أكد العلماء أن السرعة الزائدة وتخويف الآخرين من مستخدمي الطريق يعتبر مخالفة شرعية واجتماعية وإنسانية، مؤكدين على أهمية المحافظة على النفس وعلى المال والتخلي عن الأنانية عند استخدام حارات الطريق وإفساح المجال أمام المحتاج لما له من دور في التقليل والحد من الحوادث المرورية.
الدكتور سيف الجابري مدير إدارة البحوث بدائرة الشؤون الإسلامية والعمل الخيري بدبي يؤكد أن قيادة السيارة أمانة وثقافة وتعلم كما أنها نعمة يجب المحافظة عليها لما لها من دور في قضاء الحاجات وتسهيلها، وقال إن سائق السيارة وهو يقود سيارته أو إذا كان سائقا يعمل على سيارة فإنه مسؤول عن نفسه وعن من معه ومن حوله وأسرته.
حق الطريق
ويضيف الجابري أن الله سبحانه وتعالى جعل للطريق حقا وجعل لها سلوكيات بينها رسول الله صلى الله عليه وسلم، مؤكدا أن المشكلة ليست في الأحكام ولا القوانين ولكن المشكلة في سلوكيات بعض الناس والأفكار المتعددة، ولذا يجب إعلامهم بأن الطريق ملك عام وليس خاصا بهم فقط. وأوضح الجابري أن الملك العام لا بد وأن يحترم من الجميع ويعطى كل ذي حق حقه، حسب توجيهات المشرع والقانون والنظام المعمول به، وعدم الخروج على قيمه وأخلاقياته.
وقال مدير إدارة البحوث إن الملاحظ في كثير من دول العالم وجود استخفاف بالحق العام ولا يوجد ضابط أو رابط لبعض السلوكيات الخاطئة والتهور في القيادة من جانب البعض، ولذا فلابد من التذكير والتثقيف والتشديد على التقيد بنظام السير، مشيرا إلى أن أي متعلم لفنون القيادة وقبل حصوله على الرخصة يوقع على الالتزام بسلوك البلد الذي يقيم فيه.
وأوضح أن حل مشكلة التهور والسلوك غير السوي في القيادة لا يأتي إلا من خلال الإلزام من جانب الشرطة للبعض فيما البعض الآخر يلتزم بمجرد التنبيه والتذكير بأهمية مراعاة الآخرين المستخدمين للطريق، وهذه الضوابط يجب ألا تكون موسمية وخلال الحملات المرورية فقط، بل لا بد من تعميمها طوال أيام السنة.
وقال الدكتور سيف الجابري إن الدور لا يقع على عبء الشرطة فقط بل يقع جزء كبير على المؤسسات والشركات التي يعمل بها مستخدمو الطريق وخاصة الآسيويين، الذين يقعون في العديد من الأخطاء ربما بدون علم أو بعلم.
وأضاف أن السرعة الزائدة وإرهاب الآخرين باستخدام آلات التنبيه والإضاءة مخالفة شرعية واجتماعية وإنسانية ومخالفة للنظام العام، وعليه إثم المخالفة وإثم تخويف الآخرين، ونحن نأمل أن ينتقل الخوف من الشرطة إلى الخوف من الله والحفاظ على النفس وعلى الآخرين.
حسن الاستخدام
ويقول عادل المرزوقي رئيس قسم الرقابة والتوجيه بدائرة الشؤون الإسلامية والعمل الخيري إن الله سبحانه وتعالى بعث نبيه صلى الله عليه وسلم ليتمم مكارم الأخلاق وفضائل الآداب، ومن أهم الآداب آداب الطريق والسير فيه، فإن الله سخر لنا الأرض لنمشي فيها، قال تعالى: «الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ».
وقال تعالى: «وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ، وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ، وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ ». سواء كان الإنسان راكبا أو ماشيا فعليه أن يلتزم بهذه الآداب حتى يكون شاكرا لأنعم الله عز وجل.
وأضاف المرزوقي أن الطريق مرفق عام، وهو ملك للناس جميعا، ولو اعتبر كل إنسان الطريق جزءا من بيته، لحافظنا عليه. كما أن السيارات والمركبات والدواب نعمة تستوجب الشكر، فالسيارات والطائرات أصبحت سريعة وأكثر راحة، وشكر هذه النعمة يكون بحسن استعمالها ـ في طاعة الله لا في معصيته ـ وإلا انقلبت هذه النعم نقمة وكانت سببا للهلاك والدمار.
