من محاسن هذا الدين الحنيف وسمو تعاليمه وأجل أهدافه: تربية الأفراد والجماعات وحضهم على حب البذل والعطاء وإيثار الغير بالفضل والخير. والإيثار خلق محمود كريم دعا إليه الشارع ورغب فيه فقد أثنى الله تعالى على صانعيه بقوله «ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون».

أي يقدمون المحتاجين على حاجة أنفسهم ويبدأون بالناس قبلهم في حال احتياجهم إلى ذلك. فعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أفضل الصدقة جهد المقل» وهذا المقام أعلى من حال الذين وصف الله بقوله تعالى: «ويطعمون الطعام على حبه» وقوله «وآتى المال على حبه» فإن هؤلاء تصدقوا وهم يحبون ما تصدقوا به وقد لا يكون لهم حاجة إليه ولا ضرورة به وهؤلاء آثروا على أنفسهم مع خصاصتهم وحاجتهم إلى ما أنفقوه ومن هذا المقام تصدق الصديق ـ رضي الله عنه ـ بجميع ماله فقال له الرسول ـ صلى الله عليه وسلم: «ما أبقيت لأهلك؟ فقال رضي الله عنه: أبقيت لهم الله ورسوله.

وهكذا الماء الذي عرض على عكرمة وأصحابه يوم اليرموك فكل واحد منهم يأمر بدفعه إلى صاحبه وهو جريح مثقل أحوج ما يكون إلى الماء فرده الآخر إلى ثالث فما وصل إلى الثالث حتى ماتوا عن آخرهم ولم يشر به أحد منهم رضي الله عنهم وأرضاهم. فعن رسول الله صلى الله عليه وسلم: فقد خرج يوماً إلى السوق ومعه ثمانية دراهم فإذا هو بامرأة على الطريق تبكي فقال لها: ما يبكيك فقالت: بعثني أهلي بدرهمين لأشترى بهما حاجة فأضللتهما فأعطاها درهمين، ومضى ـ صلى الله عليه وسلم ـ بستة فاشترى بأربعة قميصاً لنفسه ولبسه وانصرف راجعاً وإذا شيخ من المسلمين عار ينادي: من كساني كساه الله من خضر الجنة.

فلم يتمالك ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن خلع القميص وألقاه عليه، ثم رجع إلى السوق فاشترى قميصاً بدرهمين فلبسه، وأقبل يبادر الليل، فإذا المرأة حيث تركها وهي تبكي فقال لها ما يبكيك؟ فقالت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله طالت غيبتى عن أهلى وأخشي عقوبتهم فقال لها ـ صلوات الله عليه: ألحقي بأهلك وجعل يتبعها حتى أتت دور الأنصار وإذا رجالهم خلوف ليس فيها إلا النساء

فقال: «السلام عليكن ورحمةالله» فسمعت النساء فعرفته ولم يسمع مجيباً ثم عاد ثانية ثم الثالثة رافعاً صوته فقلن بأجمعهن: السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته بآبائنا وأمهاتنا أنت يا رسول الله، فقال: أما سمعتن سلامي ابتداء؟ فقلن: بلى ولكننا أحببنا أن نكثر لأنفسنا وذرياتنا من بركة تسليمك فقال: جاريتكن هذه أبطأت عنكن، وخشيت العقوبة فهبن لي عقوبتها، فقلن قد شفعناك فيها يا رسول الله ووهبناك عقوبتها، وقد أعتقناها لممشاها معك فهي حرة لوجه الله تعالى..

فانصرف النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهو يقول: «ما رأيت ثمانية أعظم بركة من هذه الثمانية.. أمن الله بها خائفاً وكسا بها عاريين وأعتق بها نسمة وما من مسلم يكسو مسلماً إلا كان في حفظ الله ما دامت عليه منه رقعة».

قال الغزالي ـ رحمه الله تعالى: والمواساة بالمال مع الأخوة على ثلاث مراتب: أدناها أن تنزله منزلة عبدك أو خادمك فتقوم بحاجته من فضله مالك فإذا سنحت له حاجة وكانت عندك فضلة عن حاجتك أعطيته ابتداء ولم تحوجه إلى السؤال فإن أحوجته إلى السؤال فهو في غاية التقصير في حق الأخوة.

الثانية: أن تنزله منزلة نفسك وترضي بمشاركته إياك في مالك ونزوله منزلتك حتى تسمح بمشاطرته في المال. قال الحسن: كان أحدهم يشق إزاره بينه وبين أخيه. والثالثة: وهى العليا أن تؤثر على نفسك وتقدم حاجته على حاجتك وهذه رتبة الصديقين ومنتهى درجات المتحابين.

رجاء علي