ضمن أعمال مؤتمر المعرفة الأول قدم رياض نجيب الريس ورقة عمل حول حالة النشر في العالم العربي قدم خلالها تجربته الخاصة كناشر عمل في كل من لندن وقبرص وبيروت، وما عاناه المؤلفون الذين تشرف بالنشر لهم عبر ما يزيد على ربع قرن، أصدر فيها ما يزيد على 800 عنوان.

وأشار إلى أن الحلول لأزمة النشر التي يطمح المؤتمر إلى بحثها، فمنطلقاتها تكاد تكون واحدة. وأنها بتشعباتها تعود إلى نظم الحريات السياسية والاجتماعية في البلدان العربية، وغياب الاهتمام الكلي بشؤون الثقافة والمعرفة بتفرعاتهما.

وأشار رياض الريس إلى أن تعثر النشر العربي يعود إلى سببين لا ثالث لهما: ضمور الأسواق العربية بسبب حواجز الأنظمة السياسية التي تعامل الكتاب معاملة المخدرات والناشر معاملة المهربين، وضعف البنية المالية والاقتصادية لمعظم الناشرين، نتيجة لقيود الرقابة على أنواعها، فتمنعهم من تطوير هذه الصناعة والاستثمار فيها.

وقال الريس في كلمته: يدور التساؤل الأول عن أزمة النشر المطروحة في هذا المؤتمر حول العدد المتواضع من الكتب الجديدة التي تصدر سنوياً في مجمل الأقطار العربية وبلغة عربية واحدة مقارنة بعدد الكتب التي تصدر في الدول الأوروبية والأميركية، بتعدد لغاتها، إلى جانب الأرقام المخزية لتوزيع الكتاب في جميع أنحاء العالم العربي. من المؤسف أن هذا هو واقع الأمر.

نحن كناشرين مثلاً نقوم بنشر ما بين 30 كتاباً «عنواناً و50 كتاباً» عنواناً في السنة الواحدة، موزعة بين مختلف أنواع التأليف من سياسة وتاريخ ومذكرات ورواية وشعر وآداب متنوعة. ونحن كناشرين شعبويين غير متخصصين نتعمد التنوع الدائم في محاولة منا للوصول إلى أكبر شريحة ممكنة من القرّاء.

ونطبع من كل كتاب بين 3000 و5000 نسخة، وفي حالات معينة نطبع عدداً أقل. كذلك نحن محكومون كغيرنا من الناشرين بهذا العدد الضئيل نسبياً، مقارنة بالكم الكبير من العناوين التي تصدرها دور النشر الغربية، بأمرين:

الأول ـ القدرة المالية التجارية المحدودة للناشر على تمويل هذه الإصدارات.

الثاني ـ ضيق الأسواق العربية بسبب عرقلة الرقابات المتعددة على الكتاب للوصول إلى القارئ. فالكلمة السحرية في هذا المجال التي تقف وراء تعثر هذه المهنة، هي الرقابة. والرقابة في العالم العربي على أنواع:

وأشار إلى ما وصفه بتعدد الرقابات ومنها الرقابة الإعلامية والرقابة الأمنية ورقابة المعارض ورقابة الأغلفة. ثم تطرق إلى مشكلة الانتشار. أما عن الكتب الأكثر انتشاراً، فبالنسبة إلينا كناشرين شعبويين متنوعي العناوين، بحسب أرقام شركتنا، هي: كتب السياسة، الرواية، التاريخ، والمذكرات، الشعر والآداب.

والأقل انتشاراً، ومردوداً تجارياً هي كتب الشعر، باستثناء كتب الشاعر محمود دوريش، التي تعدّ استثناءً على جميع الأصعدة، إذ يبلغ معدل توزيع الكتاب الواحد لمحمود درويش ولأكثر من طبعة واحدة خمسة عشر ألفاً. كذلك يعتمد انتشار الكتاب إلى حد كبير، إلى أي تصنيف انتمى (سياسة ـ رواية ـ تاريخ ـ إلخ.) إلى سمعة المؤلف وشهرته وصدقيته.

فالقارئ يلحق بالكاتب المعروف بالدرجة الأولى ثم بالموضوع الذي يتناوله. عكس القارئ الذي يلحق بالعنوان المثير والموضوع المغري الذي يهمه لكاتب جديد لم يأخذ نصيبه بعد من الانتشار.

وأشار الريس إلى ضعف التسويق قائلا في هذا الصدد: إنه ليس هناك من شركة واحدة لتسويق الكتاب في كل العالم العربي لها صدقية وقواعد تلتزم بتسديد الأتعاب المالية المترتبة عليها. فديون الناشرين عند بعض الموزعين عالية جداً، يصعب تحصيلها.

