شكلت مواضيع ضعف اللغة الأجنبية في التعليم العالي، وضعف الإنفاق وغياب الهيكليات العلمية لتقييم الجودة، أسساً للحوار الذي جمع الدكتور عصام النقيب المنسق الإقليمي لمشروع التعليم العالي بالمكتب الإقليمي العربي لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي.

والثانية للدكتور عدنان الأمين أستاذ العلوم التربوية في الجامعة اللبنانية، في الجلسة النقاشية التي حملت عنوان «تجديد وتجويد التعليم العالي في الوطن العربي» ضمن فعاليات مؤتمر المعرفة الذي أختتمت أعماله أمس (الاثنين) في دبي.

وخلال الجلسة التي ترأستها الأكاديمية الإماراتية الدكتورة رفيعة غباش، حرص الدكتور عصام النقيب في ورقته التي وضع لها عنوان «التعليم العالي العربي: ثلاث قضايا محورية»، على التنبيه إلى إشكالية التفاوت في استخدام اللغتين العربية والأجنبية في تدريس بعض المواد الأكاديمية بين بلد وآخر وبين جامعة وأخرى ضمن البلد الواحد،

إذ تظهر نتائج تقييم البرامج التي تدرس بالانجليزية في جامعات ذات بيئة لغوية وثقافية عربية ضعف معظم الطلاب وقسم كبير من الأساتذة في استخدام لغة التدريس بطلاقة سواء في المحادثة أو الكتابة.

وأكد أن عدم قدرة هيئة التدريس والطلاب على التعامل مع مصادر التعلم المتوافرة باللغة الأجنبية مقارنة بالجامعات التي تدرس باللغة العربية يؤدي إلى ضعف المعرفة وعدم مواكبتها للتطورات المعاصرة.

وفي مواجهة ذلك، اقترح النقيب استخدام العربية كلغة تدريس أولى في المرحلة الجامعية الأولى، وتوفير أحدث مصادر التعلم المؤلفة أو المترجمة، فضلاً عن إعطاء أولوية عالية للغة الأجنبية كلغة تدريس ثانية.

وتحدث النقيب عن مستويات الإنفاق على نوعية التعليم العالي العربي في هذه المرحلة التي تشهد وعياً شاملاً لدى المجتمع الأكاديمي العربي والمسؤولين عن إدارة مؤسسات التعليم العالي لأهمية ضمان جودة التعليم العالي وتطويره وتبني المعايير المتطورة لتقويم مستويات التعليم، وتوقف عند غياب أو ضعف الحلقة المتوسطة بين التعليم الأساسي أي الابتدائي والثانوي والتعليم الجامعي.

تحد مزدوج

وأضاف: «تعاني أنظمة التعليم العام العربية، وخصوصاً في البلدان ذات الكثافة السكانية العالية، من تحد مزدوج يتمثل في ضعف مستوى وفعالية التعليم المهني والتقني من جهة وتزايد الضغوط للالتحاق بالدراسة الجامعية من جهة أخرى».

وقال إن مشروع التعليم العالي التابع لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي أوضح وجود «فجوة تميز» في البرامج الأكاديمية التي عمل على تقويمها، إذ أخفقت الغالبية العظمى من هذه البرامج في الحصول على درجة جيد في مستوياتها الأكاديمية،

حيث توازت هذه الفجوة بحسب ما أشار النقيب، مع تفاوت كبير في الإنفاق على التعليم العالي الأمر الذي أسفر عن نقص في أعداد أعضاء هيئة التدريس، أو غياب مستويات مقبولة من البنية الأساسية لدى ما يقارب ثلثي الجامعات.

وبحسب الإحصائيات المتوافرة، أوضح النقيب أن معدل الانفاق السنوي على الطالب ما زال في حدود 2000 دولار أميركي لحوالي 90% من الطلاب الجامعيين العرب، في حين يرتفع مستوى الإنفاق على تخصصات العلوم الطبيعة والهندسة والطب إلى ما يزيد على 3200 دولار،

وينخفض إلى أقل من 1200 دولار للعلوم الاجتماعية. وخلص النقيب إلى أن تبني منهجيات قياس الجودة وتطويرها لا بد من أن يترافق مع مضاعفة مستويات الانفاق السنوي على الطالب ووضع هذا الجانب في مقدمة الأولويات الوطنية.

إنشاء هيئات جودة

وقدم الدكتور عدنان الأمين ورقة بعنوان «الحاجة إلى إنشاء مؤسسة عربية لضمان جودة البرامج في التعليم العالي» أكد فيها الحاجة الملحة إلى وجود بنية عربية لضمان جودة التعليم العالي، والمحافظة على القيمة المضافة التي تقدمها هذه البنية تتوافق مع معايير الهيئات الدولية للجودة والاعتماد، فضلاً عن إيجاد هيئات جودة على المستوى المحلي والوطني.

وعرض الدكتور الأمين مجموعة من الملامح الأساسية لإنشاء مؤسسة عربية لضمان جودة البرامج، استناداً إلى المتطلبات الإقليمية، موضحاً الشروط المساعدة لقيام هذه المؤسسة ودعم نموها وترسيخها على المدى الطويل وإنجاحها كالاستقلالية، والمهنية، والشفافية والشراكة، وقدم تصوراً عن البرامج ذات الأولوية في عمل هذه المؤسسة.

وتعليقاً على إشكالية الجودة، قال الأمين إن التعليم العالي في معظم مؤسساته بما فيها الجامعات التي تتبع النموذج الأميركي، يفتقر إلى تقاليد راسخة على الأقل، في مجال ثقافة التقييم الذاتي، أو في التفاعل مع منهجية المقارنة مع المؤسسات ذات الطبيعة المشابهة، أو في غيرهما من الآليات التي تتشكل منها عمليات ضمان الجودة

ولفت إلى أن الجامعات الأميركية في بيروت والقاهرة والشارقة مرت مؤخراً بعمليات اعتماد للمرة الأولى في تاريخها، علماً أنها الجامعات الأكثر تآلفا مع النظام الأميركي الذي ولد فيه الاعتماد قبل أكثر من مئة عام. «وإذا كان هذا حال الجامعات الأميركية، فكيف بالجامعات الوثيقة الصلة بالأنظمة الأوروبية ولا سيما الفرنسية الحديثة العهد بسيرورات التقييم وضمان الجودة؟

وكيف بالقطاع الأوسع للتعليم العالي الذي ترتبط مؤسساته منذ نشأتها بالوزارات والحكومات؟»

وشارك في التعقيب على الورقتين كل من الدكتور حمود الحارثي أستاذ كلية التربية في جامعة السلطان قابوس وعضو برنامج الأمم المتحدة للاعتمادية والجودة في الجامعات العربية، والدكتور أحمد لكروري، عميد كلية العلوم والهندسة ـ جامعة الأخوين، أفران ـ المغرب،

والدكتور عبد الرحيم الحنيطي، رئيس هيئة الاعتماد العام-وزارة التعليم العالي والبحث العلمي في الأردن، حيث تطرقت المناقشات إلى الجهود التي أعلن عنها في السنوات القليلة الماضية للعمل على تطبيق برامج اعتماد الجودة في معظم الدول العربية،

والمشروع الطموح لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي في هذا المجال. وأكد المشاركون أن الموارد البشرية باتت أهم عناصر الثروة في عصر المعرفة الحالي، ما يجعل إصلاح التعليم الجامعي ضرورة ملحة لا يجوز التهاون فيها أو تأجيلها.