حاصرتنا العولمة وأصبح مصطلح العولمة على درجة من الشيوع والانتشار بحيث يكفي الإشارة إليه لتتجدد الأسئلة:هل هي نهاية التاريخ؟ كما يقول فوكوياما الياباني الأصل. أم هي صدام الحضارات المتوقع؟ كما يقول صامويل هنتينغتون.

إن زيادة السكان على الأرض تنمو بمتوالية هندسية وإن المعرفة الإنسانية تتضاعف مرة كل 18 شهرا وإن ثورة التكنولوجيا الجديدة تغزو جسده وترسم خريطة جينية تحدد مستقبله. ومن هنا شاع شعار «فكر عالمياً ونفذ محلياً». السؤال الأهم: ماذا عن الهوية والذات الجمعية والانتماء الوطني والقومي في مقابل هذه الهجمة؟ إجابة القول بأننا نعيش عصراً جديداً يجب أن ننشغل خلاله بالبحث عن المزيد من عوامل الربط من أجل الكثير من الانتماء بالقبض على قيم الهوية الأصيلة وتشييد البناء من جديد. أما الثقافة والتراث وعلاقتهما أو تأثرهما بالعولمة فهو محور الارتكاز هنا: فسيطرة التكنولوجيا الفائقة ربما يخلق الانحلال الخلقي والتفكك الأسري والعنف وأشكالا جديدة أخرى، بسبب زوال الفاصل بين الواقع الحقيقي والخيال أو غيرها.

إذا كانت الثقافة هي ذلك الكل المركب الذي يشمل المعرفة والمعتقدات والفن والأخلاق والقانون والعرف، وكل المعتقدات والعادات التي يكتسبها الفرد من حيث هو عضو في مجتمع، فهذا يعني أن الثقافة تحمل في طياتها الذاتي المجرد مثل المعتقدات والمعرفة بجانب التقييمي مثل الأخلاق والسلوك والتقاليد كما أنها مستقلة عن الفرد أي تكتسب بالممارسة الحياتية والتعلم فهي ليست فطرية أو غريزية، كما أن الثقافة تتبدى من خلال شكلين: أولاً: شكل مادي (عمارة وتتمثل في المواقع الأثرية، والمدن العتيقة والمتاحف والقلاع والمباني التاريخية، وأيضا الفنون والآداب وهي ما يطلق عليه التراث الأدبي والفني وتتمثل في الموسيقى والملابس والحلي والمخطوطات والصناعات الحرفية واليدوية الخ). ثانياً: شكل لا مادي (السلوك والأفكار والمعتقدات والأمثال الشعبية مع كافة المأثورات الشعبية الخ).

لذا تعد خصوصية التراث الثقافي هامة ومطلوبة أيضا لكونها العمود الفقري للهوية. السؤال «هل البحث عن الهوية الآن دعوة للانغلاق في مقابل العولمة والانفتاح»؟ إن الثقافة بحديها المادي وغير المادي إلى جانب الانتماء والوطنية من منظور تراثي هما جوهر الهوية بل يتداخلان إلى حد صعوبة الفصل بينهما فالوطنية ثقة بالأنا الجمعية لمجموعة تعيش على أرض مشتركة يشعرون بالولاء والانتماء للأرض والالتزام بمجموعة المفاهيم الرابطة مع استيعاب لذاكرة جمعية تتمثل في حضور رمزي للأجداد ومنجزاتهم والمتمثل في التراث المادي مثل المباني التاريخية والبيوت والقلاع والحصون والمعابد والمواقع الأثرية المتنوعة كما تتمثل في جوهر العادات والتقاليد والقيم العامة. الوطنية ليست التعصب ضد الآخر.

الوطنية محور الارتكاز لاستيعاب الماضي والانطلاق إلى المستقبل ولا نتصورها ضد العولمة، بل انفتاح على العالم دون إحساس بالدونية، وبالتالي انفتاح على الإنسانية بكل مفاهيمها. فالمشاركة مع الآخر هي جوهر العلاقة بين الهوية والعولمة. وهو ما يدعونا للقول بأن السياحة هي إحدى أهم أشكال الاتصال بين الأنا الجمعية الوطنية لجماعة ما، في مقابل الجماعة الإنسانية المتنوعة المناحي والأفكار.

لكن ترى كيف يمكننا الدخول في فعاليات العولمة والمشاركة الايجابية معها وفيها مع التمسك بجوهر الهوية مسلحين بثقافتنا متمسكين بانتماءاتنا وثوابتنا ولكي نحافظ على تراثنا وعلى تنمية السياحة معا.

