قدم الدكتور أنطوان زحلان ورقة عمل هامة أمام مؤتمر المعرفة الأول نعرض فيما يلي ملخصا لما جاء فيها: في الخطاب الذي ألقاه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، في المنتدى الاقتصادي العالمي في الأردن، قال إن مبادرته تستهدف إعداد «مجتمع المعرفة» في الشرق الأوسط من خلال تشجيع أهل المعرفة.

وأوضح سموه نواياه بالقول إن مهمة المؤسسة ستتمثل في الاستثمار في المعرفة وبناء الإنسان. وستركز هذه المبادرة على البحث العلمي والتعليم والسعي لتوفير فرص متساوية لأبناء المنطقة. وأضاف سموه: «إن برامج المؤسسة ستهدف إلى إعادة الاعتبار إلى الفكر والمفكرين في العالم العربي».

ومن الواضح أن العلاقات بين التعليم والبحث العلمي ومكانة المفكرين والتنمية في العالم العربي هي القضايا التي نحتاج إلى مناقشتها. ويرجح هذا أن هذه العلاقات تشكل العامل المهم في تحديد أولويات المؤسسة الجديدة، والجامعات ليس لها بصورة جوهرية تأثير مباشر على الاقتصاد، ومع ذلك، فإن لها أهمية محورية بالنسبة لأدائه.

وتواجه الدول العربية مشكلات خطيرة في العلاقة بكل من المؤسسات الوسيطة والجامعات، ولكي تؤثر مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم في هذه الأنشطة سيتعين عليها أن تتبنى مجموعات من البرامج التكميلية. ولكننا نحتاج أولاً إلى إيضاح طبيعة التحديات التي تواجه الدول العربية.

* هل العالم ينقصه رأس المال البشري؟

ـ مما له أهمية محورية بالنسبة للمؤسسة أن تحدد ما إذا كان العالم العربي يتراجع بسبب نقص الرأسمال البشري أو بسبب الضعف في البيئة التي تقوم بتمكين الرأسمال هذا. وكل من هذين السببين له علاج ولكن العلاجين مختلفين.

إذا كان التخلف ينشأ من نقص في الرأسمال البشري، فإن الرد على ذلك واضح وهو توسيع نطاق نظام التعليم وتحسينه. أما إذا كان التخلف ينبع من ضعف البيئة التي تمكن الرأسمال البشري، فإن ذلك العنصر ينبغي معالجته أولاً.

ومن حسن الطالع أن هناك العديد من السبل لدراسة هذه المسألة الحافلة بالتحديات، فالمرء يلاحظ على سبيل المثال أن الصين والهند يتم الاعتراف الآن بأن لديهما أنظمة اقتصادية جيدة التشغيل. ومع ذلك، وبناءً على الإحصائيات المتاحة، فإن الدول العربية تحقق نتائج أفضل منهما من حيث التعليم مقاساً على المستوى الفردي. وهذا ينطبق على التعليم في الداخل والخارج معاً.

إن كلاً من الصين والهند بالطبع هما بلدان كبيران وكل منهما موحد سياسياً في ظل حكومة واحدة، فهل يمكن أن يكون هذا هو سبب نجاحهما؟ إن نظرة فاحصة على إحصاءات برنامج الإنماء التابع للأمم المتحدة والبنك الدولي توضح أن الدول الصغيرة تحقق نتائج أفضل من الدول الكبيرة.

فسبع دول من الدول العشر التي تحتل المقدمة في الأداء الاجتماعي ـ الاقتصادي هي دول صغيرة، حيث تحتل النرويج المرتبة الأولى وتليها أيسلندا. وهكذا، فإن الحجم ليس تفسيراً كافياً للفارق بين العرب والصينيين والهنود في الأداء الاقتصادي.

بالإضافة إلى ذلك، فإن العالم العربي قد ساهم في نزيف العقول باتجاه دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية بمقدار يعادل في الأشخاص المؤهلين على مستوى رفيع ما ساهمت به الصين ويزيد بنسبة 30% عما ساهمت به الهند. ومن المثير للاهتمام أن العدد الإجمالي للمهاجرين من العالم العربي بمن في ذلك الأشخاص غير المهرة والعائلات والأشخاص المهرة يفوق إجمالي المهاجرين الصينيين والهنود.

