كثر الحديث في الآونة الأخيرة عن ارتفاع أسعار المستحضرات الدوائية في الصيدليات الخاصة وبخاصة المستورد من تلك المستحضرات ويرى العديد من الناس أنه إذا لم تتخذ إجراءات سريعة وحاسمة للحد من غلاء الأدوية فان من شأن ذلك أن يمهد الطريق لمزيد من الغلاء الأمر الذي ينعكس بنتائج سلبية على صحة المرضى المواطنين وغير المواطنين.

ويقول سعيد ناصر المنصوري: إذا جاز لنا الاستسلام لظاهرة الغلاء لتضرب بلا رحمة جميع أمور حياتنا المعيشية فان من الضرورة بمكان عدم الزج بالدواء في ذلك الغلاء المتفاقم بصورة مستمرة لأن الأمر هنا يتعلق بصحة الإنسان التي لا تقبل المساومة أو التنازل. وبالرغم من أن المرضى هدفهم الأساسي دائما هو الحصول على المستحضرات العلاجية التي تجلب لهم العافية بأسرع ما يكون لكن انخفاض الأسعار أيضا يشكل رغبة أكيدة لدى الجميع خاصة في هذه الظروف حيث الغلاء يثير قلق وانزعاج أفراد.

ويقول إبراهيم سعيد الذي يعاني من متاعب صحية مزمنة تضطره للتردد على الصيدليات بشكل دائم إن الدواء يباع في الصيدليات بأسعار باهظة مشيرا إلى أنه شخصيا يشتري مستحضرات دوائية لا تقل عن 500درهم شهريا بل تزيد على ذلك أحيانا. ويستغرب سعيد نفسه لوجود اختلاف كبير بين أسعار المستحضرات المستوردة من الخارج الباهظة التكاليف وتلك المصنعة محليا لافتا إلى أن الفرق أحيانا يزيد على نسبة لا تقل على 70%.

لكن من المفارقات الغريبة أن مشكلة غلاء أسعار الأدوية تبدو من حيث الظاهر قضية معكوسة حيث أصابع الاتهام توجه فيها لوزارة الصحة وهي الجهة التي يفترض أن تقوم بحماية سوق الدواء لأنها بحسب منتقديها وهم مصنعو الأدوية أنفسهم تطبق عند تسجيل الأدوية إجراءات غير مقنعة ولا تشجع مصنعي الأدوية على المضي بخطى جادة على تطبيق سياسة يمكن أن يكون من نتائجها خفض الأسعار.

ووفقا لما لمسناه فان وزارة الصحة من جانبها تتعامل مع مشكلة الأدوية بشفافية متناهية فهي تعترف بأن هناك مشكلة لا يمكن تجاهلها بل تصفها بالشائكة وتشدد على أنها ليست عصية على الحل. ويقول وكيل الوزارة د. علي بن شكر: إن المساعي تجري الآن على قدم وساق لإصدار قانون يتضمن علاجا شافيا لكل المتاعب التي يعاني منها سوق الدواء في دولة الإمارات العربية المتحدة ومن المنتظر أن يصدر ذلك بصورة عاجلة قبل نهاية العام الجاري.

وحتى لو تمسك البعض بما ورد في دليل إجراءات التسجيل المركزي الذي يقضي بأن تأخذ وزارة الصحة بأرخص الأسعار المقدمة مع مراعاة المستحضرات المماثلة التي تصنع وتسوق في دول مثل اليابان والولايات المتحدة الأميركية أو مسجلة في دول الاتحاد الأوروبي ولا يوجد لها مستحضر مماثل مصنع محليا أو مسوق في أي من دول المجلس فان ذلك لا يبدو مقنعا لمصنعي الأدوية بالدولة.

ويمكن للمرء أن يتفهم الانزعاج الذي ينتاب مصنعو الأدوية فإجراءات التسجيل بالوزارة لا تعبأ بالأسعار المطبقة في بلد المنشأ أو الأخذ بالسعر الذي يباع به المستحضر في دول الجوار بل كل ما هنالك هو أنها تطالب بتحديد سعر الدواء بعملة المنشأ بالميناء المقترح وخارج المصنع وعند البيع بالجملة وللجمهور مما يعني أن تلك الشركات بإمكانها فرض أسعار غير واقعية.

