عبر معالي الشيخ نهيان بن مبارك آل نهيان وزير التعليم العالي والبحث العلمي رئيس كليات التقنية العليا عن أهمية العمل على تعميق دور المفكرين والعلماء في مسيرة المجتمع وتأكيد رسالتهم في الإبقاء على تلك المسيرة قوية وفاعلة خاصة في ظل ما يشهده العالم من أحداث وتطورات بل صراعات ومواجهات تنعكس بشكل مباشر على طبيعة الدول والمجتمعات بل سلوك الأفراد والجماعات.
جاء ذلك في كلمة معاليه خلال افتتاحه صباح أمس فعاليات مهرجان المفكرين والمبدعين الثاني الذي نظمته كليات التقنية العليا في قصر الإمارات بأبوظبي بمشاركة 16 عالماً من الحاصلين على جائزة نوبل وأكثر من 150 من المفكرين والباحثين بحضور د.طيب كمالي مدير كليات التقنية وحشد كبير من كبار الشخصيات والمسؤولين وعدد من الأكاديميين والمتخصصين.
وأشار معالي الشيخ نهيان بن مبارك إلى أن مهرجان المفكرين والمبدعين هو مناسبة متجددة تتأكد فيها المكانة المرموقة لمدينة أبوظبي ولدولة الإمارات في الثقافة والفكر في العالم، وتهيئ المجال في الوقت ذاته أمام المفكرين للحوار المثمر وبناء علاقات تعزز جسور التواصل الفكري وتسهم في تحسين نوعية الحياة، معبراً عن شكره الجزيل للفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة لرعايته الكريمة لهذا الملتقى وجهوده الفائقة في دعم التعليم والبحث والإبداع في الدولة.
وأوضح معالي وزير التعليم العالي أن الملتقى يهدف أولا إلى توفير إطار فعال لدراسة وتحليل القضايا والأمور المشتركة على مستوى العالم كما انه يكتسب أهمية قصوى في ظل الحاجة الملحة للاهتمام بالمفكرين والعلماء الذين يبذلون الجهد في صمت ليحافظوا على تماسك المجتمع ومسيرته وتطوره، لذا فان الملتقى يركز على دورهم في تطوير الأفكار والمعارف وإيجاد الحلول للمشكلات وحماية البيئة وإعداد الأجيال ورفع مستوى المعيشة للمجتمع.
رابطة للعلماء
وتطلع معالي الشيخ نهيان إلى أن ينجح هذا الملتقى في تشكيل رابطة عالمية للعلماء والمفكرين والمبدعين تتسم بخصائص وأهداف نبيلة تضم مستويات عالية من الخبرة والذكاء وتضطلع بمسؤوليات هامة في خدمة الإنسان.
مشيرا إلى أن النجاح في تحقيق هذا الهدف يتطلب العمل معا للأخذ بمنهج تكاملي يربط بين الفكر والعمل ويتخلص من حالة الفصام التي يلاحظها البعض من أن المفكرين قادرون على التفكير فقط وان رجال التطبيق قادرون فقط على التنفيذ وان هذا النهج التكاملي يأخذ في الاعتبار كذلك تأثير البيئة على الإبداع ويحرص على توظيف كافة العوامل والظروف المحيطة لتحقيق الأهداف المرجوة.
وذكر رئيس كليات التقنية أمثلة على نجاح هذا النهج المتكامل من التفكير والتطبيق ومنها نموذج تمويل المشروعات الصغيرة الذي ينفذه الدكتور محمد يونس في بنجلاديش والحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد، كذلك الأسلوب الذي اتبعه نيلسون مانديلا في رأب الصراعات وتحقيق السلام الاجتماعي في جنوب أفريقيا، مشيرا إلى وضوح هذا النهج أيضا في نوعية الفائزين بجوائز نوبل لهذا العام وطبيعة انجازاتهم والمشروعات التي نفذوها لخدمة الإنسان.
تطور البشر
وتحدثت الدكتورة وانغاري ماثاي الحائزة على جائزة نوبل للسلام عام 2004م حول التحديات التي تواجه بيئتنا والخطوات التي يجب أن نتخذها للحفاظ عليها موضحة وجود علاقة مباشرة بين البيئة والديمقراطية والسلام وهذه العلاقة أكدت عليها مؤسسة نوبل عندما منحتها جائزة نوبل للسلام.
