السؤال الصعب الذى توهج حوله عقل المشاركين في جلسة (التقدم الى التراث) على اختلاف توجهاتهم وانتماءاتهم الفكرية هو هل نعيد قراءة التراث من جديد لأخذ الصالح منه أم نقاطعه ولانعترف به؟ وهل هناك تراث واحد أم تراثات؟
حول السؤال احتدم النقاش والجدال حتى جاوز الزمن المخصص للجلسة حيث قدم المفكر الاسلامي المستشار طارق البشري ورقته للمناقشة حول ذات الموضوع ثم عقب عليه الدكتور كمال عبد اللطيف والمفكر فهمي هويدي
والدكتور جابر عصفور وأدونيس والدكتور يوسف الحسن والعديد من الحضور، حيث شهدت الجلسة حضورا لافتا من المثقفين والمهتمين بقضية التراث الاسلامي والعربي وفي مقدمتهم ميدر الجلسة الدكتور علي أومليل.
وتحدث المستشار طارق البشري مؤكداً أنه لا يرى تعارضاً بين التراث ومفهوم التقدم وخاصة في مجال التراث العربي الإسلامي، إذ لم يجد تقابلاً أو منافاة بين التراث والتقدم، فالتراث لم يشكل عائقا أمام النهضة الإسلامية الحديثة في صورها المتعددة.
واستشهد المستشار البشري بأمثلة على هذا التشخيص لعل ابرزها تجربة التحديث التي قادها محمد علي الكبير في مصر وموقف الأزهر من هذه التجربة، مؤكداً ان حالات الإعاقة تعود في أحيان كثيرة إلى عوامل إقتصادية واجتماعية وتنظيمية وسياسية وغيرها، وكذلك السلطان محمود الثاني في تركيا.
وأضاف (ورغم ذلك كانت المحافظة الفكرية موجودة، لكنها كانت نتيجة لركود الحراك السياسي أوالاجتماعي وليست سببا لهذا الركود، بدليل أن محاولات الإصلاح والنهوض التي جرت على أيدي المصلحين من الحكام لم تقابل بمقاومة فكرية،
كما أن من أسس تطبيق الشريعة الإسلامية على الواقع مراعاة المصالح العامة، بمناهج شتى عقلية وتجريبية. وذهب المستشار البشري إلى أن مؤسسات دينية مثل الأزهر قد تفرعت عنها مؤسسات لها دور تجديدي مشهود مثل دار العلوم ومؤسسة القضاء الشرعي وسواهما.
ودعا البشري إلى أن لا نكتفي - عندما ننظر إلى حركة التقدم في المجتمع وعلاقتها بالتراث تجاوبًا أو معارضة - بكتابات المفكرين الأعلام من تيار واحد، إنما ننظر في المفكرين سواء المحدثين أو أصحاب الفكر التقليدي، والا نكتفي بالكتابات الخاصة بكبار الكتاب،
إنما ينبغي أن نتجاوز هؤلاء إلى المساحة الأوسع من كتاب كل فترة وعصر، وان ننظر في عمل المؤسسات التطبيقية التي تستند إلى الفكر في ممارستها مثل دور الإفتاء وأحكام المحاكم والقرارات التي تصدر من جهات ذات الصبغة الفكرية.
وشدد البشري على ألا ينبغي الاكتفاء بالكتابات التي تشكل نوعا من الدعوة، إنما ننظر في الحركات السياسية والاجتماعية التي تعبر عن فكر ما أو تصدر عنه، كالأحزاب، الصحف، الجمعيات، الجامعات، مراكز البحث، المؤسسات وغيرها وألاّ نكتفي بحركة العلوم الإنسانية،
إنما ننظر في أثر بناء المؤسسات الحديثة في تكوين الفكر وتجديده من ناحية التخصصات المختلفة وتوزيع العمل وأسلوب الإدارة الحديثة سواء في أجهزة الدولة أو في الشركات المساهمة أو غير ذلك،
وكذلك إنشاء المصانع والعمل بها وممارسة أساليب الإنتاج الحديثة. وألاَ نكتفي بذلك كله، إنما ننظر في أنشطة العلوم العقلية كالرياضة والهندسة والعلوم التجريبية كالأحياء والكيمياء، وأثر ذلك في الفكر الاجتماعي العام. وأكد أن المطلوب هو تحدي الصلة بين النص الثابت والواقع المتغير.
