إذا كانت أطراف عملية قيادة السيارات تتعدد فإنه يأتي من بين أهم حلقاتها معاهد تعليم السياقة، والتي تشرف على منح الرخص لنسبة كبيرة من السائقين الذين يجولون بسياراتهم في أنحاء دبي.
ومن هنا فإن هذه المعاهد تمثل المنبع الذي قد يعكس مستوى قيادة السيارات.. فإلى أي مدى تعد المعاهد مسؤولة عن بعض سلوكيات السائقين الخاطئة؟ وإذا كانت هذه السلوكيات تضع المعاهد في قفص الاتهام فأليس من الظلم تحميل المعاهد سلوكيات السائقين رغم ما قد تكون أبلته من بلاء حسن في تعليمهم؟ وما هي الملاحظات التي ترد على عملية التعليم وكيف يمكن الاستفادة منها؟ هذه محاولة للنظر من قريب على دور معاهد تعليم السياقة وإمكانيات مساهمتها في تطوير سلوك قائدي السيارات في دبي.
من جانبها عرضت راني مشرا مدير خدمة العملاء في مؤسسة بالحصا لتعليم قيادة السيارات سياسة المعهد في التدريب على القيادة مشيرة إلى أن الحصول على الرخصة يتطلب تلقي 40 حصة إذا لم يكن لدى المتدرب أي معرفة أو إلمام بقواعد السياقة بينما إذا كان لديه رخصة بلاده فإنه يتلقى 20 حصة مع خبرة نحو عامين في القيادة، وذلك وفق اشتراطات هيئة الطرق لضمان تخريج متدرب قادر على القيادة بثقة.
وأضافت أن المعهد يدرب السائقين 15 حصة في ساحة التعليم المخصصة داخل إطار مبنى المؤسسة وفي حال استطاعة السائق السيطرة على السيارة وزيادة الثقة لديه بالقيادة خارج المبنى يقوم المتدرب بتجربة قيادته حيث يتم بعد ذلك استكمال عدد من الاختبارات الداخلية وبعد تأكد المدرب أنه قادر على القيام بامتحان القيادة في السوق والشوارع الخارجية والإشارات تقوم هيئة الطرق والمواصلات بامتحانه.
من جانبه أشار بهاء دخان افردي مدير عام التدريب في مؤسسة بالحصا لتعليم قيادة السيارات إلى جزئية تعدد الجنسيات كأحد العوامل التي تؤثر على نمط قيادة السيارات في دبي وقال إن دبي مدينة كبيرة وتشمل جنسيات متعددة والكل متأثر بثقافة بلده في القيادة ، والمؤسسة لا تركز على الجوانب العملية فقط ولكن تركز على النظري من خلال المحاضرات بشأن كيفية الحفاظ على سلامة السائق والجمهور المحيط به والحوادث المتوقعة عند القيادة بسرعة أو عند المخالفة بقوانين السير.
وأشار إلى أن القائمين على التدريب يضعون في اعتبارهم أن الناس يتأثرون بظروف الطريق ومدى ازدحام الشوارع خاصة أن الزحام يؤثر في سلوك السائق مما يجعله يحاول الهروب من الزحام.
وأشار إلى أنه قبل كل امتحان هناك محاضرة يجب على المتدرب حضورها كما توزع على المتدربين مطبوعات تثقيفية عن القيادة السليمة والسلوكيات الخاطئة، موضحا أن بعض السائقين يقودون السيارة بشكل سليم في حال وجود المدرب إلى جانبهم غير أنهم بعد الحصول على الرخصة يشعرون بالخوف عند القيادة مما يتسبب في عرقلة حركة السير والمخالفات التي يرتكبونها بسبب خوفهم.
ونوه أن الشرطة هي المسؤولة عن المخالفات والسيطرة على طيش السائقين عن طريق تشديد العقوبات على المتهورين وزيادة المخالفات وسحب الرخصة عند تكرار بعض المخالفات الخطرة كعبور الإشارة الحمراء والسرعة العالية، ويجب على وسائل الإعلام نشر الوعي وتنظيم حملات تثقيفية للسائقين بجميع اللغات.
