كان صلى الله عليه وسلم إذا ذهب ثلث الليل قام، فقال: «يا أيها الناس اذكروا الله جاءت الراجفة، من خاف أدلج ومن أدلج بلغ المنزل، ألا إن سلعة الله غالية ألا إن سلعة الله الجنة، جاءت الراجفة تتبعها الرادفة جاء الموت بما فيه» (رواه الترمذي).
إن سير العظماء تبعث الهمم، وأخبار النبلاء توقظ العزائم، وأحوال السبّاقين توقظ الغافلين، هنالك نماذج رفيعة، وقدوات شامخة أخبارهم عطرة، وسيرهم مبهجة، وحياتهم مذهلة، أخمصوا البطون عن مطاعم الحرام، وأغمضوا الجفون عن مناظر الآثام وحفظوا الجوارح عن فضول الكلام، وصلوا بالليل والناس نيام، وصاموا فأحسنوا الصيام.
قال تعالى: «والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون».
قالت عائشة رضي الله عنها: « يا رسول الله والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة هو الذي يسرق ويزني ويشرب الخمر، وهو يخاف الله عز وجل، قال: لا يا بنت الصديق، ولكنهم الذين يصومون ويصلون ويتصدقون وهم يخافون ألا يتقبل منهم أولئك الذين يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون.
فانظر إلى هذا الوصف الذي وصف به المولى هؤلاء الناس، فهو وصف يثير العجب، ويبعث الاستغراب، ويدعو إلى التساؤل. فهم يبذلون ويعملون ويؤتون ويجتهدون، ومع ذلك قلوبهم وجلة، وأفئدتهم خائفة، وكان المتوقع أنهم يعيشون بنفوس مطمئنة، وأفئدة فرحة.
فهذا هو حال المؤمنين وديدن المتقين، وطريق المجتهدين، وأسلوب الطائع لا يدل بأعماله، ولا يباهي بأفعاله، بل يخشى ويخاف، ويخشع ويتذلل، يجتهد وهو على وجل، ويعمل وهو في حذر، فالصحابة فرسان بالنهار، رهبان بالليل، قدموا لله أرواحهم، وبذلوا في سبيل الله أنفسهم، وصفت له سرائرهم، وأشرقت بحبه قلوبهم وأسهر الإشفاق أعينهم،
وأقضت النار مضاجعهم ونحن اليوم قلة في الطاعة وتقصير في العبادة ثمن لا نجد لا عينا تدمع ولا قلبا يخشع ولا خوفا يردع ولا تذكر الهول المطلع. فلنشمر ولنجتهد ولنعمل ولنبذل ولنستمر على الطاعة ولنداوم على العبادة ولنواصل في الخير ولنحفظ صيامنا ولنحسن قيامنا
ولنخرج زكاتنا ولنكثر صدقاتنا. نسأل الله تعالى أن يرزقنا حبه وخشيته وأن يعمر قلوبنا بخوفه وأن يوفقنا لطاعته وأن يؤمن خوفنا يوم القيامة ونصلي ونسلم على سيد الخلق وحبيب الحق عليه وعلى من اهتدى بهداه إلى يوم الدين.
د. عثمان الغزالي