كل مجتمع تنصهر خلافاته من خلال تكاتف أيادي العقلاء بوضعهم هذه النزاعات والشقاقات في بوتقة الحوار الهادف إلى تشييد المجتمع وأفراده إلا وعم السلام وحل الوفاق والأمان بين الناس وانتشر بينهم الإخاء.
فصهر الخلافات أمر ضروري وحتمي للتعايش السلمي بين البشر بغض النظر عن الأعراق والأنساب والألوان لأن الناس في النهاية يلتقون تحت مظلة الإخوة الإنسانية الكل يسعى إلى الخير وهذه المزايا التي كرم الله بها الإنسان وهي فطرة سوية فطر عليها بنو البشر (فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) «الروم/30 هذه الفطرة تشمل كل ما من شأنه فعل خير يستحسنه الإنسان
وترك كل فعل قبيح ومنكر يكرهه الإنسان، فالأخلاق مثلا لها ميزة حسنة في المجتمع فتعمل هذه الفطرة على ضبط أحواله من الانزلاق في المتاهات ومنها الجرائم كبيرها وصغيرها التي قد تأتي على الأخضر واليابس من حياة الناس ففي ظلها لا يتحقق التعايش السلمي بينهم إلا من خلال التمسك بالدين لضبط أحوال المجتمع والسيطرة عليه (فالحاسة الأخلاقية تعتبر عميقة في فطرة الإنسان).
ووظيفة الدين هي تنظيمها وتوجيهها، ووضع المقاييس الثابتة لها، فلا تميل مع الهوى والمنفعة وأغراض الطبيعة، إنما ترجع دائما إلى معيار ثابت، لا يتأثر بالأهواء، أما المجتمع فوظيفته هي حماية الفضائل التي يتفق عليها، لا فرضها فرضا ضد إرادة الأفراد، فالأخلاق لا يمكن فرضها من المجتمع ما لم يكن لها أساس عميق في الفطرة.
ذلك أن المجتمع هو كله الأفراد، مهما قيل في التطورات التي تدخل على عقلية الأفراد ومشاعرهم حينما يتكلمون في جماعة ولابد أن يكون القانون الذي يحكم حياة الجماعة، متسقا في طبيعته مع القانون الذي يحكم فطرة الفرد ليمكن قيام مجتمع من هؤلاء الأفراد،
ويمكن قيام مصلحة مشتركة بينهم، على أساس ما يتواضعون عليه من نظم وتقاليد حميدة لا يكون فيه تغليب مصلحة فردية على مصلحة الجماعة قاطبة بل يكون ما يتواضعون عليه هو الهدف المنشود لتحقيق التعايش السلمي بين الناس.
وإذا عدنا إلى موضوع صهر الخلافات التي تحدث في المجتمع وتصدع أركانه نقول إنه مهما بلغت الخصومات وتعدد النزاعات ففي نهاية المطاف لا يكون مصير المجتمع إلا الدمار والهلاك.
لان في بعض النزاعات وجميع طرق الخلاف التي لا تهدف إلى تحقيق مصلحة رشيدة للمجتمع لا تكون عواقبها إلا وخيمة ومريرة قد ترتسم صورتها للأجيال القادمة يذكرها جيل عن جيل ولا تؤدي في نهاية المطاف إلا إلى التطاحن والتناحر ويسود مبدأ القوي يأكل الضعيف وتنشب الحروب التي تهلك الحرث والنسل ويهضم حق المظلوم وتهدر دماء الأبرياء
وهكذا شأن الخلافات لذا نجد القران الكريم يحذر من طرق الشقاق والفراق بعد ما أمر المسلمين بالطاعة لله تعالى ورسوله الكريم عليه السلام (وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) «الأنفال/46 هذا النداء الرباني يحذر المسلمين الممتثلين لأوامره على وجه الخصوص والبشرية على وجه العموم من والوقوع في براثن الفتن ظاهرها وباطنها.
إن في صهر الخلاف والسيطرة على النزاعات قبل أن تتفاقم المشكلات وتستفحل سواء أكانت صغيرة أم كبيرة سبيل إلى السلام الدائم والتعايش الأمن بين الناس والذي يؤدي حتما إلى منافع كثيرة منها تسامح الناس مع بعضهم البعض خصوصا في الأشياء التافهة التي لا ترتقي بمستوى عقلاء البشر
فيعيش الكل في مأمن ووئام وتتوزع الثروة الطبيعية بمنهج العدالة بين فئات المجتمع الذي تسود بسببه عوامل الرخاء والتنمية المستدامة للشعوب وبها يتم التخطيط البناء للأمم وتقوم الفئة المصلحة بتنفيذ هذه الخطط بأمانة وإخلاص لتصل سائر الخدمات إلى الشعب ويتعايش الناس سلميا.
إبراهيم بن حبيب الكروان السعدي