أكد الكاتب والمفكر السعودي الدكتور تركي الحمد أهمية مؤتمر المعرفة في مواجهة معوقات العمل المعرفي العربي. وأضاف في حوار مع «البيان» إن أهم معوقين يواجهان العمل المعرفي في الوطن العربي هما السلطة السياسية، وأحادية الثقافة في العالم العربي، مشيرا إلى انه إذا تم تجاوز هذين المعوقين، فإن كل المشكلات الأخرى تُصبح هامشية، أو من الممكن التغلب عليها بسهولة.
وقال إن عدم الاستثمار في المعرفة يشكل أحد معوقات النهوض الحضاري للبلاد العربية، رغم وفرة الثروات والإمكانات، لدرجة أن دولة مثل إسرائيل، تتفوق حضارياً ومعرفياً على الدول العربية مجتمعة.
وهنا نص الحديث:
* ما تعليقكم على أهمية المؤتمر؟
ـ إن عدم الاستثمار في المعرفة يشكل أحد معوقات النهوض الحضاري للبلاد العربية، رغم وفرة الثروات والإمكانيات، لدرجة أن دولة مثل إسرائيل، تتفوق حضارياً ومعرفياً على الدول العربية مجتمعة، رغم الفارق الشاسع بين إسرائيل والعالم العربي،
وذلك لأن إسرائيل تستثمر في المعرفة بشكل يفوق ما تفعله دول العرب، وبالتالي فإن القوة المستمدة من هذه المعرفة تنعكس إيجاباً في الصراع الحضاري بين العرب وإسرائيل، ولصالح إسرائيل بطبيعة الحال.
فالعرب يستثمرون في كل شيء تقريباً، ولكنهم بعيدون كل البعد عن الاستثمار المعرفي، وما يمكن الحصول عليه من قوة في كافة المجالات، فالمعرفة اليوم هي أساس القوة، ومصدر النفوذ والتأثير، وبذلك لا يستوي العالمون وغير العالمين.
من هنا تنبع أهمية هذا المؤتمر، الذي جاء ليلفت الانتباه إلى هذا الجانب المهم، بل والحيوي، في العلاقات الحضارية بين الشعوب، في عالم باتت المعلومة فيه هي أساس كل ثروة اقتصادية، أو قوة عسكرية، أو تأثير سياسي.
* ما هي أهم المحاور والأفكار التي حاولتم التركيز عليها من خلال مشاركتكم في المؤتمر؟
ـ لقد تركزت مساهمتي من خلال التعقيب ضمن جلسة «التنوع الثقافي في المجتمعات العربية: مصدر غنى لا فتيل أزمات»، حيث أكدت على التعددية بصفتها الأصل في الحياة بشكل عام، وضرورة الاعتراف بهذه التعددية بوصفها مصدر إثراء حضاري،
على عكس ما كان مطروحاً في الخطاب الثقافي العربي التقليدي من أن «التجانس» المطلق هو السبيل إلى الاستقرار، السياسي والاجتماعي، وبالتالي هو مفتاح المستقبل والانجاز الحضاري. إن التنوع والتعددية هي طبيعة الحياة كما خلقها الله منذ الأزل، وبالتالي فإن القفز على هذه الحقيقة البديهية كان مصدر أزمات ومعضلات لا أول لها ولا آخر في عالم العرب، سواء في تاريخهم القديم والحديث أوالمعاصر.
* ما هي في رأيكم أهم التحديات التي تواجه العمل المعرفي في الوطن العربي؟
ـ في ظني أن أهم معوقين هنا هما السلطة السياسية، وأحادية الثقافة في العالم العربي، فإذا تم تجاوز هذين المعوقين، فإن كل المشكلات الأخرى تُصبح هامشية، أو من الممكن التغلب عليها بسهولة.
فالمعرفة والحصول عليها تستلزم الحرية، حرية البحث، وحرية التعبير بكافة الأشكال، بينما السلطة السياسية في العالم العربي لا ترضى إلا بالمعرفة المنبثقة عن مفهومها للحقيقة، حقيقتها هي، وبالتالي يصطدم مفهوم السلطة مع المفهوم المعرفي البحت للحقيقة، وفي غالب الأحيان، إن لم نقل في كافة الأحيان، تكون النتيجة لصالح المفهوم السلطوي في مقابل المفهوم المعرفي.
من ناحية أخرى، فإن المجتمعات العربية في عمومها، تقوم على ثقافة أحادية، أو ذات حقيقة مطلقة، أو لنقل أنها «رُبيت» على مثل هذه الثقافة، وبالتالي فإنها قد لا تتقبل الحقائق المنبثقة من بحث معرفي حر، تتناقض نتائجه مع حقائق المجتمع المطلقة، أو ما رُسخ على أنه حقائق مطلقة، وغالباً ما تكون نتائج هذا التناقض وأداً لحقائق المعرفة واضطهاداً لها،
في مقابل فرض «لحقائق» المجتمع المطلقة، وإعلاء من شأن ثقافة تقليدية أحادية. مع تضافر، أو تحالف السلطتين السياسية والاجتماعية، على أساس من ثقافة أحادية مطلقة، تكون المعرفة الحقيقية هي الضحية في النهاية، ويكون الفشل الحضاري هو المآل، في عالم أصبح التنافس الحضاري هو المحدد للوجود والعدم فيه.
* ما هي في رأيكم المقومات المطلوبة لبناء مجتمع معرفي في الوطن العربي؟
ـ البنية الأساسية لأي مجتمع معرفي تقوم في نهاية التحليل على مرتكزين أساسيين هما التعددية والتسامح: التعددية الاجتماعية، ومن ضمنها مجتمع مدني حر، والتسامح الثقافي، ومن ضمنها حرية البحث والتعبير، دون وصاية أو هيمنة أو توجيه. دون هذين المرتكزين الأساسيين، يكون الحديث عن مجتمع معرفي حقيقي ضربا من العبث، أو العمل في فراغ.
* لماذا تهاجر الأدمغة العربية؟
ـ الجواب ببساطة: بحثاً عن الحرية، وهرباً من الاضطهاد، السياسي والاجتماعي، وبحثاً عن مستوى معيشي كريم، يضمن لها الاستقرار وعدم القلق من تقلبات الحياة، والتفرغ للبحث والإبداع. اضمن لهذه العقول الحرية والكرامة، وأنا أضمن لك أنها لن تغادر أوطانها.
وهنا أؤكد أنه يجب أن يكون هناك نوع من الثورة الشاملة في مناهج التعليم، وليس مجرد إصلاح. ثورة تعليمية تعيد رسم السياسة العامة للتعليم، وتقدم فلسفة تعليمية جديدة تقوم على أساس التفكير بدلاً من التلقين، والإبداع بدلاً من الإتباع، ونسبية الحقيقة بدلاً من الحقيقة المطلقة، وثقافة التسامح والانفتاح لا الثقافة الحدية المغلقة.
أجرى الحوار: عبد النبي شاهين