السجال والاختلاف في الرأي كان سمة جلسة «تراثنا العربي اليوم» وبدت الجلسة وكأنها محاولة للمكاشفة والمراجعة للتراث الإسلامي العلمي والسياسي والديني. وكان الحوار بين الحضور حول ورقة الدكتور رشدي راشد عن التراث العلمي العربي.

حيث بدا أن هناك تياراً مع المراجعة ومثله الدكتور عزيز العظمة والدكتور علي أومليل وتياراً مع التراث وتاريخ السلف برؤية عصرية ومثله الدكتور نصر عارف الذي حضر نيابة عن الدكتور راشد لقراءة ورقته بعد أن حالت ظروف السفر لحضوره المؤتمر.

في بداية الندوة قال الدكتور أنور قرقاش وزير الدولة لشؤون المجلس الوطني الاتحادي الذي أدار الندوة الساخنة أن مبادرة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم كانت مفاجأة سارة للجميع في منتدى البحر الميت وكان لها صدى إيجابياً خاصة أنها من رجل معروف بطموحه وأفعاله ومؤمن بالتفاؤل الانجاز والإبداع.

وأشار الدكتور رشدي راشد في مستهل ورقته إلى أنه لا يكفي للحديث عن التراث العلمي العربي اليوم إحصاء عدد المؤسسات التي يتم فيها البحث في مضمونه، فهي لا تعدّ على أصابع اليد الواحدة، ولا عدد الباحثين فيه، فهم فئة قليلة العدد مختلفة التكوين، ولا أسماء الدوريات والكتب المتخصصة في كتابة تاريخه، التي أكد ندرتها أيضاً.

وقال: «علينا أولاً أن نقف أمام سؤال ما انفك يُلحُ على كل من يريد أن يفهم موقع هذا التراث من الإرث الإنساني وكيف كان تصور موقعه منه، ولهذا علينا أن نعرف قبل كل شيء أين ومتى بدأ البحث في هذا التراث وعلى أيدي من وماذا كان الهدف، حتى نستشف ما هو عليه اليوم».

وبعد أن استعرض جانباً تاريخياً من الجهود العربية في دراسة وتوثيق هذا التراث في القرون الماضية، وصولاً إلى القرن الثامن عشر الميلادي، شخص الدكتور راشد بعضاً من المشكلات التي يواجهها هذا الموضوع، واصفاً تلك المحاولات بـ «المقدمات» التي كتبها العلماء بأنها لم تكن تاريخاً لهذا العلم أو ذاك، وإنما كانت تذكرة بنتائج السلف لبيان ما انتهوا إليه قبل البدء في البحث الجديد، مؤكداً أن تلك المقدمات لا تعد تأريخاً وإن كانت أحد مصادر التأريخ فيما بعد.

وأشار إلى أن كتب الطبقات أقرب إلى فهارس لسير العلماء ولعناوين كتبهم، وليست كتابات في تاريخ العلوم وقال: «كانت إذاً هذه الكتابات المرجعية المهمة تهدف إلى التسجيل والتذكير، ولم يقصد مؤلفوها تتبع هذا العلم أو ذاك في ذاته لبيان كيف أصبح على ما هو عليه في عصر من العصور، وما قابله من عقبات تغلب على بعضها أو كان لها جُلّ الأثر في تغيير مجراه وابتكار بنيات نظرية جديدة. وهذا السعي، الذي يُوصف وحده بالتأريخ، يتطلب نهجاً جديداً في الدراسة والتحليل».

وخلص المتحدث إلى أن على المؤرخ تتبع وصف البنيات النظرية وظروف تكونها وما قامت عليه، حيث استعرض جهود الدارسين الغربيين في استقصاء التراث العلمي العربي خلال مرحلة عصر النهضة، وقال إن بضاعتهم من العلم العربي لم تكن غنية ولا كافية لفهم ما تم، إذ إنها لم تكن سوى أصداء حملتها إليهم الترجمات اللاتينية القديمة للعلوم العربية.