ولكن إلى أي حد يلتزم المتدرب بالقواعد التي تلقاها خلال التدريب؟ يقول المدرب محمد عبدالرحمن إن المتدربين خلال التدريب يكونون بالغي الالتزام حيث أنهم يعملون على الالتزام بالقواعد وفق ما يتلقونه من المدرب ولكن بعد مرور فترة معينة من الحصول على الرخصة يبدأ هؤلاء في ارتكاب المخالفات وبدون أي مبرر وهو ما يشير إلي أن الكثير منهم يسأل عن العقوبات المترتبة في حال الوقوف على الرصيف أو التجاوز من كتف الطريق والوقوف في موقف ذوي الاحتياجات الخاصة، وهو ما يشير إلى أن مثل هذه المخالفات يكون عن عمد.
وأشار إلى أنه من بين القواعد الأساسية التي يتم تلقينها للمتدربين ضرورة الانتباه لمناطق عبور المشاة والإشارات الضوئية وترك مسافة أمامية ومن عبور الأطفال خاصة في المناطق السكنية.
ويعرب علي محمد سلطان نائب مدير العمليات في مؤسسة بالحصا عن أسفه الشديد لمحدودية النتائج التي تتم عن طريق التدريب وإصرار الكثيرين على تجاهل ما تعلموه بعد الحصول على الرخصة. وأضاف يكفي معهد تعليم السياقة القيام على هذه المهمة بشكل جيد أما سلوك السائق بعد ذلك فلسنا مسؤولين عنه حيث لا يمكننا التحكم في سلوكيات السائقين فكل شخص له أسلوبه في قيادة السيارة، لذا يجب اختبار السائقين عند تجديد الرخصة لتغيير السلوكيات الخاطئة التي اكتسبوها جراء القيادة الفعلية على مدى السنوات السابقة وهو ما قد يفرض عليهم بالتالي تعديل نظام قيادتهم للسيارة.
ونوه إلى أن العقوبات تؤثر على السائق مؤقتا ولكن الإنسان من النسيان فسرعان ما ينسى ويعيد ارتكاب نفس المخالفة بعد فترة ، ويعزز ذلك مشاريع الطرق الكثيرة في دبي حيث أن السائق يحرص بعد الخروج من ازدحام طريق معين الإسراع لكي يعوض ما فاته من الوقت وقد يصل به الحد إلى المغامرة والتجاوز والسير في الممنوع.
وأشار إلى أنه يتم خلال المحاضرات التي تقدم للمتدربين شرح كيفية تفادي الحوادث عن طريق شرح كيفية القيادة في مدينة دبي والحوادث التي حصلت سابقا من خلال الأفلام التي تمدنا بها شرطة دبي وهيئة الطرق والمواصلات.
من جهته يشير زكريا الشحي ـ مهندس معماري ـ إلى انه من اجل تزويد المتدربين على قيادة السيارات بالمعارف والمهارات المطلوبة لا بد من إجراء دراسة لواقع تلك المدارس من واقع الممارسات الفعلية وان تشمل جميع مدارس التعليم على مستوى الدولة وعرض آراء المنتسبين لهذه المدارس وطرق تقييم الدارس والإمكانات المتوفرة واقتراحات إدارات المدارس وبعض المدرسين والمدربين وتقويمها.
وأشار إلى أنه من الضروري إقرار كتاب تدريس للسائقين في معاهد تعليم القيادة بالتعاون مع إدارة المرور، مشيراً إلى أن أغلب مدارس تعليم القيادة تقدم برامج التوعية على شكل نشرات قد يستفيد منها بعض الدارسين فيما قد لا يلتفت إليها البعض الآخر أو لا يعيرها أي اهتمام.
وأضاف الشحي أن السماح للمتدربين باستخدام الشوارع الرئيسية في التعليم يحتاج لإعادة نظر، مشيرا إلى أننا نرى الكثير من معاهد القيادة تتركز في شوارع معينة وتسبب ازدحاما مروريا، مقترحا وقف ذلك قياسا بحظر تعليم القيادة في الشوارع خلال أوقات الذروة باعتبار أن مختلف الأوقات في دبي أصبحت تمثل أوقات ذروة وخاصة مع أعمال الطرق والتحويلات التي تقوم بها هيئة الطرق في جميع شوارع دبي.