وتؤكد ذلك العضو المنتدب لشركة قلوبال فارما د. مريم كلداري حين تقول : ينبغي أن نعترف بأن شركات الصناعة الدوائية الوطنية أثبت كفاءة تصنيعية لا يستهان بجودتها والدليل اعتراف العالم بمطابقتها للمواصفات العالمية لكن مع ذلك فهي الآن ترزح تحت وطأة مصاعب مرهقة من بينها أسعار المواد الخام المرتفعة باستمرار ومتطلبات التعبئة والتغليف الباهظة التكاليف فضلا عن العمالة التي تتقاضى أجورا مرتفعة ومع ذلك ـ للأسف ـ لا تجد تلك الشركات من يرأف بحالها.

وكما هو حال الكثيرين من القائمين على شركات الدواء فإن كلداري التي كانت من قبل مسؤولة مرموقة بوزارة الصحة لا تطالب بالمستحيل بل بدعم حكومي للشركات الوطنية موضحة أن ذلك الدعم يمكن أن يكون على شكل إعطاء تلك الشركات الأفضلية في المناقصات الدوائية أو على الأقل تخصيص جزء من تلك المناقصات لصالحها.

وهي تقول: ما من شك مطلقا في أن اعتماد وزارة الصحة في توفير الأدوية على الشركات الوطنية التي تملك سجلا تصنيعيا مقنعا واستجلبت لذلك أرقى الأجهزة التصنيعية وتتعامل بأحدث أساليب التقنية العصرية من شأنه يحقق ايجابيات مهمة تستنفع بها كل الأطراف بما في ذلك الوزارة نفسها كأن يتم توصيل المستحضرات الدوائية بأقل تكلفة وفي أسرع وقت مع توفير الضمانات لسلامتها دونما حاجة اللجوء لتخزينها لفترات طويلة.

لكن الرئيس التنفيذي لشركة الخليج للصناعات الدوائية عبدالرزاق يوسف يؤكد بثقة أن إهمال سعر بيع المستحضر في بلد المنشأ وأيضا في دول الجوار يفتح شهية الشركات الأجنبية الكبرى لتحديد أسعار تسجيل تكون من نسج الخيال ولا علاقة لها بالواقع بتاتا.

ويوسف الذي قاد جلفار لانجازات مهمة بدا مستغربا حرمان الدواء من نظام السوق الحر قائلا في هذا الصدد: إذا كانت سياسة دولتنا في الساحة التجارية أصلا تقوم على نظام السوق الحر فلماذا لا تطبق الجهات المختصة تلك السياسة على الساحة الدوائية علما بأنها تشكل ضرورة ملحة لكبح جماح ارتفاع أسعار الأدوية.

وذلك من خلال إخضاع سوق المستحضرات الدوائية لما يعرف بنظام (العرض والطلب) الذي يفتح المجال أمام شركات الأدوية لاختيار السعر الذي يروق لها زيادة أو نقصانا وهو ما من شك تكون له منافع جمة على المستهلك نفسه وإما أن تفرض الوزارة على الشركات قرارات أسعار هي أشبه بالسجن المؤبد في ظل وجود المستحضر البديل فان ذلك إجراء غير مقنع ولا يخدم المصلحة العامة.

ومن المعروف أن وزارة الصحة تمنح الأدوية المماثلة التي تنتج من قبل الشركات الخليجية تحت اسم خاص بها سعرا يقل بنسبة (20%)عن سعر المستحضر المبتكر في حالة المماثل الأول المقدم للتسجيل ثم يسعر المماثل الثاني بسعر أقل بنسبة (10%)عن سعر المماثل الأول المسجل لإحدى الشركات الخليجية وما يلي ذلك يقل (10%)عن سعر المستحضر الذي سبقه وهكذا.

