عندما أرسل الله تعالى القرآن الكريم كان آمراً لبني الإنسان أن يقرأوا ويحرصوا على العلم وعلى التأمل في خلق الله تعالى. فالقراءة هي الوسيلة الفعالة للمعرفة، ومن ثم كان على المسلمين الأوائل السمع والطاعة.

حيث قرأوا وتعلموا وأدركوا معاني القرآن العظيمة وفهموا آيات الإعجاز المتعددة، فكان منهم كبار العلماء والفلاسفة الذين أثروا الحياة العلمية وجعلوا من العلوم الإسلامية أساساً لكل العلوم ، فرأينا ابن سينا وابن حيان والرازي وابن الهيثم وغيرهم ممن يشهد تاريخ العلم بتفردهم وريادتهم.

إلا أنه بمرور السنين تأخر المسلمون ومن ثم ضاعت هيبتهم العلمية بين الأمم وتخلفوا واحتلوا مؤخرة الركب الحضاري. فهل من الممكن أن تكون آيات الإعجاز العلمي في القرآن محركاً لأبناء المسلمين على التعلم؟

يقول المفكر الإسلامي د. زغلول النجار إن التاريخ الإسلامي شاهد على أن من بين المسلمين علماء نبغوا في كافة ميادين العلم الفكري والنظري والعملي، إلا أن حال المسلمين اليوم، وما طرأ عليهم من ضعف يؤكد أنهم تراجعوا عن إعمال عقلهم في التفكير في قوانين الأشياء وفي الآيات الكونية، مع أن أسرار القرآن ومعجزاته مازالت قائمة ولم تتكشف بعد.

ويضيف: إلا أنه في ظل الطفرة العلمية التي يشهدها الغرب اليوم والتي لم يحدث لها مثيل من قبل.. نسأل هل آن الأوان للمسلمين كي يفيقوا من غفوتهم لإرساء دعائم نهضة جديدة تقوم على العلم القرآني- وتنطلق منه إلى آفاق رحبة للرقي والتقدم، ومن ثم فالمسلمون مدعوون اليوم كي يشاركوا بكل طاقاتهم في ذلك الركب العلمي ، ومطالبون بأن يثبتوا للعالم أجمع أن دينهم الحنيف هو أكثر الأديان احتضانا للعلم وتشجيعاً للعلماء.

ويقول د. عبدالصبور مرزوق نائب رئيس المجلس الأعلى للشؤون إن أسلافنا استجابوا لتلك الدعوة فالتزموا بها، وطبقوها في واقع حياتهم، وخلال فترة وجيزة من الزمن أنشأوا حضارة رائعة ازدهر فيها العمران، وتعددت فيها المدارس والمراصد والمستشفيات،

ونشطت حركة التأليف والترجمة، واتسع نطاق الآداب والفنون، ولم يحدث خلال تاريخنا أن اضطهد العلم أو حورب العلماء بل إن العلم كان دائماً في المجتمعات الإسلامية موضع التقدير الكامل، وكان أصحابه يرتقون به إلي أسمى المراتب وينالون عليه أجزل المكافآت..

ثم جاءت فترة تقلص فيها العلم، وجفت ينابيع المعرفة لدى الشعوب الإسلامية مما جعلها تدخل في ليل طويل من الجمود والتخلف، وتزامنت تلك الفترة مع نهضة أوروبا التي أسرعت بحمل راية العلم وتطوير وسائل التكنولوجيا،

مما هيأها للسبق والغلبة، وهنا راحت بعض الأصوات تتهم الإسلام ظلماً وجهلاً بأنه قرين التخلف مقيمة دعواها على أحوال الشعوب الإسلامية دون أن تدرك أن هذه الشعوب ما تخلفت إلا بسبب بعدها عن دعوة الإسلام الأصيلة إلى العلم والمدنية.

ويشير مرزوق إلى أن العالم يعيش اليوم طفرة علمية لم يحدث لها مثيل من قبل، ففي السنوات العشرين الأخيرة تحققت انجازات علمية تفوق الذي تحقق على مدى العشرين قرنا الماضية، مؤكدا أن المسلمين مدعوون اليوم للمشاركة بكل طاقاتهم في ذلك ،

وهم بدون شك أهل لذلك لكنهم مطالبون بأن يثبتوا للعالم أجمع أن دينهم الحنيف هو أكثر الأديان احتضاناً للعلم وتشجيعاً للعلماء، وأن يوضحوا في نفس الوقت موقف الإسلام الصحيح ليس فقط من المشكلات المعاصرة، وإنما أيضاً من الانجازات العلمية الحديثة، وما ينتج عنها من تأثير واضح في حياة الأفراد والمجتمعات.

