تغطي السماء لساعات طويلة يوميا وخصوصا عند منتصف الليل وفي وقت الضحى وعقب فترة الظهيرة،

مشيرا إلى وجود مخططات عمرانية جديدة قربتهم من موقع مكب النفايات مثل منطقة الصناعية وعدد من الأحياء السكنية الجديدة التي تقع على امتداد محرقة النفايات، مناشدا البلدية سرعة التدخل من أجل رفع معاناة الأهالي وحمايتهم من الأدخنة الضارة ونقل مكب النفايات إلى موقع بعيد نسبيا عنهم وعن مجمعاتهم السكنية.

أزمة مستديمة

ومن جانبه أكد الدكتور سلطان المؤذن عضو في المجلس الوطني الاتحادي إن مشكلة الاحتراق المتكرر والمزمن لمكب النفايات في الفجيرة ومناطقها بصفة عامة ودبا الفجيرة بصفة خاصة مازالت مثارة، حيث أن مكب النفايات بدبا الفجيرة ومحيطها يستقبل بصورة دائمة أطنانا من النفايات المنزلية

ونفايات المصانع والمحلات وفضلات الطعام من المطاعم والأسواق، مبينا بأن المكب تحوَّل إلى كارثة بيئية تتعدى آثارها حدود الإمارة وجوارها إلى مساحات شاسعة، معتبرا أن جبل النفايات في عدة مناطق هو دليل على غياب التخطيط الطويل في الدوائر المختصة وكل محاولة جدية لحل مشكلة حرق النفايات.

لافتا إلى عدم وجود رقابة فعلية من وزارة البيئة لهذه المكبات وعدم الاكتراث في البحث فيها في إطار النقاشات التي تمت حيال مواضيع البيئة في جلسات المجلس الوطني إلى جانب غياب دور البلديات كذلك.

وأوضح أنه على الرغم مما تؤكده الجهات المعنية بمتابعة الموضوع وعلى بذل ما في وسعها لحل الأزمة بأسرع وقت سواء بإيجاد مشروع طمر صحي أو بإزالة المكب الحالي والمجاور للأماكن السكنية والزراعية ونقله إلى موقع آخر، لينهي تأثيراته الضارة على مختلف مصادر الحياة من تربة ومياه وهواء، إلا أن المشكلة مستمرة مثلها في ذلك مثل مشاكل الكسارات والمقالع.

كما أشار المؤذن إلى أن خطر هذا المكب لا يأتي فقط من عمليات حرق النفايات وأثرها الصحي على أهالي المنطقة والمناطق المجاورة لها بل أن تأثيره قد يصل إلى أخطر من ذلك بوقوعه بالقرب من الأراضي الزراعية ومجاورته كذلك لمواقع جبلية مميزة وأماكن غاية في الأهمية مستقبلا من الجانب الاقتصادي والسياحي والزراعي،

لافتا إلى أن الحل المرحلي متوافر وفي متناول كافة الجهات المعنية، وذلك من خلال الإسراع في اتخاذ خطوات عملية ومسؤولة تضع حدا لحالة التردد بالنسبة للبلديات في نقل نفاياتها إلى مواقع أخرى آمنة،

والعمل في الوقت ذاته على إقامة منشآت معالجة النفايات بصورة صحية أو تدويرها بهدف المحافظة على السلامة العامة وذلك بالتنسيق والاتفاق مع شركات متخصصة بهذه المجال من أجل الاهتمام والتكفل بالنفايات الضارة لجعلها نافعة.

وطالب المؤذن من جهة أخرى بإزالة مصنع البلاط والرخام في منطقة دبا الفجيرة الذي يبعد 120 مترا تقريبا عن المنازل والأحياء السكنية الذي يشكل منذ فترة ليست بالقصيرة خطورة كبير على حياة الناس وصحتهم باستمرار مما يقذفه من أدخنة وأتربة ضارة.

رأي طبي

وقالت الدكتورة سوزان البدري إن الضرر الأكبر الذي قد يتسبب في كارثة بيئية وأمراض صحية مستديمة، الحرق في أماكن مفتوحة لما يحمله من غازات كثيرة وسامة ناتجة من حرق النفايات المختلفة في محتواها، أما إذا كانت في مواقع مغلقة وفي داخل المصانع ستكون العملية في معدل التلوث الطبيعي نسبيا،

لافته إلى أنه في السنوات الأخيرة وفي الدول المتقدمة ازداد الاهتمام بطمر النفايات صحيا واستخدام بدائل أخرى تساهم في معالجتها بطريقة سلمية بعيدة عن التلوث الذي يؤثر على صحة الناس والبيئة من خلال تدويرها وفرزها واستغلالها بصناعات مفيدة.