وشددت على أن نكون حريصين على السلام العالمي وحقوق الإنسان وكرامته وفض النزاعات سلميا والحفاظ على حقوق الأقليات، مشيرة إلى إمكانية الحفاظ على البيئة وان نحظى بالديمقراطية والسلام من خلال شحذ أنفسنا ورفض أن نكون ضحايا ونتحمل مسؤولية حياتنا وحصولنا على المعرفة.
وأوضحت د.ماثاي أنها أثناء دراستها لاحظت أن البيئة تتغير وذلك لأن البشر يتطورون على حساب تدمير البيئة وبخاصة في كينيا وإفريقيا عامة، حيث يعتمد الناس هناك على المصادر الطبيعية وعناصر البيئة في حياتهم. ووصفت د.ماتاي المؤسسة التي أنشأتها وتحمل اسم «حركة الحزام الأخضر» بأنها نموذج مفيد في التغيير على أساس مساعدة البيئة وتحسين حياة النساء الفقيرات.
وحثت العلماء على أن يكونوا واضحين في الأسباب التي تؤدي إلى تدمير البيئة وما يجب على القادة أن يقوموا به للتخفيف من ذلك ومقاومة الجفاف.
وفي هذا المجال أشادت د.ماثاي بسياسة الإمارات في المحافظة على البيئة والتشجير في ظروف قاسية، وخلصت في كلمتها إلى إمكانية كل فرد من تقديم عمل بناء مهما كان صغيرا لذلك علينا جميعا أن نساهم في مقاومة الفقر والعمل على توفير الكرامة للإنسان.
التفكير ليس بالفطرة
أما المفكر العالمي بارتا ساراتي البالغ من العمر 80 عاماً من الهند تساءل حول ماهية التفكير ومن هم المفكرون وبماذا يفكرون، ورأى ان التفكير مهارة وفن وتقنية يحتاج للتعليم والتدريب والممارسة، وانه لا يأتي بالفطرة وانما يكتسب ولكنه لا يدرس في المدارس والمعاهد حتى في الدولة المتقدمة.
ويرى المفكر العالمي الناس مصابين بالكآبة ويتعاملون مع الأذى والإحباط والإرهاب دونما أن يتحدث احد منهم عن التفكير، فالمشكلة كما يراها تتمثل في أننا نرهق أنفسنا بالتفكير بالماضي والمستقبل والحاضر، بينما علينا التوجه إلى الذات والى تنمية مهارة التفكير وليس تنمية المعارف فقط كما هو شائع. وقال إن ما يحدث الآن هو تقدم الدول وتأخر الأفراد وإهمالهم.
كما عقدت جلسة نقاش بمشاركة 8 من العلماء والمفكرين الحاصلين على جائزة نوبل وأدارها ديفيد اغناشيوس من صحيفة واشنطن بوست ودارت الندوة حول التفكير والإبداع وكيفية خلقة وتشجيعه والمكونات البيئية التي تدعم نمو هذه المهارات لدى الشباب، كما طرح كل من المشاركين تجربته الخاصة وخبراته في هذا المجال إضافة إلى مشاركة فاعلة من الدكتور ادوارد دي بونو مدير المركز العالمي للتفكير الجديد.
محاور الجلسات
وناقش المؤتمر عددا من القضايا والموضوعات الهامة حيث كانت قضية البيئة من أولى المحاور المطروحة وما يواجهه العالم من مشاكل بيئية خطيرة ومن أبرزها تدمير المواطن والمحميات الطبيعية كالغابات وعمق المحيطات حيث حول الإنسان أكثر من نصف الغابات الأصلية في العالم إلى استخدامات أخرى واستمرار الوضع على هذا الحال يهدد بتحويل ربع آخر منها خلال نصف القرن المقبل.