علينا التسلح بالوعي وملامح هذا العالم الجديد ومفاهيمه وملامحه، وأن نكون على أرض صلبة وواعية لمتغيرات العصر وأمراض السوق الحرة، وأن نعي بأن ثورة المعلومات إلى جانبنا وليست ضدنا، فعلينا المشاركة في وسائلها التكنولوجية والتأهيل العلمي والمعرفي لاستيعاب المعلومات والتعامل معها بموضوعية علمية للاستفادة منها بأكبر قدر ممكن. ونحن مسلحون بحب الوطن، والانتماء الموضوعي الايجابي مع الاحتفاظ بمجموعة الثوابت القيمة العليا، وأن نعلم أن مرجعيتنا هي القيم الحضارية.

السؤال المهم: كيف نحقق التوازن بين التراث والتنمية السياحية؟

العلاقة بين التراث والسياحة

التراث: هو ما ينتقل من جيل إلى جيل ويصبح ميراثا يعتز به سواء على شكله المادي أو غير المادي. وقد اهتمت الدول حديثا بالنظر إلى أشكال التراث للحفاظ عليها والعمل على تأصيلها وتنقيحها والتنقيب على المزيد من المادي منها.

لذا تم إنشاء العديد من الهيئات والمؤسسات الراعية للتراث مثل:مراكز التسجيل والرصد ومراكز البحوث والدراسات ومراكز تحقيق التراث بالإضافة إلى المطبوعات والدوريات المتابعة لكل جديد وأصبح على شبكة الانترنت الآن العديد من المواقع التي تسعى لتنشيط الوعي بأهمية التراث مع عرض الكثير من الأخبار والدراسات حوله.

لقد اهتمت بعض الدول إلى حد إنشاء وزارة خاصة بالتراث تضم تحت إشرافها كل ما يتعلق بالتراث من جديد وقديم، داخليا وعالميا. بينما يعد إنشاء وتطوير المتاحف من أهم المنجزات التي يمكن لدولة ما انجازها.

لقد أصبح للمتاحف الآن دورها التربوي والتعليمي والسياحي والترفيهي والثقافي بعامة، وقد تعددت وأصبحت أكثر خصوصية بعضها متخصص في حقبة زمنية ما وبعضها متخصص في تاريخ نشاط بشري محدد قديم أو جديد «مثل النشاط العسكري والمتاحف الحربية» أو متخصص في تاريخ العلوم لإبراز دور الأجداد والأبناء وهكذا.

إجمالا يمكن الإشارة إلى أن اهتمام الحكومات والمؤسسات بكل ما يتعلق بإبراز التراث في هذه الدولة أو تلك، بات من أولويات اهتماماتها ليس فقط لكونها متعلقة بالوطنية والثقافية والهوية بل لارتباطها بالسياحة وزيادة موارد الدول.

لقد ارتبطت السياحة بمفهوم جانب وحيد من أنواع السياحة وهي «السياحة الثقافية» التي اعتمدت على شكل وحيد منها «المزارات السياحية التاريخية» مثل المعالم الأثرية والمدن التاريخية العتيقة، وقد اتسع مفهوم التراث وزاد الوعي بمفاهيمه ودلالاته مع وفرة أشكال أخرى غير التراث التاريخي. فلا شك أن أجندة الشركات السياحية الآن تتضمن العديد من البرامج التراثية والتي تزيد من عدد السياح بشكل واضح.

فقد أصبحت الفنون الشعبية وبكل أشكال عرضها وألوانها محط الاهتمام مثل فرق فنون الرقص الشعبي ومهرجانات الآلات الموسيقية ومعارض الكتاب، ومراكز الحرف اليدوية التي أقامت في عدد من الدول المجاورة معارض للحرف اليدوية وغيرها.

لذاك ازدادت الجهود من أجل تقديم المزيد من الخدمات السياحية مثل برامج الصوت والضوء، وتم إعداد الاسطوانات المدمجة التي تحفظ الكثير من تلك البرامج وغيرها، وهو ما يتيح للزائر فرصة الاحتفاظ ببعض من ثقافة المنطقة التي زارها، فالحفاظ على الآثار حفاظ على ذاكرة الأمة وتأكيد لشخصيتها فضلا عن كونها تجلب المزيد من عدد السائحين مع خطة دعائية ناجحة تتابع كل انجاز جديد.