ويفقد العرب ما يتراوح بين 4 ـ 5 أضعاف من الأشخاص ذوي التأهيل العالي لكل فرد مقارنة بالصين أو الهند. وبتعبير آخر، فإن هذين البلدين الأخيرين يمكنهما الاحتفاظ بأعداد أكبر من مهنييهما مقارنة بما يمكن للعرب الاحتفاظ به.

ويبدو هذا أمراً معقولاً، حيث أن الصين تخصص الآن حوالي 155 مليار دولار للبحث والتطوير، أي ما يزيد على 35 ضعفاً لما يخصصه العالم العربي لهذين الغرضين لكل شخص.

أسباب التقدم البطيء باتجاه مجتمع المعرفة

إن ما يمنع الدول العربية من التقدم ليس نوعية رأس المال البشري وليس قلة عدد مواطنيها، والأمر الأكثر احتمالاً هو أن العقبات تنشأ من ضعف البيئة التي تمكن السياسات العلمية التي يجري اتباعها.

برامج تستهدف المؤسسات الوسيطة

تعاني المؤسسات الوسيطة من عدد من الصعوبات وهناك الكثير مما يمكن القيام به لمعالجة هذه الصعوبات. وسوف أقدم قائمة قصيرة ببعض هذه الصعوبات:

- على الرغم من عدم توافر إحصاءات دقيقة، فإن الرقم الأكثر احتمالاً هو أن 85% من الأشخاص الذين يحصلون على تعليم عال في الخارج (درجة الدكتوراه) يتعرضون لظاهرة نزيف العقول. وربما يصل الأمر إلى فقدان حوالي 10 آلاف من حملة درجة الدكتوراه سنوياً.

والتكلفة السنوية المقدرة لتعليمهم تدور حول مليار دولار سنوياً. والطريقة الوحيدة لتغيير هذا الأمر هي من خلال اتباع سياسات علمية مختلفة. فالاقتصاد بحكم كونه تابعاً تقنياً لا يحتاج إلى توظيف قوى عاملة مهنية محلية، وإنما يقوم المتعاقدون على تسليم المشروعات جاهزة بتوظيف هؤلاء في بلادهم الأصلية.

- يقدرّ تمويل البحث والتطوير في البلاد العربية بحوالي مليار دولار سنوياً، أي 01,0% من إجمالي الناتج القومي المقدر بتريليون دولار عام 2006. والدول الوحيدة التي تقدّم مثل هذا المستوى الخفيض من الدعم للبحث والتطوير هي إفريقيا جنوب الصحراء. ومن هنا، فإن البحث والتطوير في الدول العربية يتم على نطاق محدود وليس جزءاً لا يتجزأ من الاقتصاد القومي أو الإقليمي.

- يتم استيراد كميات كبيرة من الخدمات الهندسية المندرجة في الخدمات المتعلقة بالاستثمارات الكبيرة وعمليات الإصلاح والصيانة والصناعة، من دون اهتمام جدي بالحصول على التقنية. وهذا الأسلوب في التعامل مع التقنية الذي يعتمد على استلام المشروعات جاهزة ينبغي تغييره بالطبع.

- يعني الاعتماد التقني على الآخرين أن العامل المضاعف المرتبط بالنشاط الاقتصادي هو عامل منخفض (وسلبي غالباً).

وهذا يترجم في صورة تشغيل محدود ناجم عن الاستثمارات بل والحصول على قدر أقل من التقنية.

- هناك قدرات تقنية هائلة في المنطقة معزولة بالفعل (بل ومدفونة) في استثمارات تم القيام بها حتى الآن قيمتها تريليونا دولار. وهذه القدرات يمكن توفيرها من خلال تصدير المهام وبالتالي إثراء العالم العربي تقنياً.

* ما الذي يمكن للمؤسسة القيام به لمساعدة نفسها على التحول؟

ـ لم تعد التحديات متعلقة بالمزيد من المهندسين أو العلماء أو الأطباء أو خريجي الجامعات. فنحن نواجه مشكلات مؤسسية، اجتماعية ـ سياسية، ثقافية، تنظيمية وفكرية لا يمكن إيجاد حلول لها إلا من خلال البحث الجاد.

وما لم نعالج هذه القضايا الأساسية ونتغلب عليها، فإن من الصعب إحراز تقدم باتجاه مجتمع المعرفة. ومع وجود ما يزيد على 300 جامعة، فإن أي مساهمة تقوم بها مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم يتعين أن تكون مركزّة للغاية لكي تعطي نتائج واضحة.

