اتفقت المثقفات والمفكرات المشاركات ضمن أعمال «مؤتمر المعرفة الأول الذي احتضنته دبي اليومين الماضيين على أهمية الدور الذي تلعبه المرأة العربية في تحقيق عملية التنمية الشاملة على مستوى مختلف الميادين والمجالات، بدءا بقطاع الصحة والتعليم مرورا بقطاع التجارة والصناعة والاقتصاد، وصولا إلى المجالات الرياضية والثقافية المتباينة.
مشيرات في الوقت ذاته إلى أنه ليس على المرء إلا أن يقيّم بعين فاحصة مشاركة المرأة تلك على امتداد التاريخ في مشارق الوطن العربي ومغاربه ليسهل عليه توقع حجم ومستوى مشاركتها في المستقبل على المديين المتوسط والبعيد بالرغم من تزايد التحديات والمعوقات التي تواجهها.
معوقات المشاركة
من جهتها.. أكدت أمة السوسوة الأمين العام المساعد للأمم المتحدة والمدير الإقليمي لمكتب الدول العربية في برنامج الأمم المتحدة الإنمائي أن المرأة العربية تضطلع بدور لا يستهان به في عملية التنمية الشاملة، غير أن هناك سلسلة من التحديات والمعوقات العديدة والمتنوعة تقف أمام مشاركة المرأة الناجعة «كحجر عثرة».
ومن بينها على سبيل المثال انتشار الأمية وضعف التعليم الجامعي ونقص التدريب الفني، وجميعها بلا شك عوامل تلقي بظلالها السلبية على حجم المشاركة الفعلية في جهود التنمية، ناهيك عن عدم توفير الفرص للإعداد الكافي للمرأة المشاركة بشكل عام مقارنة بالرجل، وعلى الرغم من ذلك كله فإن لغة الأرقام والإحصاءات تشير إلى تزايد جهود ومبادرات المرأة في دفع مسيرة مجتمعها إلى الأمام.
وأوصت بضرورة وضع استراتيجية تنموية شاملة طويلة المدى لإعداد وتأهيل المرأة العربية وإيجاد خطط عمل تمكنها من المساهمة الفاعلة في عملية التنمية، مع تقييم ومتابعة مجريات الاستراتيجية.
مشاركة فاعلة
ومن جانبها لفتت الدكتورة رفيعة غباش الطبيبة الإماراتية ذات الإسهامات الثقافية إلى أن المرأة في مختلف دول العالم بصورة عامة والمرأة العربية بصورة خاصة تأخذ مسألة المشاركة في عملية التنمية الشاملة مأخذ جد، وتطبقها على أرض الواقع، وليست مجرد شعارات طنانة تهتف بها في كل مناسبة ومحفل، وخير دليل على صدق ذلك مستوى جدية مشاركة المرأة وحضورها الملفت في أعمال مؤتمر المعرفة الأول.
وأضافت أن انخراط المرأة في شتى ميادين العمل والإنتاج في سوق العمل يعطي مساهمتها في عملية التنمية الشاملة زخما مطلوبا، ولاسيما من خلال مواقعها القيادية والمناصب التي تؤهلها لاتخاذ القرار، فهي تعمل اليوم في مجال الصحة والصناعة والتجارة والتعليم ومختلف مجالات الخدمات، وانطلاقا من دورها كفرد فاعل في المجتمع وربة بيت وأم في الوقت نفسه فإن دورها في كل مقام على حده يأتي مكملا لدورها في سلسلة المهام التي تحملها على عاتقها.
ارتباط وثيق
واتفقت معها الدكتورة فادية كيوان أستاذة جامعية وعضو سابق في الهيئة الوطنية للمرأة موضحة أن هناك ارتباطا وثيقا بين التنمية البشرية العربية عموما وتنمية المرأة العربية بشكل خاص، إذ من غير المعقول الحديث عن تنمية المرأة في ظل تراجع وضعف معدلات التنمية البشرية في المجتمع ككل، والعكس بالعكس، بكل ما يفرزه ذلك من عوامل معيقة للتطور في المجتمع.
وقالت إن سيطرة العادات والتقاليد في كثير من الدول النامية ومن بينها بطبيعة الحال الدول العربية، تلعب دورا كبيرا في عرقلة مشاركة المرأة في التنمية حيث تعاني تلك الدول من القهر والاستغلال الخارجي في ظل نظام اقتصادي دولي غير متكافئ، الأمر الذي ينعكس سلبا على مكانة المرأة التي تعاني بدورها من استغلال مزدوج وخاص، نظرا لانتمائها لفئة اجتماعية لها خصوصيتها أولا، ليس قهرا اقتصاديا فقط وإنما يشمل النواحي الفكرية والأيديولوجية أيضا، كما أنها تشغل أدنى المراتب في سوق العمل وتعمل في نطاق قطاعات زهيدة الأجر قليلة المرافق الخدمية والصحية.