وفي مداخلته قال المفكر والكاتب الإسلامي فهمي هويدي ، إن التخلف الذي نعيش فيه حالياً هو من نتاج الدولة العربية الحديثة، موضحاً أن المشكلة ليست فيما هو متوفر في التراث بل ما ينتقيه الناس منه ، فعادة لا تكون المشكلة فيما يحتويه التراث بل فيم يقوم به بعض الناس من وضع أيديهم على قمامة التاريخ من التراث.
وأضاف هويدي إنه عند الحديث عن التقدم في التراث يجب أن نراعي تراكم العقل العربي والتراث الذي يمتد طولاً وعرضاً بعمق 14 قرناً في عمق التاريخ وبمسافة تمتد من الصين إلى شمال أفريقيا، وفي التراث ما يمكن أن يوصلنا إلى كل ما هو سيء وبئيس وفيه ما يمكن أن يدفعنا إلى التقدم،
مشيراً في نفس الوقت إلى أن هناك بعض المصطلحات الإسلامية التي تعني في الإسلام المجد والعزة والوجود مثل كلمة الجهاد، التي يراها الإعلام الغربي الآن على أنها إرهاب. ودعا هويدي خلال مداخلته في الجلسة إلى ضرورة التنبه إلى البيئة التي تستخدم الأفكار والمناخ الذي أفرز هذه البيئة، كما دعا إلى ضرورة التمهل في قراءة التراث
وعدم الاكتفاء بالقرارات الإعلامية المتصيدة، مع السعي لتحديد ماذا نريد من التراث الإصلاح أم الهدم. وألمح الى مقولة الشيخ محمد الغزالي بأن التراث فيه قمامة من يريد أن يأخذ منها لكن قبل أن نحاكم التراث علينا أن نحاكم الظرف التاريخي الذي اتاح ظهور قمامة التراث.
ومن جانبه قال الدكتور كمال عبداللطيف استاذ التعليم العالي في جامعة محمد محمد الخامس بالمغرب، إن عوائق التقدم مركبة ومتشابكة ويشكل البعد السياسي فيها عامل أساسي، مشيراً إلى أن هناك خلطا كبيرا بين التراث والدين وما هو فيه متسع وبين المقدس، مؤكداً أن التراث أكبر وأوسع من المرجعية الإسلامية.
واشار إلى أنه من المطلوب احتضان المقاربات التعددية وتشجيعها على التوسع في المجالات المختلفة المتعلقة بالحياة الإنسانية، مؤكداً أننا في مناقشتنا لمسألة التقدم في التراث الإسلامي فإننا أمام قضية إصلاح ديني في الفكر العربي.
وأشار الى أن هناك سؤالا مؤجلا حول الاصلاح الديني في الفكر العربي ولابد من طرحه في ظل تنامي المد الديني المحافظ. وعلق الدكتور أومليل قائلا (أن هناك اشكالية بالفعل بين النص الثابت والواقع المتغير).
الدكتور جابر عصفور دعا الى ضرورة الأخذ من التراث بما يساعدنا على التقدم، فالتراث فيه من التشدد لصالح السلف الصالح مثل كتابات الشاطبي وابن رجب والمناقض له مثل المسعودي والشنفري.
وطالب بعض الحاضرين بضرورة تناول التراث تناولا معرفيا.وهنا قال الشاعر أدونيس ان هناك تراثات وليس تراث واحد وهناك عناصر متعددة فيه تصل الى درجة التناقض، وهناك صراع بين من يرى فيه ينبوع معرفي وآخر يرى فيه مرجعية مطلقة