كما تطرح الورقة استغلال المأكولات البحرية بشكل كبير واعتماد حوالي ملياري شخص في العالم اليوم ومعظمهم من الفقراء على المحيط للحصول على البروتينات، وقضية فقدان التنوع الوراثي على كوكب الأرض وما له من آثار سلبية، ومشكلة تآكل التربة وتدمير للمزارع، وفقدان المياه الطبيعية حيث تستهلك معظم موارد المياه في العالم ويفتقر أكثر من مليار شخص إلى مياه شرب نظيفة.
إضافة إلى مشكلة الزيادة السكانية العالمية ويثار الجدل حول إمكانية استقرار السكان في العالم قبل أن يتسبب بكوارث عالمية. بالإضافة إلى موضوع نفاذ مصادر الطاقة وخاصة النفط والغاز الطبيعي والفحم والرأي السائد يقول بأن هذه المصادر ستدوم عدة عقود قليلة فقط.
إضافة لقضية تلوث الهواء والتراب والمياه من المواد الكيميائية السامة ومن المعروف أن المواد الكيميائية السامة يبقى أثرها طويلا في البيئة وتبلغ تكلفة تنظيف المواقع الملوثة بمليارات الدولارات، كذلك قضية الاحتباس الحراري.
وبنظرة إلى مستقبل العالم على صعيد الطاقة والتنمية المستدامة، ناقشت الجلسة الثانية الأزمة العالمية في الطاقة بسبب النقص في توفر النفط الرخيص والتوصيات للاعتماد الأقل على الوقود الحفري، وكان بدء نضوب النفط في حقل النفط «بركان» في الكويت وهو ثاني أكبر حقل نفط في العالم من أهم الأحداث التي قادت إلى تزايد الأبحاث حول الوقود البديل مثل وقود الهيدروجين والطاقة الشمسية والطاقة الحرارية الجوفية والطاقة المدية وطاقة الرياح والى الآن فان البديلان الهامان للوقود الحفري هما توليد الكهرباء بواسطة القوة المائية والطاقة النووية.
وتشير الورقة إلى توقع بعض المجموعات نضوب النفط والطعام في أواخر القرن العشرين، وعلى الرغم من أن التكنولوجيا قد ساهمت في تطوير فاعلية استخراج النفط فان العالم يعمل جاهدا لتوفير النفط عن طريق استخدام الطرائق عالية التكلفة والأقل إنتاجية مثل الحفر في عمق البحر وتطوير المناطق الحساسة بيئيا.
إضافة إلى ازدياد عدد السكان في العالم بمعدل ربع مليون نسمة في اليوم مما يؤدي إلى زيادة في استهلاك الطاقة وفي يومنا هذا يستهلك جزء صغير من السكان في العالم جزءا كبيرا من موارده، وتستهلك الولايات المتحدة الأميركية وسكانها البالغ عددهم مليون نسمة النفط أكثر بكثير من الصين التي يبلغ عدد سكانها مليار نسمة.
لذا فان العالم يواجه تحديات كبيرة في توفير الطاقة وتتمثل في العدد المتنامي للسكان، وزيادة الطلب على مستويات أعلى من المعيشة، والحاجة إلى تلوث أقل، وإلى تفادي الاحتباس الحراري، واحتمالية نفاد الوقود الحفري، فبدون الطاقة تنهار البنية التحتية الصناعية في العالم، لذا لابد من استراتيجيات لتطوير الطاقة واستخدامها بطرائق فاعلة وإيجاد مصادر بديلة وبطريقة نظيفة حماية للبيئة.
الاقتصاد العولمي
المحور الثالث من مناقشات الملتقى يدور حول العولمة والإبداع وتأسيس الأعمال والمشاريع حيث شهدت تحولات العولمة ازديادا ملحوظا خلال العقود القليلة الماضية ولم يقتصر انتشار العولمة على ارتفاع نسبة التجارة الدولية للسلع والخدمات خلال منتصف القرن الماضي فحسب بل شمل ارتفاع عدد المستثمرين الأجانب الذين تعدت نشاطاتهم الحدود الوطنية.