وبالمقارنة يلاحظ أن أسعار المستحضرات الدوائية في بلد المنشأ تختلف بصورة كبيرة عما هي عليه هنا في سوق الإمارات ولنأخذ مثالا على ذلك بعض المستحضرات الهندية مثل (سفران) وهو مضاد حيوي يباع في الهند بأقل من 5دراهم بينما مسجل في وزارة الصحة بـ 29درهما و(اموكسيلين) سعره في بلد المنشأ 15درهما وفي الإمارات 37 درهما ـ و(هستاك) في بلد المنشأ 3 دراهم وفي سوق الإمارات 30 درهما.

وفي الأردن وهى بلد المنشأ يباع مستحضر أوبرازول بما يساوي 59 درهما وفي الإمارات 76 درهما أما مستحضر دلومول المسكن للألم عبوة (1000حبة ) سعره 50 درهما بينما هنا 112درهما.

وثمة أمر آخر تشتم شركات الأدوية المحلية منه رائحة الانحياز للشركات الأجنبية وهو إعطاء الأخيرة الحق في زيادة أسعارها متى أرادت ذلك لمواجهة متغيرات السوق العالمية سواء نتيجة ارتفاع الدولار أو اليورو أو ارتفاع أسعار المواد الخام بينما الشركات المحلية ملزمة بموجب إجراءات التسجيل الابتعاد عن مواكبة الزيادة عدا عندما يتعلق الأمر بتخفيض الأسعار فهي ملزمة بحكم القرار تخفيض أسعارها.

ويتفق القائمون على الصناعة الدوائية أن المشاكل التي تعاني منها سوق الدواء في الإمارات ليست من المشقة بمكان وبالتالي يمكن حلها لو أن لجنة التسعير بوزارة الصحة رفعت يدها عنها.

ومن المعلوم أن على أرض دولة الإمارات العربية المتحدة خمس شركات تعمل في مجال صناعة الدواء وقد لعبت تلك الشركات دورا مهما في تحقيق الاكتفاء الذاتي بتصنيع مستحضرات علاجية تضاهي الشركات الأجنبية الكبرى.

وعلى سبيل المثال فان شركة جلفار ـ التي فاجأت العالم بدخولها عالم التقنية الحيوية التي يرتكز عليها مستقبل الدواء في العالم ـ فان مستحضراتها يتم تسويقها في 40 دولة وفي جعبتها اعتراف عالمي بجودة مستحضراتها ويتمثل ذلك في شهادة الايزو 9001 و14001واعتماد الوكالة الأميركية للدواء والغذاء لمصنعها المتخصص في صناعة المضادات الحيوية والجرعات المعقمة بالإضافة لحصولها على تصديق من الاتحاد الأوروبي.

وتقول إدارة الشركة: عندما تمنح الوزارة سوق الدواء الحرية المطلوبة فان جلفار والشركات الوطنية الأخرى تستطيع توفير مستحضرات دوائية تحقق الاكتفاء الذاتي وتتمتع بالجودة ورخص السعر محليا.

والواقع فان سوق الدواء الإماراتي مشحون بالمستحضرات وباعتراف أحد مسؤولي الوزارة مؤخرا فان أكثر من 30ألف مستحضر مسجلا بصورة رسمية ومعنى ذلك أن هذا الكم الهائل من الأدوية يباع في الصيدليات العاملة بالدولة ومن المؤكد أن الغالبية العظمى من تلك المستحضرات تأتي من الخارج.

وتتضح أهمية هذا الرقم المثير للانتباه حينما تتم مقارنته بحجم المستحضرات التي يتم طرحها ضمن مناقصة دول مجلس التعاون وهى 982 صنفا من الدواء فقط ومعنى ذلك أن السوق هنا يعاني من تخمة المستحضرات التي تستوجب التدقيق بصورة دائمة بل إعادة النظر في كثير منها. والسؤال الذي يطرح نفسه الآن هل كل هذه الأدوية التي هي بحجم جبل تخضع للمراقبة وصالحة للاستعمال؟

رأس الخيمة ـ سليمان الماحي