يعاني الطالب الكفيف كثيراً في الحصول على المعلومات واستذكار الدروس. ومن التطورات التي لها أثر إيجابي على تغيير مسار حياة هذه الفئة، دمجهم في المدارس العامة، مما يساعدهم على الاعتماد على أنفسهم كلياً وعدم انتظار المساعدة، لكن يجب مراعاة مرافق الأبنية التي تسهل حركتهم.
ومن أبرز المشكلات التي تواجه الطالب الكفيف بعد الدراسة إيجاد فرصة عمل خصوصاً أن جزءاً كبيراً منهم غير مؤهل ولا يمكن الاعتماد عليه لقلة الحيلة وصعوبة الحركة. لكن مع كل هذه المعوقات استطاع عدد كبير منهم تجاوز هذه الصعاب، لأن الكفيف اذا كان أعمى البصر فإنه ليس البصيرة. محمد حسن غريب مواطن يعمل في بلدية دبي بإدارة الصرف الصحي، يعاني من إعاقة بصرية صنعت تفوقه، فعلمته حفظ الأرقام واستعمالها دون أخطاء، فهو يتمتع بذاكرة قوية وقدرة فائقة على وصف الشوارع والمناطق. ورث محمد إعاقته من والده الذي كان يعاني من العشاء الليلي في شبكية العين.
ترك المدرسة بسبب المرض
درس محمد في مدراس حكومية بدبي، وواجه صعوبات عدة بعد إنهائه الصف الثالث، لأن نظره كان يضعف ويصبح أسوأ كلما تقدم في العمر، ولم تكن إدارة المدرسة تقدر ذلك، لكن بفضل بعض المعلمين الذين تعاطفوا مع حالته وتفهموا وضعه الصحي استطاع أن يكمل دراسته حتى الثاني الإعدادي، وبسبب زيادة الضغوط عليه وعدم تفهم بعض المدرسين لوضعه، بالإضافة لتلقيه تعليقات وانتقادات جارحة من الطلاب، فضل أن يترك الدراسة.
لم يكن ذلك السبب الوحيد لهجره الدراسة فقد عزز من ذلك حبه الجارف لممارسة الرياضة في المدرسة والذي كان يعرضه للإصابة وبالتالي يأتي ممرض المدرسة لعلاجه ويسمعه كلاماً جارحاً أمام زملائه في الفصل مثل «أنت أعمى وما بتشوف وفتح وغير ذلك من الكلام القاسي».
بعد هذا القرار بقي محمد في المنزل سنتين، ولكن بفضل إعلان تلفزيوني عن مركز رعاية وتأهيل المعاقين في جميرا وبعض الأصدقاء، تراجع عن قراره وخرج من عتمته الاختيارية ليعود ويمارس حياته بشكل طبيعي، فأكمل دراسته الثانوية وحصل على الشهادة عن طريق المركز، وبالإضافة إلى الدراسة كان المركز يؤهل المعاقين ويعلمهم مهناً عدة منها، الزراعة والطباعة والتعامل مع البدالة.
التعلم من أجل الوظيفة
كان هدف محمد من الدارسة الحصول على وظيفة، لذا اختار عمل البدالة وركز على كل تفاصيلها وألم بها جميعها، خصوصاً أنه يتمتع بذاكرة قوية تؤهله لحفظ أكبر عدد من الأرقام منذ الوهلة الأولى لسماعها، وهذا ما يعتبره محمد ميزة من الله ليعوضه عن فقدان البصر، وبالفعل نال خلال سنة واحدة شهادة تدل على كفاءته وتفوقه في هذا المجال، فأمن له المركز فرصة عمل في بلدية دبي، وعمل موظف استعلامات بإدارة الصرف الصحي في منطقة العوير وهو هناك منذ 15 عاماً.
في البداية واجه محمد بعض الصعوبات في تحويل المكالمات الداخلية، لأنه لم يكن يعلم أرقام التحويلات، بسبب عدم قدرته على رؤيتها لأن الأرقام تظهر صغيرة الحجم، فوفر له مدير الإدارة في ذلك الوقت خالد خوري مكبراً لتتضح الأرقام ويساعده على قراءتها.