وأضاف: «ما لبثت صورة العلم العربي في مجرى القرن التاسع عشر ـ قرن تكون الإمبراطوريات الاستعمارية ـ أن تغيرت واكتست بشوائب عدة، فقد نُظر في هذا القرن ـ وبتأثير من الفلسفة الرومانسية الألمانية، والمدرسة اللغوية التي تولدت منها ـ إلى التراث العلمي العربي على أنه خزانة لترجمات يونانية، واعتبر علماً يونانياً محدثاً».

وأوضح قائلاً: «إلا أن هذه النظرة لم تمنع هذا الإرث أن يفرض نفسه على المؤرخين، فلم يكن من الممكن الاستغناء عنه عند كتابة تاريخ الرياضيات أو الفلك مثلاً. وكان لهذه النظرة العقائدية للعلم العربي الصدارة والسيطرة طول القرن التاسع عشر والقرن العشرين، إلا أنها لم تكن النظرة المتفردة، فكانت هناك أيضاً نظرة أخرى دعا إليها المؤرخون الذين لم يأخذوا برؤية المدرسة الرومانسية الألمانية، ولذا فإنهم قدموا خدمات جليلة لتأريخ التراث العلمي العربي.

مما أدى ابتداءً من العقد السادس من القرن العشرين إلى تسارع لم يُسبق له مثيلٌ للبحث في تاريخ التراث العلمي العربي. وأدى تراكم هذه البحوث إلى فتح الطريق لفهم أدق وأوعى لتاريخ هذا التراث ولإسهام العلم العربي في تاريخ العلم الكلاسيكي، كما سمح أيضاً بإدراك السمات الأساسية لهذا العلم».

وأثارت الورقة التي قدمها المتحدث الكثير من الحوارات التي ناقشت الأفكار الواردة فيها، وقد تولى مهمة التعقيب عليها كل من الدكتور علي أومليل وهو باحث ومفكر وسفير المغرب لدى الجمهورية اللبنانية، الدكتور عزيز العظمة، رئيس مجلس أمناء مؤسسة البحوث العلمية المتقدمة في العالم العربي «إنجلترا»، والدكتور مخلص الحريري، مهندس معماري مختص في الفنون الإسلامية وعمل مستشاراً ثقافياً لجامعة الدول العربية في الولايات المتحدة وهو عضو في المركز الإسلامي في واشنطن والعديد من المنظمات غير الحكومية.

وقد أكدت المناقشات على ثراء التراث العلمي العربي وإسهاماته في مسيرة الحضارة الإنسانية، غير أن حقيقة هذا التراث وعطاءاته الفكرية والعلمية تكاد تكون مجهولة لدى المجتمعات الغربية والشرقية غير المسلمة، وحتى لدى بعض المجتمعات المسلمة أحياناً، باستثناء نفر قليل من الدارسين والمهتمين.

فضلاً عن تكريس صورة نمطية عن العقل العربي ينبغي العمل على تصحيحها من خلال العمل على الحضور الفاعل لتراثنا العلمي في عصرنا الراهن والمبادرة إلى توحيد جهود العاملين على تقديم هذا التراث إلى العالم.

ورأى الدكتور أومليل أن الفلسفة الإسلامية لم تلعب دوراً في تكوين وتطوير الفكر السياسي العربي في حين لعبت الفلسفة الغربية هذا الدور، فالفلاسفة المسلمون لم تمتد إسهاماتهم إلى ميادين السياسة وشرعية الحكم، وطالب بضرورة طرح الأسئلة حول التراث.

وأشار الدكتور العظمة إلى بعض الملاحظات منها تسييس التراث الديني، وأن التراث الإسلامي العلمي تجاوزه العلم الحديث وكان أفضل ما توصلت إليه البشرية في وقتها، وأن هناك انقطاعاً في التواصل مع التراث العلمي الغربي وغياب للمأسسة العقلية في مجال البحث العلمي العربي.

متابعة: عادل السنهوري