وهناك مجموعة شركات أو مكتبات في كل عاصمة عربية تقريباً هي عبارة عن مجموعة دكاكين، تستورد الكتاب لحسابها الخاص ولتبيعه في مركزها أو مكتبتها، لا لتوزعه ـ كما يجب ـ على فروع أخرى في المحافظات والأقاليم داخل القطر.

فقليلاً ما تجد أن كتاباً موجوداً في مكتبة من مكتبات القاهرة متوفر في الإسكندرية مثلاً، أو كتاباً في دمشق متوفر في حلب. وحجم استيراد هذه الشركات/ المكتبات الصغيرة يكاد يكون مضحكاً.

لذلك يلجأ الناشر إلى التوزيع المباشر، حيث يقيم هو صلة تسويقية بينه وبين مكتبة في بلد معين من دون وسيط، محاولاً أن يبيع بضاعته نقداً. هنا تبرز أهمية فكرة معارض الكتب العربية التي تقام سنوياً، التي يشارك فيها الناشر مباشرة، ويبيع عبرها للمكتبات أو الموزعين في ذلك البلدـ إلى جانب الأفراد العاديين. حتى أصبح دخل المعارض يشكل تقريباً نصف دخل الناشر من التوزيع.

كلفة المعارض

وأشار الريس إلى أنه حتى المعارض لا تخلو من بعض العقبات ففي المعارض يواجه الناشر مأزقاً من نوع آخر. وإذا كان الناشر يرحب بالمعارض لأنها تشكل نصف دخله تقريباً، فإن ترحيبه يعود أيضاً إلى أنه يضعه على احتكاك مباشر مع القارئ، فيستميله بأن يبيعه الكتاب بثمن أرخص من السوق العادي.

فالحسم الذي يعطيه الناشر للموزع، يعطيه للقارئ. لكن الذي حدث في السنوات الأخيرة أن كلفة الاشتراك في المعارض قد ارتفعت ارتفاعاً كبيراً (معرض أبوظبي مثالاً) حتى بات من الصعب على الناشر أن يعطي حسماً كبيراً للقارئ لتشجيعه واستمالته.

آليات النشر

وفي حديثه عن آليات النشر قال الريس : صحيح أن دور النشر في العالم هي أحد أهم محركات الإنتاج الفكري واكتشاف الموهوبين والمبدعين، لكن يجب أن لا تُعيّر دور النشر العربية بأنها تعمل وفق حسابات تجارية، لأن دور النشر العالمية كلها تعمل وفق حسابات تجارية أيضاً وبعضها مرتبط بسياسات حكوماتها وأجهزتها.

ولا مقارنة في الحجم والقدرات بيننا وبينهم. فمواصفات الكتاب واحدة عندنا وعندهم، وهي جاذبية موضوع الكتاب وشهرة اسم كاتبه. فلا مانع ولا ضرر في ذلك. أما كلمة الإثارة التي يكثر استعمالها، كأنها كلمة معيبة، فهي كلمة حقيقية وضروري أن تتوفر في كل كتاب، على تعدد معانيها وأهدافها. وكلمة «الإثارة» يجب أن لا ترتبط بالخرافات والجنس والخزعبلات.

أما آليات النشر في العالم العربي فهي في جوهرها آليات النشر ذاتها في العالم الغربي، وإن اختلفت آليات العمل وميكانيكية الاتصال وتقاليد التعامل بيننا وبينهم. في الجوهر يتم النشر في العالم بطريقتين: إما أن يتقدم مؤلف ما بمخطوطته فيعرضها على الناشر، فيقبلها الناشر أو يرفضها.

أو يكلف الناشر مؤلفاً ما، أو مجموعة مؤلفين، بموضوع كتاب أو كتب ويتفق معهم على مواصفاتها. الأمر الأول هو الشائع والأسهل في العالم العربي، مع أن الأمر الثاني يتم أيضاً بنسبة أقل.

أما مَنْ يتخد قرار نشر الكتاب في دور النشر، فيتم ذلك في شركتنا مثالاً، عبر أكثر من لجنة مصغّرة للقراءة في اختصاصات معينة. فللرواية مثلاً لجنة تقرأ المخطوطات الروائية وتعطي رأيها فيها. وهناك لجنة أخرى لكتب السياسة والتاريخ والشعر والأدب.

ويحيل قرّاء هذه المخطوطات مقترحاتهم إلى مدير الشركة الذي يتخذ قرار النشر، ويتحمل مسؤوليته وحده. وهكذا يضع مدير الشركة بالاشتراك مع مسؤوليه برنامجاً نشرياً ضمن أجندة تأخذ في الحساب تنوع الكتب التي ستنشر ومواعيد صدورها، التي ترتبط إلى حد ما بدورة المعارض العربية.