نهضة إسلامية

ويرى المفكر الإسلامي د. محمد عمارة أن الإنسان هو معجزة الله في خلقه ولذلك فالله يعلم كل ما يحيط به، والسنة المشرفة هي امتداد لتعاليم القرآن الكريم الذي علم الأمة الإسلامية والبشر جميعاً ما لم يكونوا يعلمونه، لذلك ظهرت الحضارة الإسلامية في جميع علوم المعرفة ودعت إلى علاج المرض بواسطة العلماء المؤهلين فقط.

وقد كان الإسلام ممثلا في السنة الشريفة أول من دعا إلى تقنين ممارسة الطب، قبل أن يعرفه علماء القانون بأكثر من 1400 عام، فقد روى أبوداود والنسائي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من تطبب ولم يعلم منه طب، فهو ضامن» وضامن أي مسؤول مسؤولية قانونية، وروى مسلم في صحيحه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «لكل داء دواء، فإذا أصاب الدواء الداء برؤ بإذن الله تعالى».

ويضيف د. عمارة أن القرآن الكريم تناول القضايا المادية والظواهر الطبيعية والسنن الكونية تناولاً فريداً، فيجد العامي فيه حاجته والعالم ضالته والعبقري بغيته، والذين يقولون بعلمية القرآن لا يقصدون أنه كتاب فلك مفصل أو كتاب هندسة وإنما يعنون أن القرآن إذا تعرض لآية كونية أو إنسانية بغرض الهداية أو إتباع الصراط المستقيم، فإن عباراته تبلغ من الدقة مبلغ الصياغات العلمية الحديثة بل وتتعداها.

ويقول د. سعد الحلواني أستاذ التاريخ الإسلامي بجامعة الأزهر إن التاريخ العلمي للمسلمين شاهد على أن من بينهم علماء نبغوا في جميع ميادين العلم الفكري والنظري والعلمي وأرسوا أسس حركة علمية وفكرية انتفعت بها الإنسانية في تعاقب عصورها منذ أن كانت نهضة المسلمين العلمية إنسانية في طابعها وفي أهدافها.. والعلم في جملته تراث إنساني، لكن المسلمين انفردوا بصقل وتهذيب علم الكيمياء، وأضافوا إليه معارف وتجارب، رفعته إلى مرتبة العلوم الأخرى.

وقال لقد مهدت بحوث علماء الكيمياء المسلمين استخدام هذا العلم في تيسير سبل العيش للإنسان، وخففت عنه آلام الحياة.. وكان للمنهج التجريبي الذي سلكه أعلام هذا العلم من المسلمين فضل كبير في خدمة الصناعة والزراعة والطب بل والفنون على اختلاف أنواعها وأهدافها، وهم بتجاربهم في البحث والاعتماد على الأجهزة والآلات اللازمة للتقدير الكمي الدقيق قد أسهموا بقدر كبير في تأصيل هذا العلم وإرساء قواعده.

ويوضح د. الحلواني أن من العلماء المسلمين الذين أثروا في توجيه العلم، جابر بن حيان الذي وصف بأنه أحد صناع التاريخ البشري والحضارة الإنسانية وأبو الكيمياء، وأنه واضع أسسها ورافع عمدها، وأعظم رواد العلوم التجريبية، وهو أول عالم كيميائي في العالم استعمل الميزان في تجاربه العلمية وصولا إلي وزن كل عنصر من العناصر الداخلة في المركب الكيميائي المراد إعداده وتحضيره،

ولم يستخدم علماء أوروبا الميزان في تجاربهم إلا بعد جابر بن حيان بنحو ستة قرون أو تزيد وله نظريات وتجارب ساقها في كتبه، ومنها كتابه (المعرفة بالصفة الإلهية والحكمة الفلسفية) فقد كان جابر بن حيان وأمثاله من علماء المسلمين روادا وقادة في مختلف العلوم النظرية والتجريبية، فهم أئمة في علوم الدين واللغة والطب والكيمياء والصيدلة.

ومن هؤلاء العلماء أيضاً أبو بكر الرازي وأبومنصور الموفق وقد وضعوا نماذج للمعمل وأدواته لاتزال بأشكالها وأسمائها سائدة في مجتمع أهل هذا العلم، واستعان العلميون من المسلمين الأوائل بعلمهم هذا في استخدامات إنسانية كثيرة، حيث شاركوا في تحضير الأملاح والأدوية والروائح العطرية،

وأفادوا بها في صناعة الزجاج والورق والطلاء والسكر والجواهر الثمينة، كما كان للعالم «مسلمة بن أحمد الجريطي الأندلسي» صاحب كتاب «المنهج القومي في البحث العلمي» فضل السبق في وضع قاعدة : نقاء المادة، تلك القاعدة التي استفاد بها العلميون في السيطرة والهيمنة- بعلمهم هذا - على كل مجالات الحياة والعلم الإنساني.

