لا شيء يمكن أن يهز المشاعر الإنسانية أكثر من نظرات المعاناة الممزوجة بالأمل التي ترتسم على عيني طفل محتاج لأبسط أساسيات الحياة.. فكم مرة اختبر الواحد منا مثل هذه المشاعر، ووجد نفسه مدفوعاً لتقديم يد العون لتخفيف حجم معاناة طفل أو أكثر قدر له الالتقاء بهم خلال سفره إلى أي من دول العالم النامية.
غير أن مثل هذه المبادرات الإنسانية تظل للأسف قاصرة بشكل كبير، ليس فقط لأنها تتعامل مع حالات فردية ويكون مفعولها في العادة قصير الأمد وإنما أيضاً لأنها تسعى للتعامل مع تبعات المشكلة بدلاً من المساهمة في حلها من جذورها.
فمن المعروف أن تفشي الفقر في الكثير من الدول النامية سواء في منطقتنا العربية أو في الكثير من مناطق العالم، بات يحرم مئات الملايين من الأطفال من أبسط الأساسيات من تغذية مناسبة وعناية صحية مقبولة وتعليم أساسي.
ومن هنا تكتسب مبادرة دبي العطاء التي أطلقها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، أهميتها الاستثنائية..
فهي من جهة تستهدف التعامل مع أحد أهم أسباب المعاناة الإنسانية في العالم النامي والمتمثلة في الافتقاد إلى التعليم، كما أنها من جهة ثانية تتيح تجميع المبادرات الخيرية الفردية وتحويلها إلى مشاريع وبرامج تعليمية ضخمة تتيح إحداث الفرق المنشود في حياة الأطفال المحرومين من الحصول على تعليم مناسب في الدول النامية والمساهمة بالتالي في ضمان مستقبل أفضل لهم.
فالافتقاد للتعليم يعد اليوم من أبرز أسباب المعاناة الإنسانية التي نلمسها عند زيارتنا لأي من الدول النامية أو نطالع تبعاتها يومياً عبر وسائل الإعلام، ونشعر كأفراد بالعجز عن القيام بدور مؤثر للحد منها.
فهناك أكثر من 120 مليون طفل في سن الدراسة في العالم لا يتلقون التعليم الأساسي، مع ما يعنيه ذلك من انعدام فرص تمتع الجزء الأعظم منهم مستقبلاً بمستوى معيشي مقبول، وهدر لطاقات ضخمة يمكن أن تلعب دوراً محورياً في نمو وتطور المجتمعات التي يعيشون ضمنها.
وما يزيد الأمور تعقيداً أن ظاهرة الافتقاد إلى التعليم تصل إلى ذروتها عند الفتيات، حيث تشير الإحصائيات إلى أن قرابة 58% من الأطفال المحرومين من التعليم هن من الفتيات، ما يعني ان قرابة 70 مليون أم لن يكن في المستقبل قادرات على المساهمة بشكل فعال في تحسين الظروف المعيشية لعائلاتهن ولعب الدور المنشود منهن في تطور مجتمعاتهن.
ويشكل استمرار هذه الفجوة التعليمية بين الفتيان والفتيات عائقاً كبيراً أمام وضع حد للفقر والعوز، إذ ان قدرة أية دولة على النمو والتطور تبقى ناقصة إذا لم تكن نساؤها، اللواتي يشكلن نصف مواطنيها، مشاركات في دورتها الاقتصادية وتنميتها، حتى لا يتحولن إلى عبء يعوق انطلاقتها، على اعتبار أن من لا يساهم في الإنتاج يكون مستهلكاً، وبالتالي عبئاً على الذين ينتجون.
وقد لخصت إحدى الفتيات اللواتي التقيت بهن في مدرسة أروى خلال الزيارة التي قمت بها إلى اليمن حديثاً طموحات وآمال ومخاوف الملايين من الفتيات في الوطن العربي والعالم عندما قالت: «أحلم بأن أتمكن من إكمال دراستي حتى أصبح طبيبة في المستقبل لأتمكن من مساعدة عائلتي وخدمة وطني، لكنني خائفة من المستقبل لأن والدي غير قادر مالياً على إكمال تعليمي».
ولا تشكل هذه الفتاة بالتأكيد حالة منفردة..
فهناك عشرات ملايين الفتيان والفتيات في سن الدراسة لا تتاح لهم الإمكانيات لإكمال تعليمهم، ويحرمون بالتالي من أي فرص للنجاح والتقدم بشكل يتيح لهم ولعائلاتهم التمتع بمستوى معيشي مقبول، والمساهمة في ازدهار الدول التي ينتمون إليها.
ويجد الإنسان نفسه عاجزاً أمام ضخامة مثل هذه المأساة الإنسانية، غير ان الشعور بالأسف حيالها أو محاولة القيام بجهود فردية لن يؤدي بالتأكيد إلى إحداث الفرق المنشود في هذا المجال.
فالأمر يتطلب جهداً مشتركاً يأخذ طابعاً منظماً ويتولى تنفيذ برامج مدروسة، وهذا بالضبط ما تسعى مبادرة «دبي العطاء» إلى تحقيقه.
فتلاقي الروافد الصغيرة يحولها إلى نهر عظيم، ومن خلال تجميع تبرعات المؤسسات العامة والخاصة والأفراد يصبح بالإمكان توفير موارد كافية لتنفيذ برامج تعليمية ضخمة تعطي الأمل لمئات الآلاف من الفتيان والفتيات بمستقبل أفضل. فالتعليم يعد اليوم أمضى سلاح في مواجهة الجهل والتطرف والتخلف والفقر.
ورغم أن صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي حدد مليون طفل كهدف مبدئي للمستفيدين من حملة «دبي العطاء»، فإن طموحات سموه لهذه الحملة الفريدة تتجاوز هذا الرقم بكثير، لتزرع الأمل بمستقبل مشرق لدى الملايين من الفتيان والفتيات المفتقرين إلى التعليم في مختلف أنحاء العالم.
فحملة «دبي العطاء» تعد محاولة نموذجية لتحقيق نقلة نوعية في حياة الكثير من الأطفال في مختلف أنحاء المنطقة والعالم. فهل نكتفي بمواصلة الشعور بالأسى إزاء المأساة الإنسانية التي يعيشها هؤلاء الأطفال، أم نبادر للمساهمة في حلها بما نستطيع.
الخيار لكم.