ومما يوصى به بشدة أن ينصب التركيز على العقبات الرئيسية المتواترة. وإذا تم التعامل مع مثل هذه العقبات بقوة، فإن هذا الجهد قد يسفر عن نتائج جديرة بالالتفات إليها. وقد اخترت خمس عقبات من هذا النوع، واقترح أن تقوم المؤسسة بتركيز القوة الكاملة للبحث والإبداع للتغلب على هذه العقبات من داخل إطار التعليم العالي، وعبر عشر فرق مختلفة مؤلفة من الباحثين المميزين على امتداد عشر سنوات.

ومن الواضح أن تقديراتي لهذا الجهد المطلوب ينبغي إخضاعها لنقاش دقيق، وقد تحتاج إلى تعديلها. كذلك فإن الموضوعات التي أقترحها ينبغي تقويمها بعناية وربما إحلال موضوعات أخرى غيرها. إن ما يتم اقتراحه هو حشد رأسمال بشري يتمتع بإبداع استثنائي يقدم إلى جامعات في العالم العربي، ويتم تمكينه من تطبيق إبداعه لإيجاد حل لمشكلات محددة.

وينبغي لهؤلاء الباحثين التمكن من تحقيق أهداف متعددة ومن خلال إصداراتهم ينبغي أن يكون لهم تأثير على ميادين مهمة في مختلف مجالات المعرفة، وتأثير على المجتمع العربي وعلى التعليم وعلى الجامعة. وغني عن القول أنهم سيكون لهم تأثير مستمر من خلال طلابهم.

تكوين الجماعات العلمية

يعتمد تطور مجتمع المعرفة على تكوين جماعات علمية وبحثية تؤدي وظيفتها بشكل فعّال، وكذلك المجتمعات المرتبطة بها. وتكوين مثل هذه المجتمعات يعتمد على قدرة الأعضاء على الانتخاب الحر لقادتهم. وأساس الانتخاب هو المكانة الفكرية التي يتمتع بها العضو وتميزه.

والأنشطة التي تقوم بها هذه المجتمعات يحكمها الأعضاء الذين انتخبوا على هذا النحو. ومن دون حرية الاتصال والانتخابات الحرة من جانب نظرائهم، فإنه ليس من الممكن إيجاد مجتمعات علمية وبحثية ومثل هذه المجتمعات يصعب العثور عليها في العالم العربي.

إن تقوية الجماعات البحثية والعلمية ينبغي أن يرفع من مكانة أعضاء هذه الجماعات. ويمكن لمؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم أن تدعم فريق بحث لدراسة الجمعيات العلمية العربية. كما يمكن للمؤسسة كذلك أن تدعم عدداً من الجمعيات لتنمية أنشطتها لإيضاح الفوائد الإيجابية لمثل هذه المؤسسات.

نوعية التعليم العالي

هناك إجماع عام على أن هذه القضية تعد قضية مهمة، وتبذل في إطارها بعض الجهود بالفعل. وأعتقد أيضاً أن هناك إجماعاً على أن تقويم النوعية ينبغي أن يغطي جميع المواد وأن يكون متاحاً على كل مستويات التعليم. وما لم يتم القيام به حتى اليوم هو إيضاح الضرر الذي تلحقه المستويات المتواضعة بالمجتمع وبالاقتصاد.

فالمستويات المتدنية تحرم المجتمع من الاستفادة من الجهود والاستثمارات في التعليم. ومن الواضح أن المسؤولين عن التعليم ليسوا مقتنعين بأن هذه مشكلة خطيرة وينبغي القيام ببحث استكشاف هذا الموضوع وتحديده الآن قبل أن تترتب عليه نفقات أكبر.

* ما الذي ينبغي أن تكون عليه أولويات مثل هذه الإصلاحات؟

- تقوم دول مجلس التعاون بحرص بتطوير قطاعاتها المالية الوطنية لكي تتمكن من أن تستخدم مواردها المالية بصورة جيدة. ومن الواضح أن هذا هدف مرغوب فيه ليس بالنسبة لدول مجلس التعاون وحدها، وإنما بالنسبة للمنطقة بكاملها.

ومن قبيل المخاطرة استخدام مبالغ مالية كبيرة من دون تحقيق القدرة على تقويم المخاطر وإدارتها والمخاطر هي علم تم استحداثه وتطويره منذ انهيار الحضارة الإسلامية قبل خمسة قرون، وهو العلم الذي لم يتم استيعابه بعد في المنطقة.