وقال إن من أهم آداب الطريق التواضع وعدم الخيلاء: خصوصاً من يركب السيارات الفارهة، فيصيبه العجب والتكبر ويذهب إلى الأماكن التي يكثر فيها الناس ليريهم سيارته الجميلة، والله تعالى يقول: «وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا»، وقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم «لاَ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ كِبْرٍ وَلاَ يَدْخُلُ النَّارَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ خَرْدَلَةٍ مِنْ إِيمَانٍ» [رواه الترمذي وأبو داود وابن ماجه ] . وعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِي صلى الله عليه وسلم قَالَ: «بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِى قَدْ أَعْجَبَتْهُ جُمَّتُهُ وَبُرْدَاهُ إِذْ خُسِفَ بِهِ الأَرْضُ فَهُوَ يَتَجَلْجَلُ فِى الأَرْضِ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ» [رواه مسلم].
كف الأذى
وأشار المرزوقي إلى أن من آداب الطريق المهمة كف الأذى: فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو - رضي الله عنهما - عَنِ النَّبِيِ صلى الله عليه وسلم قَالَ «الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ ، وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ» [ رواه البخاري] وعَنْ أَبِى ذَرٍّ قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَي الأَعْمَالِ أَفْضَلُ قَالَ «الإِيمَانُ بِاللَّهِ وَالْجِهَادُ فِي سَبِيلِهِ». قَالَ قُلْتُ أي الرِّقَابِ أَفْضَلُ قَالَ «أَنْفَسُهَا عِنْدَ أَهْلِهَا وَأَكْثَرُهَا ثَمَنًا». قَالَ قُلْتُ فَإِنْ لَمْ أَفْعَلْ قَالَ «تُعِينُ صَانِعًا أَوْ تَصْنَعُ لأَخْرَقَس. قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ إِنْ ضَعُفْتُ عَنْ بَعْضِ الْعَمَلِ قَالَ زتَكُفُّ شَرَّكَ عَنِ النَّاسِ فَإِنَّهَا صَدَقَةٌ مِنْكَ عَلَى نَفْسِكَ».
وأكد أن إزالة الأذى عن الطريق من الآداب المستحبة وهي من الإيمان، فعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِي صلى الله عليه وسلم قَالَ «الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإِيمَانِ» [رواه البخاري ومسلم واللفظ له]. وعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ » بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِى بِطَرِيقٍ وَجَدَ غُصْنَ شَوْكٍ عَلَى الطَّرِيقِ فَأَخَّرَهُ ، فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ ، فَغَفَرَ لَهُ» [رواه مسلم ] وفي رواية لأبي داود «فَأَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ». فما بال بعض السائقين يرمون النفايات من السيارات، وكان الأجدر بهم أن يميطوا الأذى عن الطرقات ليرتقوا في مراتب الإيمان والجنات.
وقال إن من آداب الطريق أيضا: إفساح الطريق للمارة والسيارات وعدم الأنانية، والعمل بمبدأ الإيثار، فبعضهم يظن كأن الطريق ليس إلا له وهذا من الخطأ والأنانية، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه).
ومن آدا ب الطريق المهمة طاعة ولي الأمر في القوانين والأنظمة التي سنها لتنظيم الطرقات والمرور، فلا يجوز مخالفة القوانين والأنظمة المرورية لما لها من عواقب وخيمة من مخالفة ولي الأمر وإلحاق الضرر والهلاك بالمارين والسائقين، قال تعالى: ( وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم) وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( من أطاعني فقد أطاع الله ومن عصاني فقد عصى الله ومن أطاع أميري فقد أطاعني ومن عصى أميري فقد عصاني).
وقال إن على مستخدم الطريق التحلي بالرفق والتؤدة في القيادة وعدم السرعة. فالسرعة الزائدة والجنونية كمْ جلبتْ من ويلات وخسائر وأموات، فقد ورد في الحديث: (التأني من الله والعجلة من الشيطان) ، ولقد كثرت الحوادث وكثر المصابون بين قتيل وجريح وميت وكسيح على الأفراد والجماعات مما رتب مفاسد مالية وروحية.
ثم بعد ذلك الندم والحسرة، فمفاسد القتل بالسيارة كثيرة من ذلك أنه أخرجه من الدنيا بموت الفجاءة، وقد يكون لم يتزود لآخرته، وبالسرعة تفقد الأهل والأحباب والزوجة والأصحاب، وترمل الزوجات، مع ما يترتب عليه من صوم شهرين متتابعين كفارة قتل الخطأ، ودفع دية القتيل.
وأضاف أنه لأجل الحفاظ على الأرواح والممتلكات والأموال وضع ولاة الأمور قوانين السيرة وأنظمة المرور فلا يجوز مجاوزة الإشارة الحمراء أو السرعة الزائدة عن المسموح لما فيه من خطر على النفس وعلى الناس، ومن لم يتقيد بهذه الأنظمة فقد خالف ولي الأمر.
دبي ـ السيد الطنطاوي