تجربة إماراتية
من جانبها أشادت الدكتورة فاطمة الصايغ بتجربة المرأة الإماراتية في مشاركتها الناجحة لدفع عجلة التنمية الشاملة في الدولة إلى الأمام، والتي تشكل بدورها امتدادا لتجربة المرأة العربية بطبيعة الحال.
حيث تحملت الإماراتية كافة أعباء تصريف شؤون حياتها اليومية كزوجة وأم وعاملة في الوقت ذاته، وحسبها متابعة تربيتها لأبنائها بمفردها في غياب زوجها على سبيل المثال لشهور متتالية في رحلات الغوص لاستخراج اللؤلؤ منذ ما يزيد على خمسين سنة تقريبا، عدا عن ذلك كانت تعمل في المهن اليدوية والمشغولات البسيطة لتكون لها ولصغارها مصدر دخل طيلة فترة انشغال رب الأسرة في عمله وتجواله في أقاصي بلدان العالم.
وعن توقعاتها لمستقبل مشاركة المرأة في التنمية العربية الشاملة أعربت الصايغ عن اعتقادها بأن المرأة العربية كانت ومازالت وستظل مشاركة بقوة في التنمية ولن تتوقف جهودها الجبارة في هذا الصدد، لأن التنمية عملية مستمرة ومواكبة لمقتضيات العصر.
براءة الإسلام
ونفت الدكتورة داليا السعودي أستاذة اللغة الفرنسية في كلية الألسن بجامعة عين شمس بالقاهرة بشدة أن يكون للإسلام علاقة تذكر في مجال إعاقة المرأة عن دورها في تحقيق تنمية شاملة بحسب ما تذهب إليه بعض وسائل الإعلام الغربية، فقد حدد الإسلام حقوق المرأة وما لها وما عليها منذ البداية، الأمر الذي يتنافى جملة وتفصيلا مع ادعاءات أنه السبب بأي شكل من الأشكال في مساهمتها الفاعلة في بناء مجتمعها، بالإضافة إلى ذلك قرر الإسلام مبدأ المساواة بين الجنسين في كافة المجالات التي يستويان فيها وأوضح الحقوق والواجبات.
المرأة وسوق العمل
أما الدكتورة عفاف البطاينة الكاتبة والمثقفة الأردنية فقد قالت إن تواجد المرأة العربية في سوق العمل والإنتاج من بين العوامل الإيجابية التي تعزز مشاركتها الناجحة في عملية التنمية الشاملة، وبالرغم من أن الوضع الحالي لها لا يبشر بتحقيق النتائج المطلوبة والمتوقعة منها، غير أن مشاركتها المتزايدة على المستويين المتوسط والبعيد قد تنجم عن أوضاع تعود بالنفع والفائدة على مستقبل تلك المشاركة، وبحسب الأسكوا فإن مشاركة المرأة في الاقتصاديات الوطنية في المنطقة لا تكاد تتجاوز 30%.
وهذه تشكل نسبة من أدنى المعدلات في العالم، غير أن هناك الكثير من المبادرات والجهود الجبارة التي تبذلها جهات أهلية ومجتمعية إلى جانب المشاريع الفردية التي يبذلها أشخاص من رجال الأعمال والمستثمرين تسمح للفئات المعدمة تقريبا بالدخول إلى سوق العمل والمشاركة في عملية الإنتاج من خلال تقديم الدعم المادي والفني للأفراد المنتجين في كثير من دول العالم الثالث من بينها مثلا الهند وبنغلادش والصين، وحبذا لو تم تطبيق مثل تلك المبادرات الناجحة عربيا والتي ثبتت قدم المرأة في سوق العمل.
تفاؤل بالمستقبل
وأعربت الدكتورة نجاة رشدي مديرة برنامج اقتدار «برنامج قطاعي الاتصالات والمعلوماتية في المنطقة العربية» عن توقعاتها بزيادة حجم مشاركة المرأة العربية في عملية التنمية الشاملة مستقبلا، بناء على حجم مشاركتها في الحاضر والتي تتسم بالمتزايدة على الرغم من كل الإشكالات التي تواجهها، في ظل إطلاق القيادات العربية لمشاريع ومبادرات تعزز من مشاركتها ومن بينها على سبيل المثال مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم والتي تصبو إلى النهوض بالمستويين التعليمي والمعرفي للجيل الناشئ رجالا ونساء على حد سواء.
أما الكاتبة أحلام مستغانمي فأشارت إلى أن المرأة في الخليج بشكل خاص حققت انجازات كبيرة خاصة بالجهود التي قدمتها سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك التي راهنت على البشر وساندت المرأة، وهي أم أنجبت أمة ورعت مشاريع وسارت على خطى الشيخ زايد رحمه الله ونرى أعمالها واهتمامها بتقدم المرأة الإماراتية ووصولها إلى مستوى الطموح، وهناك تجربة الشيخة موزة بنت ناصر حرم الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني أمير دولة قطر .