وأصبح ازدياد تأثير العولمة على النمو الاقتصادي سمة للتطورات التقنية الواسعة وعلى وجه الخصوص فان تقنيات المعلومات والاتصالات عملت على تنشيط إنتاج ونقل البيانات والأفكار إلى مستويات تفوق إمكانياتنا بعقدين من الزمن، وأدى تقليل العقبات والنظم التجارية وزيادة الإبداع إلى اتساع التجارة عبر الحدود بشكل ملحوظ مما أدى إلى خضوع الاقتصاديات المحلية للمنافسة العالمية الشديدة والفائدة النسبية، وشهد إنتاج السلع التجارية اتساعا سريعا، مع انخفاض أجور الأيدي العاملة ومن أكثر الدول التي شهدت تطورا في هذا المضمار هي الصين والهند اللذين شهدا في العقد الماضي انفتاحا جزئيا على السوق العالمي.
قدرة الدول النامية على المنافسة
أشارت الجلسة الثالثة إلى أن قدرة الدول النامية على المنافسة في التجارة العالمية أصبحت ممكنة نتيجة لعدد من الفرص منها طرق الاتصال الحديثة وإشكال التعاون المختلفة، والهيكلة الجديدة للتكاليف حيث يعد مستوى الأجور السنوية للعمال غير المهرة في الهند والصين أقل بنحو 30 مرة مما هو عليه في أوروبا الغربية والولايات المتحدة الأميركية ومما يثير الدهشة بشكل أكبر هو مستوى أجور العمال المهرة في الهند والصين هو أقل بنحو 10 مرات فقط مما هو عليه في أوروبا الغربية والولايات المتحدة الأميركية.
استقطاب الخبرات العالمية
توضح المناقشات أن بإمكان الدول الدخول في مجال المنافسة على مستوى التجارية العالمية من خلال التركيز على القواعد الأساسية المتعلقة بزيادة حجم الاستثمار ومرونة النظام التعليمي مع التركيز على العلوم والهندسة.وزيادة حجم الاستثمار في مجالي الأبحاث والتنمية، وإقامة الشراكات المهنية بين الجامعات وأبحاث القطاع الخاص، وتأسيس مراكز التفوق بهدف استقطاب الخبرات العالمية إضافة إلى بذل المزيد من الجهود لاستقطاب الاستثمارات الخارجية مع التركيز على الحوافز المالية، والتحول الثقافي نحو السوق العالمي المرن.
دور الإعلام في التحولات المستقبلية
لدور الإعلام في التحولات المستقبلية مكانه في طاولة المناقشات خاصة أن ما يشهده الإعلام في الوقت الحاضر يمثل أكثر المراحل حرجة منذ دخول التكنولوجيا الحديثة التي أتاحت الإعلام الجماهيري بشكله الواسع وتمثلت المرحلة الحرجة الأولى للإعلام باختراع الآلة الطابعة ثم تلتها المرحلة الثانية المتمثلة بالتطور السريع للوسائل التقنية خلال الفترة من 1850 إلى 1920م مثل التلغراف والراديو والصور المتحركة ومن ثم التلفزيون وتتمثل المرحلة الثالثة بالثورة المعلوماتية التي يشهدها العالم اليوم والتي يعد تأثيرها مهما في صناعة الإعلام.
ثلاثة متطلبات أساسية
تم الإشارة في المناقشات إلى دور الانترنت البارز في تغيير الدور العالمي للشركات الإعلامية من حيث تذليل عقبات المسافة والوقت وضرورة أن يحقق القادة الإعلاميون في هذه البيئة الجديدة ثلاثة متطلبات أساسية وهي توفير معلومات حقيقية بناء على الطلب وإضافة إلى توفير الإمكانات التي تتيح استخدامها لتعزيز الأداء وكذلك تقديم المعلومات بجودة عالية بما يعزز ثقة الجمهور بها.
الكوارث البشرية
تناولت ورقة دور الإعلام في الكوارث البشرية من خلال مثال تناول الفيضانات التي اجتاحت موزمبيق خلال العام 2000 كمثال على ذلك حيث ساهمت المنظمات الإعلامية العالمية في توجيه أنظار العالم نحو تلك الكارثة وضمان جمع التبرعات اللازمة لإغاثة المنكوبين في تلك الفيضانات، وساهمت الصور الملتقطة في توضيح الجهود التي بذلتها فرق الإنقاذ والتي أتاحت للعام الوقوف على حجم الكارثة.
تغطية: لبنى أنور