وفي الإطار ذاته رأى باحث في البيئة بأنه مع مرور الزمن واستمرار الإهمال البيئي تشكلت كارثة وطنية لناحية الموقع والمظهر والتأثير البيئي والنتائج الصحية المترتبة خصوصا في ظل التطورات العمرانية الكبيرة

ما أدى إلى اقتراب موقع المحرقة بتأثيراتها من المناطق السكنية والمحلات التجارية الجديدة، بالإضافة إلى كون الموقع عرضة للاشتغال المتعدد جراء تفاعل المواد العضوية واحتراق غاز الميثان وغيره من الغازات السامة والمواد القابلة للاشتعال.

وبين التأثير البيئي السلبي الذي قد ينتج عنها من خلال تسرب المواد العضوية المليئة بالمواد السمية إلى التربة والمياه الجوفية ما يحدث تلوثا بمختلف المستويات، بالإضافة إلى أن عملية الاحتراق تستغرق عدة أيام إلا أنه قد يكون في الطبقات العليا من كومة النفايات التي تكون بها الطبقات السفلية غير متأثرة بالحرق ما تحوله إلى بيئة مثالية لاحتضان الحشرات والقوارض.

كما أضاف أيضا بأن استمرار الحرق في نفس المواقع سيشكل خطرا على صحة الناس من مواطنين ومقيمين لاسيما الأطفال جراء حرق النفايات التي تشمل مخلفات من المطاعم والمنازل والفنادق والمطابخ الشعبية والقوارير الزجاجية والعلب المعدنية والكرتونية وفضلات الحيوانات،

لأن دخان الحرائق وروائحها الكريهة تنتشر في محيط المكب الذي من شأنه أن يسبب أمراضا في الجلد والصدر لذلك لابد من إيجاد حل جذري لهذه المشكلة، مشيرا إلى ضرورة تكاتف الجهات رسمية وشعبية للتحرك لحل هذه الأزمة في ظل دراسة الأثر البيئي الذي يشتمل على المؤثرات الصوتية والبصرية والرائحة والمواد والمياه والأتربة والأراضي والتنوع البيئي والحياة الزراعية والحيوانات.

رصد ورقابة

أشار المهندس علي قاسم رئيس قسم البيئة ببلدية الفجيرة إلى أن اندلاع النار بصورة مفاجئة بمكب نفايات البلدية مؤخرا ما أحدث حريقا كبيرا نسبيا لينبعث منه الدخان والروائح الكريهة، والذي نتج عن احتراق في مواد قابلة للاشتعال واستمر العمل لإطفائه عدة ساعات بالتعاون مع فرق من الدفاع المدني والبلدية.

كما أوضح أن أجهزة رصد التلوث لم ترصد معدل تلوث فوق المستوى الطبيعي، لافتا إلى أن النفايات منزلية ولا وجود لنفايات صناعية وطبية التي تعد خطرا أفدح على صحة الناس والبيئة،

موضحا بأنه عند استمرار الاحتراق بصورة كبيرة عند ذلك قد يعتبر الوضع غير طبيعي إلا أنه كان عارضا خارجا عن الإرادة وتم السيطرة عليه. وأكد المهندس قيام البلدية بتحديد موقع آخر لنقل مكب النفايات خلال الفترة المقبلة بعد الانتهاء من إنجاز المشاريع المتعلقة بالبنية التحتية في الإمارة.

حل نهائي

قال رئيس بلدية دبا الفجيرة المهندس حسن الضب إن المعاناة لا تلحق الأهالي فقط وإنما تصل كذلك الى إدارة البلدية التي تعمل جاهدة لإنهائها بإيجاد حلول لها، مشيرا إلى أن المشكلة ستأخذ طريقها نحو المعالجة من خلال اتفاقية مع شركة متخصصة أجنبية

تدرس موضوع مكبات النفايات على مستوى إمارة الفجيرة بشكل عام، حيث إن المشروع سيتم على مراحل لإنجازه بصورة سليمة والذي سيكون حلا نهائيا في المستقبل القريب لمشكلة محارق مكب النفايات في مختلف مناطق الإمارة.

الفجيرة ـ ناهد مبارك