وهي تجربة ناجحة تستحق الإشادة، وأنا أغبط المرأة الخليجية على انجازاتها، لكننا يجب أن نشير إلى أن المرأة في عالمنا العربي تحاسب أكثر من الرجل حتى لو وصلت إلى أعلى المستويات إذ أن عليها أن تبذل جهدا مضاعفا لأن خطأها لا يغتفر، وما يؤلمني في العالم العربي الفساد المالي الذي نراه يزداد كل يوم وأعتقد أن الأمور لو سلمت للمرأة لأدارتها بشكل أفضل فهي قادرة على تنظيم مثل تلك الأمور وغير مستعدة للتواطؤ وليس من السهل أن تخدع، والمطلوب من المرأة أن تثابر وتستمر في جهودها وإبداعها ولا تكترث بما يقال.
وقالت الدكتورة مشكان العور مدير مركز البحوث والدراسات في أكاديمية شرطة دبي عضو اللجنة العليا لجائزة زايد الدولية للبيئة: إذا تكلمنا عن دولة الإمارات نجد أن سياسة الدولة أيدت هذا الجانب واهتمت بدخول المرأة إلى المعترك السياسي، ومن واقع خبرتي وترشيحي للانتخابات أجد أن المرأة حصلت على فرصة مميزة للمشاركة في الترشيح والانتخاب وحتى الوصول إلى المراكز السياسية.
ونحن بعد عام من مرور تجربة الانتخابات ننتظر تفعيل دور مؤسسات العمل الاجتماعي التي تقوم بتوعية المجتمع بدور المرأة لأننا عندما نتحدث عنها نتحدث عن كونها الأم والأخت والزوجة والمربية للنشء وفاعلة في المجتمع، والتعليم هو السبيل الأول إلى ثقافة المرأة وتنمية مهاراتها ودخولها إلى سوق العمل.
وما اعتقده من واقع عملي أن كل المعطيات التي تقدمها الدولة تصب في التنمية المستدامة بعواملها الاقتصادية والاجتماعية والبيئية وهي تأتي من أجل توفير الرفاهية للمجتمع التي تعني رفاهية الأسرة وتطورها، وأعتقد أن المرأة أخذت دورا فاعلا إذ أصبحت تمثل الدولة في المحافل الدولية في مختلف المجالات وقد استطاعت الحصول على حقوقها السياسية منذ أول تجربة انتخابات تقوم في الإمارات.
ورأت الدكتورة نجاة مكي أن دور المرأة في شتى المجالات أصبح واضحا ولا خلاف عليه والدليل حضورها الفاعل في المؤتمرات حيث نجد عددا كبيرا من الشخصيات النسائية الناجحة على المستوى الاقتصادي والثقافي والعلمي، ولكي تكون المرأة أكثر فاعلية نتمنى تطبيق أكبر قدر من توصيات الملتقيات والمؤتمرات التي تهتم بالشأن النسائي لأن تلك التوصيات تسهم في رفع شأن المرأة وبالتالي تطور المجتمع.
أما الدكتورة زينب شلهوب فقد عبرت عن حزنها لحال المرأة إذ أنها تجد طالبات متفوقات ومبدعات ينتهي بهن المطاف بالزواج والابتعاد عن الدراسة والعمل فتهدر تلك الطاقات التي كان يمكن أن تقدم الكثير، لذا لاتزال المرأة تعاني من خلل النظرة إلى كفاءتها وعدم احترام قدراتها.
وما نحتاجه هو أن تعاد هيكلة الوعي بدور المرأة من الأساس ولا يكون الإصلاح في مراحل متأخرة في حين أن أساس هذا الموعي مختل، وعلينا أن نقر بأن المرأة العربية كانت دائما لها دور كبير في الاقتصاد والمجتمع قبل الإسلام وبعده وكلنا نعرف أن السيدة خديجة زوجة الرسول صلى الله عليه وسلم كانت تاجرة، فلماذا تعامل المرأة الآن وكأن المطلوب منها الجلوس في البيت وتربية الأولاد فقط؟
وترى الدكتورة ندى مرتضى صباح أن المرأة العربية حققت نجاحات كبيرة خلال السنوات الماضية ووصلت إلى أدوار قيادية وشاركت في صناعة القرارات السياسية إضافة إلى أنها حققت طموحات كبيرة على المستوى العلمي والإبداعي، وبالتأكيد لا ينطبق الأمر على جميع النساء في العالم العربي لكننا نطمح إلى الوصول بالمرأة إلى مستوى الوعي الذي يجعل دورها فاعلا أيا كان عملها وأداؤها فهي يمكن أن تكون مؤثرة في بيتها وفي محيطها، ونجد أن الجيل الجديد يبشر بمستقبل إيجابي للمرأة ولا بد من الإشادة بتجربة المرأة الإماراتية التي حققت نجاحات كبيرة ومتميزة وخاضت المعترك السياسي ونجحت فيه بكل جدارة.
دبي ـ لولوة ثاني ودلال جويد