يقول المفكر الإسلامي د. مصطفى محمود: منذ آلاف السنين، ومن قبل أن يمتلك الإنسان معامله للطبيعة والكيمياء ومن قبل أن تتاح له فرصة التحليل العلمي للمادة.. كان مشغولاً باكتشاف سر المادة وتكوينها، وكان يحاول أن يفض ألغازها وأسرارها بعقله المجرد بالنظر والتأمل، بينما كان أهل الشطح من الصوفية يحاولون الوصول بالإلهام، وإنه لأمر عجيب ومدهش أن نعثر في مخطوطة للصوفي المسلم جلال الدين الرومي منذ حوالي ألف سنة على عبارة يقول فيها: لو فلقت الذرة لوجدت في داخلها نظاماً شمسياً.

وتساءل د. محمود: كيف وصل هؤلاء الناس بإلهامهم إلى قلب الحقيقة هكذا دفعة واحدة.. وبدون وسائل؟ بل أننا لنرى القرآن يشير إلى الذرة من ألف وأربعمائة سنة على أن لها مثقالا، ويقرر أن هناك ما هو أصغر من الذرة، ومؤكدا بذلك أنها كتلة قابلة للقسمة وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين.

ويري د. محمود أن الكوارث التي نزلت بقوم عاد وثمود والتي فصلها القرآن يمكن أن تكون كوارث من نوع الانفجاريات الذرية (إنا أرسلنا عليهم صيحة واحدة فكانوا كهشيم المحتظر)، وقال سبحانه وتعالى (فدمدم عليهم ربهم بذنبهم فسواها) هذه الدمدمة، أو الصيحة الحادة التي تشبه ما نطلق عليه بالموجة فوق الصوتية، وهي إذا كانت عالية جداً فإنها يمكن أن تحطم المادة وتفلق الذرة، فتحدث انفجاراً ذرياً.

أما د. أحمد عمر هاشم رئيس جامعة الأزهر الأسبق فيقول: لقد نزل القرآن على قوم استماتوا في الصد عنه، دفاعاً عن أصنامهم التي كانوا عليها عاكفين، وتعلقاً بما آمنوا به من خرافات السحر والكهانة والتنجيم، وأوهام الأزلام، والتشاؤم من بعض الشهور، ومن مرور بعض أنواع الحيوان، وجادلوا عن ضلالتهم في طلب الحماية من ملوك الجان،و في الشعاب والوديان، وهذا مثل من الضلال الفكري الذي كان عليه العرب عند نزول القرآن.

ويرى أن العرب كانوا أمة أمية.. وبعد أن حثهم رسول الله صلى الله عليه وسلم علي القراءة والكتابة، والعلم والحساب لم يجدوا أمامهم من أدوات الكتابة إلا الجلود، والأحجار الرقيقة، وعسف النخل، وعليها كانوا يكتبون في ذلك العصر، وعلى تلك الأمة نزل الوحي، وفيه علم الله، يصف أسرار الخلق في شتى الآفاق، ويجلي دقائق الخلق في النفس البشرية ويقرر البداية، ويصف أسرار الحاضر، ويكشف غيب المستقبل الذي ستكون عليه سائر المخلوقات.

وتطرق د. هاشم إلى عالم البحار وأسراره التي لم يكتشف منها إلا القليل وقال: إن البحوث الحديثة قد توصلت إلي منطقة المصب التي تصنف على أنها مزيج من الملوحة والعذوبة بالإضافة إلى مياه الأنهار شديدة العذوبة، ومياه البحار شديدة الملوحة،

ويعيش في كل نوع من الثلاث أنواع من المياه كائنات حية خاصة، بالإضافة إلى بعض الكائنات التي لها القدرة علي التكيف في منطقة المصب، لا يمكنها الخروج من هذه المنطقة لأنها تحتاج لوسط مائي متناسب في ملوحته وعذوبته.

ويقول عن وصف الحاجزين بين البحرين في القرآن الكريم مستشهداً بقول الله سبحانه وتعالى (مرج البحرين يلتقيان بينهما برزخ لا يبغيان) وقوله تعالى (وجعل بين البحرين حاجزاً)، و(يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان) فتشير الآية الكريمة إلى التقاء البحرين مع وجود برزخ بينهما يحدد الاختلاط بينهما ويجعله بطيئاً على الرغم من تعرضها للمد والجزر.. دون أن يطغى أحدهما على الآخر، ويغير من صفاته.

ويشدد على أن القرآن قد فرق بين نوعي الحاجز، كما ظهر في الدراسات العلمية الحديثة ووصف كل منهما وصفاً دقيقاً عند التقاء الأنهار بالبحار، والبحار بالبحار، وقد جاءت أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم لتحث المسلمين على طلب العلم «من خرج في طلب العلم فهو في سبيل الله حتى يرجع» وتجزل له المكافأة «ومن سلك طريقاً يطلب فيه علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة».

القاهرة - وكالة الصحافة العربية