وجه آخر للسياحة

أما وقد أصبحت السياحة صناعة بكل مستلزماتها وأدواتها وتوجهاتها، ثم من حيث عوائدها والنظرة الاقتصادية نحوها من حيث فكرة الإنشاء وإدارة المشاريع والتقييم النهائي فلا مناص من التعامل معها كمشروعات اقتصادية متجاورة ومتكاملة تعطي في النهاية الخدمة السياحية المرجوة. وهو ما يلزم معه النظر إلى ملامح السياحة المعاصرة، خصوصا ملامح النشاط السياحي العالمي مع الألفية الثالثة الجديدة وهي:

وفقاً لتلك الملامح التي وظفت كافة المنجزات العلمية التكنولوجية المعاصرة باتت السياحة قوة ضاغطة تسعى لتحقيق أكبر العوائد الاقتصادية دون النظر لكثير من الاعتبارات الأخرى. وهو ما جعل هيئة اليونسكو التابعة لمنظمة الأمم المتحدة تبحث عن البدائل للحفاظ على التراث المادي وغير المادي على مستوى العالم كله. وتم إنشاء «مجلس التراث العلمي» الذي يهدف إلى حماية التراث بكل أشكاله وفي أي مكان في العالم.

ففي مؤتمرها السنوي عام 2003 م في باريس أصدرت قرارها بالعمل على إعداد معاهدة منظمة وملزمة للدول بضرورة الحفاظ على التراث. وفي مؤتمر الدول الموقعة على معاهدة حماية التراث الثقافي غير المادي يونيو 2006 م في باريس بمشاركة 45 دولة اقترح المؤتمر الأتي:

1 ـ الحفاظ على التراث الإنساني العالمي بكل أشكاله.

2 ـ احترام تراث الفئات الاجتماعية المهمشة أو الصغيرة، باعتباره تراثا إنسانيا.

3 ـ العمل على رفع درجات الوعي والتثقيف نحو ثقافة حماية التراث.

4 ـ يتم ما سبق من توصيات في إطار من التعاون الدولي، ومساعدة الدول الكبرى للصغرى.

وبالفعل تم انتخاب 18 دولة وتشكل من مندوبيها مجلس متابع لحماية التراث لمتابعة التوصيات المختلفة التي تصدر عن الهيئات والمنظمات العالمية في هذا الخصوص.

التراث والسياحة

إن حماية التراث المادي واللامادي يشكل هدفا استراتيجيا يجب أن تعمل على تحقيقه كافة الهيئات والمؤسسات التي لها علاقة ما بالتراث، ليس فقط لأهمية التراث المحلي كجزء هام في تشكيل صورة التراث الإنساني فقط، بل لأنه يشكل الهوية وذاكرة اصحابها على مدار التاريخ الطويل للإنسان الإماراتي قبل وبعد أن عاش على جانبي الخور بدبي، وبقية إمارات الدولة.

لذا يلزم التنويه إلى بعض التوصيات المقترحة الواجبة لعل التنمية السياحية في ظل العولمة لا تؤثر على التراث بكافة أنواعه وصوره، وبعد قرار إنشاء هيئة دبي للتراث فلدينا بعض التوصيات وهي:

ـ إنشاء مجلس أعلى اتحادي للحفاظ على التراث وتنمية السياحة يتضمن عناصر قيادية من المجالس والمؤسسات الثقافية والسياحية المتعددة.

ـ توحيد المراكز البحثية العلمية ذات العلاقة بالتراث.

ـ تنشيط مراكز الوعي والتوعية للحفاظ على التراث والتعاون مع الهيئات والمؤسسات العالمية التي ترعى جانب الحفاظ على التراث.

ـ أن يكون التراث أحد المواد الدراسية لأهميته التربوية وتنمية الانتماء.

ـ إنشاء تخصص شرطي متميز يتبع الهيئة الرئيسية المسؤولية عن التراث.

ـ تشجيع إنشاء الجمعيات الأهلية والجهود المدنية المتعلقة بموضوع التراث.

ـ إنشاء هيئات خاصة بالمدن العتيقة أو الأثرية مثل قرية حتا للمحافظة على التراث والتنمية السياحية.

ـ توظيف الانترنت وإنشاء المواقع المتعلقة بقضية التراث والسياحة من أجل التنبيه إلى ما يهدد الآثار والترويج لها عالميا، وهو ما يعطي دفعة إلى النشاط السياحي.

وفي الختام ليكن الشعار الذي يجب أن يتبناه كل العاملين في قطاعي التراث والسياحة: «التراث هو صورة الحضارة، وجذر الهوية، ونبع من منابع السياحة».

بقلم: د. إحسان الرباعي