الفقراء يقرأون

من الطبيعي أن تؤدي الأسعار دوراً أساسياً في انتشار الكتاب في العالم العربي. لكن ليس إلى الحد الذي يتصوره بعض المراقبين. صحيح أن القدرة الشرائية ضعيفة في الأقطار ذات الدخل المحدود، كالعراق واليمن وفلسطين والأردن وسورية ولبنان ومصر، مقابل قدرات دول الجزيرة العربية الغنية، إلا أن من السخرية القول أن مخزون القرّاء الأساسي هو في هذه الدولة الفقيرة إجمالاً. ومع ذلك يقبل القرّاء «الفقراء» على شراء الكتاب ويقتطعون ثمنه من احتياجات أخرى.

ولا يتردد قارئ فقير أو غني في شراء كتاب يريده، ما دام سعره معقولاً، وفي متناوله. وهؤلاء هم القرّاء الذين يشكلون عصب الداعمين للكتاب.. إن جودة مضمون الكتاب وسمعة المؤلف والرغبة في الاطلاع على موضوعه، إلى جانب جاذبية توضيب شكل الكتاب وغلافه، كلها عوامل تدفع القارئ إلى اقتناء الكتاب. ويكتشف الناشر أن الفقراء هم الذين يقرأون ،أما الأغنياء فيتفرجون.

مشكلات التزوير

ثم عرض الريس لمشكلات التزوير مشيرا إلى أن لشهرة الكتاب أو مؤلفه دورا كبيرا في التزوير، إذ إن التزوير أحد أصعب مشكلات النشر العربي. فتزوير الكتب منتشر في كل بلد عربي تقريباً. وهناك ناشرون مختصون في هذا المجال. ثم انتقل إلى قضية الإعلام والإعلان متناولا كيف يسوّق الناشرون كتبهم،

مشيرا إلى أن هناك طريقتين متّبعتين. الأولى ، الإعلان عن إصداراتهم في الصحف ووسائل الإعلام المختلفة، وهذا يحتاج إلى موازنة مالية لا تملكها أغلب دور النشر. و الثانية ، عن طريق إرسال إصداراتهم إلى محرري الصفحات الثقافية والمجلات الأدبية في الصحافة العربية، بغية عرض هذه الإصدارات والتعريف بها ومراجعتها،

وتكليف أحد كُتّاب تلك الصحيفة بكتابة نقد، (مع أو ضد، لا فرق) لذلك الكتاب. وإذا بالصفحات الثقافية في الصحافة العربية ـ وبمتابعة بسيطة ـ لا يعنيها أمر الكتاب إلّا فيما ندر. حتى إن «البيان الصحافي» Press relesse الذي يكتبه الناشر تعريفاً بإصداره ويرسله إلى الصحيفة (وهي محاولة من الناشر للتعويض عن كسل المحرر من بذل أي مجهود) لا يجد طريقه إلى النشر إلّا في حالات قليلة.

أما موضوع الإنترنت كوسيلة من وسائل التسويق، فأعتقد أن معظم الناشرين يملكون مواقع على الإنترنت، ويعلنون عن إصداراتهم منها، ويضعون كتبهم كاملة على شبكتها، ونحن منهم. وقد تعرضنا نتيجة لذلك لأكثر من عملية قرصنة، بعضها ينظر فيه القضاء اليوم. واكتشفنا بالممارسة أن التسويق عن طريق الإنترنت ما زال ضعيفاً وغير مجدٍ في العالم العربي.

ملكية فكرية

وأضاف: هناك تساؤلات كثيرة عن تأثيرات «حقوق الملكية الفكرية» على صناعة النشر العربية. أهمها أن تشريعات حقوق الملكية قد أفادت عملية النشر العربية، وضبطت الكثير من مقاييسها. إلا أنه ليس هناك من مشكلة فعلية بين الناشر والمؤلف، حيث يتم التفاهم بينهما بموجب عقد اتفاق يحدد حقوق وواجبات كل من المؤلف والناشر، فيأخذ كل ذي حق حقه.

والخلافات قليلة جداً بين المؤلف والناشر في هذا المجال. ولا تنشأ مشكلة في موضوع «حقوق الملكية الفكرية» إلا مع ناشرين أجانب في شأن شراء حقوق الترجمات وعدد الطبعات وكلفة الترجمة، وخلاف ذلك من لزوميات العلاقة بين ناشر عربي وآخر أجنبي.

واختتم الريس ورقته بالإشارة إلى أنه يبقى بعد توصيف حالة النشر وأزماته في العالم العربي، مجموعة أسئلة لا تملك أجوبة عن حلول، إذ لا حلول ما دامت الحواجز السياسية مرتفعة في كل بلد عربي تحت مسميات مختلفة، وما دامت الحوافز الاقتصادية معدومة. متسائلا في نبرة استغراب: أتسألون بعد كل ذلك عن سقم الكتاب؟ صحته هي العجب!