إن إحراز مثل هذه الخبرة يمكن التعجيل به إلى حد كبير من خلال إنشاء فرق من الباحثين تتخذ مقراً لها في عدد من الجامعات، والقيام بدراسات لتقويم المخاطر وإدارتها في مجتمعاتنا واقتصاداتنا وتطوير أدوات مناسبة للاحتراز من هذه المخاطر هو أمر جوهري إذا أريد استخدام الموارد المالية العربية للانطلاق قدماً بالتنمية العربية.

إنتاجية العمل على امتداد كل القطاعات

من الجوانب الغريبة في السلوك الاقتصادي العربي أن اهتماماَ محدوداً يجري إبداؤه لتوثيق وتحسين إنتاجية العمل. ومع ذلك، فان من العناصر الدافعة الكبرى للتقدم الاقتصادي إمكانية تحقيق زيادة في مثل هذه الإنتاجية، ويمكن لمؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم أن تدعم فرق البحث لإلقاء الضوء على القضايا وإيجاد سبل للتغلب على هذه المشكلة.

فرق البحث

تعد الأداة الضرورية للتغلب على كل صعوبة من هذه الصعوبات هي ذاتها بصورة جوهرية أي من خلال القدرات البحثية المتخصصة، ويتعين أن يكون عدد الباحثين كبيراً للوصول إلى كتلة نقدية كبيرة. وهذا العدد ينبغي أن يكون كحد أدنى عشر فرق من أساتذة البحث يضم كل فريق خمسة أساتذة. ويتعين تعيينهم لمدة 10 سنوات.

وينبغي أن تكون التعيينات كافية لتغطية أرصدة السفر لتمكين الباحث من حضور المؤتمرات والقيام بزيارات لزملائه لأغراض البحث. وسيتم اختيار 250 باحثاً وتعيينهم، ويتعين أن يكون اختيارهم من قبل لجان من المهنيين المؤهلين لذلك، حيث ينصب التركيز على باحثين شبان راسخي القدم تتراوح أعمارهم ما بين 27 إلى 37 عاماً.

ومن المقترح أن يكرس الباحثون العامين الأوليين بالكامل للبحث الذي يمكنهم من خلاله أن يطوروا أبحاثاً مناسبة ومواد بحثية مناسبة. ولا ينبغي للباحثين ان يقوموا بتدريس ما يزيد على مساق واحد سنوياً. كما ليس بمقدورهم الاضطلاع بأي عمل أو مهام استشارية أخرى.

وينبغي أن تكون فرق الباحثين قادرة على الانتقال إلى جامعة عربية أخرى يختارونها شريطة موافقة الجامعة المعنية على شروط مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم. وينبغي أن يكون بمقدور الفرق العشر في الموضوع الواحد أن تتعاون في تطوير مواد التعليم وتبادل أفضل الممارسات التعليمية.

وينبغي أن تقدم الجامعة المضيفة الخدمات الأساسية: تسهيلات المكتبة والمبالغ اللازمة لشراء الكتب والدوريات والمبالغ اللازمة لدعم باحثين إلى ثلاثة باحثين مساعدين لكل أستاذ وكذلك توفير المكاتب والمساعدة من السكرتيرات واستخدام الهواتف والانترنت.

ويتعين على الجامعات التي تدخل هذا المشروع أن توافق على السعي للحصول على التمويل لمواصلة البرنامج بعد انتهاء السنوات العشر، حيث أن منحة مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم لا ينبغي أن تكون قابلة للتجديد.

انطوان زحلان في سطور

ولد البروفسور أنطوان زحلان في حيفا وهو لبناني يحمل الجنسية البريطانية، حصل على درجة الدكتوراه في الفيزياء جامعة سيراكيوز بالولايات المتحدة وقد تقلد العديد من المناصب أهمها: أستاذ ورئيس قسم الفيزياء في الجامعة الأميركية في بيروت ( 1965- 1976 )، ومؤسس الجمعية الملكية ـ عمان ـ الأردن وأول مدير لها (1969- 1970 )،

أول رئيس منتخب للجمعية الفيزيائية العربية (1975) وأستاذ زائر في العديد من الجامعات الغربية ( ستانفورد، نورث كارولينا، كامبيل هيل، ساكس)، وأستاذ زائر لدى المركز الدولي لأبحاث التنمية (كندا). له مؤلفات عديدة باللغتين العربية والإنجليزية في مجالات العلوم والتكنولوجيا البشرية والتربية والتعليم.