ويطالب الشحي بسن قانون يلزم معاهد القيادة بتعليم السائقين الجدد جميع القواعد المرورية داخل المعهد في البداية وأن يتم إنشاء شوارع خاصة بتعلم القيادة، ويتم تدريب السائقين الجدد وخاصة الذين ليس لديهم أية خلفية في القيادة داخل شوارع المعهد، ثم السماح لهم بالقيادة في الشوارع العامة، تفاديا للازدحام المروري الذي يتسبب فيه هؤلاء.
وأضاف نلاحظ أنهم يترددون في كثير من الأحيان في الخروج من التحويلات الأمر الذي يسبب إرباكا في حركة السير، وقد يطول صف المركبات التي تنتظر عبور المتدرب لأكثر من عشر مركبات في نفس المكان، مقترحا أن يتم نقل معاهد القيادة إلى أطراف المدينة، على اعتبار أن المساحات في تلك الأماكن تكون كبيرة والشوارع فسيحة ولا يوجد بها أي ازدحام مروري وتسمح بتعلم جميع قواعد المرور.
من جهتها تتساءل المهندسة علياء الأسد عن معايير تعيين مدربي معاهد القيادة.. وتذكر أن كثير من المتدربين يعانون بالفعل من عدم إدراك وفهم بعض المدربين لقانون السير والمرور، الأمر الذي يؤدي إلى رسوب المتدرب في امتحان الحصول على الرخصة، فعند الاختبار يلتزم المتدرب بما تعلمه من المدرب، إلا أن المشرفين على اختبار القيادة لا يسمحون للمتدرب باجتياز الامتحان على اعتبار أن بعض القواعد التي تعلمها من المدرب غير صحيحة.
وتضيف إننا نلاحظ أن الكثير من المدربين لا يلتزمون بقواعد السير، ويتسببون بحوادث مرورية خطيرة وذلك لعدم تقديرهم للمسافات والسرعات المحددة، فيما أنه من باب أولى أن يكون هؤلاء المدربين قدوة لباقي السائقين، ومن المفترض إعادة تدريب المدربين وتأهيلهم ليكونوا مدربي طرق.
وتضيف أن اختبار الحصول على رخصة القيادة لمرة واحدة ولمدة عشر دقائق أو في شوارع معينة غير كاف، فالسائقون الجدد يتسببون بحوادث مرورية فادحة، فالاختبار المروري لا يشمل جميع القواعد وقد يكون الحاصل على الرخصة متمكنا في بعض أمور القيادة وغير مدرك لأمور قد تكون بسيطة ولكن نتيجتها فادحة، مثل عدم إفساح المجال للقادمين من اليسار أو الالتزام بالسرعة المحددة أو لحالة الطريق، فيجب تهيئة السائق نفسيا للكثير من الأمور الطارئة التي قد تحدث في الطريق، ويجب تعزيز القدرة على تقدير ظروف الطريق والقيادة لدى المتدرب.
وكذلك أن يكون لديه قدر كبير من الحذر بشأن مفاجآت الطريق التي قد تحدث للسائق في الشارع بشكل يشبه الواقع داخل معاهد القيادة، كالانحراف المفاجئ أو انفجار الإطار أو القيادة في وقت الأمطار وانزلاق السيارات أو عبور مشاة من غير الأماكن المخصصة لهم أو خروج حيوانات سائبة فجأة، أو أية ظروف أخرى قد تحدث في الطريق، وبذلك يكون السائق متمكنا من القيادة في الظروف العادية والطارئة.. فالإعداد النفسي في القيادة جدا مهم ويحافظ على أرواح السائق ومرتادي الطريق.
وأشار علي حسين الى أن بعض الشباب يقودون بصورة جنونية حيث يقومون بتجاوزات خطرة وسرعة جنونية في حال كان الطريق مفتوحا أمامهم.. ما يزيد من احتمالات تعريض حياتهم وحياة الآخرين للخطر مؤكدا أنه يجب تشديد العقوبات على أمثال هؤلاء وزيادة المخالفات وتطبيق نظام حجز المخالفات لفترة طويلة.
دبي ـ خولة محمد، مصطفي الزرعوني
