يبدو أن دبي لم تتعلم الدرس الذي يريد الكثيرون تلقينه لها وحسناً فعلت، فبالأمس نصحها البعض بالتخلي عن الفقاعة واليوم ينصحها آخرون بالتخلي عن الحرث في البحر، ولكنها وبرؤية بالغة الاستقلال وعزيمة لا تلين تدير ظهرها لأمثال هذه النصائح وتصر على السير قدماً إلى الأمام.
فحينما قررت المضي قدماً على طريق التنمية والتحديث سارع البعض إلى توصيف ما يحدث في الإمارة بأنه فقاعة، ولم تصغ دبي فكان ما كان وتقدمت إلى الحد الذي أصبحت معه بمثابة القاطرة للتنمية ليس على المستوى الخليجي فحسب وإنما على مستوى المنطقة العربية والإقليمية.
وإيماناً بخطواتها وبأن ما تسير عليه هو الصحيح كان جواب صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي الحاسم «لو استمعنا إلى حديث «الفقاعة» لما كنا عملنا شيئاً...
لقد سمعنا كلمة «فقاعة» منذ عقود ومع كل مشروع كبير نفذناه، وحين تفقد كلمة «فقاعة» مفعولها تسمع عن «الوايت إيليفانت» ـ أي الفيل الأبيض ـ وصفاً لبعض المشاريع الكبرى كمشروع الألمنيوم وميناء جبل علي والمركز التجاري الدولي وجزر النخلة وبرج العرب وغير ذلك...
فحديث «الفقاعة» منتشر في المنطقة ويطال جميع عمليات التنمية الناجحة، ولو سألت الذين يطلقون حديث «الفقاعة» عن المعنى الذي يقصدونه، لما وجدت سوى أجوبة «فقاعة» لا علاقة لها بالاقتصاد ولا بالتنمية ولا بالعلم ولا بالواقع».
وعلى ذات المنوال وعندما أطلق سموه مبادرته بتأسيس مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم معلناً عن تخصيص نحو 10 مليارات دولار للنهوض بالمعرفة في العالم العربي لم يلق سموه من البعض سوى الإشفاق من ثقل المهمة التي اتخذها على عاتقه.
فيما أن البعض الآخر لم يجد أمامه سوى الرؤى المحبطة باعتبار المبادرة حرثاً في البحر، وان التحدي ضخم وفجوة المعرفة من الصعب ردمها، وكأن دبي لا تعرف مدى جسامة وصعوبة المهمة التي آلتها على نفسها وهو ما يبدو واضحاً وجلياً في كلمة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد من خلال قوله: «لا شك أن الواقع العربي لا يخلو من الأشواك والمطبات..
هذا هو واقعنا.. نعرفه ونعرف تفاصيله وخباياه». غير أن سموه بدلاً من أن يسلم بهذا الواقع رأي أن يطلق مبادرته انطلاقاً من رؤية تقوم على أنه ليس لنا إلا أن نعمل من خلال واقعنا على تجاوز العقبات. وهو أمر لن يتم، حسب رؤية سموه، سوى بالعمل الجاد والمثابر والمدروس المعجون بروح التفاؤل والإيثار والإخلاص.
هذه هي رؤية دبي التي تنطلق من فكر صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد وهى الرؤية التي لقيت صداها عند من يقدر الأمور جيداً وهو ما بدا في تأكيد عمرو موسى الأمين العام لجامعة الدول العربية على أن سموه لا يحرث في بحر كما يسعى البعض إلى تصوير الأمر، وأنه إذا كان فإنه حرث من قبل فعلاً وبنى المدن والأحياء.
وإزاء الطبيعة التفاؤلية لهذه الرؤية التي لا تؤمن بالمستحيل وجدنا من يدعو سموه إلى عدم الاكتفاء بالبحر فقط وإنما الحرث في الجو والبر.. في مسعى للخلاص من واقع عربي وإسلامي مأزوم.. لن نجد طريقنا للفكاك منه إلا بهذه الرؤى التي لا ترى مستحيلاً على طريق نهضة الوطن والأمة