تصميم وإرادة
لم ينس محمد خلال هذه الفترة تعلقه بالرياضة، فكان أحد لاعبي نادي عجمان، وعضواً في جمعية الشارقة لرعاية المكفوفين، وكان يوجد فريق رياضي في الجمعية وشعر بانتمائه إلى هذه الفئة أكثر، فانتقل من نادي عجمان إلى الجمعية، وبدأ بالتدرب على يد متخصصين أسوياء.
وركز على ألعاب القوى مثل الجري والوثب وكرة الجرس وهي عبارة عن كرة فيها أجرس ويلعبها ثلاثة لاعبين معتصمو العينين، لأن درجات النظر عند الكفيفين متفاوتة فمنهم غير المبصر تماماً وضعيف البصر ومنهم بين هاتين الحالتين، ويكونون جميعهم في المرمى البالغ عرضه تسعة أمتار وفي حالة الهجوم يجرون جميعهم خلف صوت الكرة.
كان محمد من أمهر لاعبي الفريق، لذا شارك في بطولات محلية وعربية وحصل على ميداليات عدة في الأردن والسعودية، وهو الآن كابتن المنتخب الإماراتي للمكفوفين ويشارك في كل المخيمات الخاصة بالمكفوفين.
البحث عن النصف الآخر
بعد استقرار محمد في عمله وتغلبه على الصعوبات واعتماده على نفسه، شعر أنه بحاجة لتكوين أسرة، فرغب في الزواج فاستعان بأحد الأصدقاء ليدله على فتاة تقدر وضعه الصحي، هي وأهلها، خصوصاً أن تقبل المجتمع لذوي الاحتياجات الخاصة بذلك الوقت كان سيئاً والذي كان يقلل من نسبة القبول عند محمد هو خوف الأهل على بناتهم من إصابة أبنائهن بإعاقات.
حيث إن مشكلته وراثية، ورغم ذلك في محاولته الأولى لطلب إحدى الفتيات للزواج كان صريحاً منذ البداية مع الفتاة وأهلها، وبسبب سمعته الحسنة لم يقابل محمد بالرفض، وهو الآن أب لأربعة أطفال أكبرهم يبلغ من العمر عشر سنوات وأصغرهم يبلغ سنتين.
أنعم الله على محمد بزوجة صالحة، تفهمت وضعه الصحي بشكل كامل، فهي تساعده عند الخروج من المنزل وتمسك بيده في الأسواق وتصف له الطرق أثناء المشي، ولذلك لم تحصل بينهم مشكلات تتعلق بوضعه الصحي.
أما أطفاله فكانوا يرون والدهم دائماً بحاجة للمساعدة وبرفقة أحد المعينين، لكن دون أن يعوا تماماً حالته الصحية، ففي بعض الأحيان كانوا عندما يعودون من مدارسهم يجلسون بجانبه ويطلبون منه مشاركتهم رؤية الصور أو القراءة، لكن عندما اعتادوا على رؤية والدتهم تساعده في المشي، علموا عدم قدرة والدهم على الإبصار. واستطاع محمد التوفيق بين بيته وعمله ونشاطاته الرياضية، فهو يتدرب ثلاث مرات أسبوعياً وفي أثناء البطولات يكثف جرعات التدريب.
الإرادة تصنع المعجزات
لم يتوقف طموح محمد عند تحقيق هدفه وإيجاد العمل، بل سعى ليطور نفسه، فتعلم الانجليزية والكمبيوتر والانترنت مستعيناً ببرنامج المبصر الذي يسهل عليه ويرشده إلى كيفية الاستخدام الصحيحة ودخول المواقع عن طريق نطق الخطوات، ويقرأ محمد الصحف اليومية عبر الانترنت، ويدخل إلى مواقع إسلامية ويحاول العبور إلى مواقع غير عربية.
ويتابع نشرة أخبار «بي بي سي» ليقوي لغته الانجليزية، كما أن استخدام النقال في السابق كان يسبب له حرجاً، بحيث كان يضطر إلى أن يسأل كل من حوله من هو المتصل ويطلب منهم قراءة الرسائل، أما مع وجود البرنامج الناطق فقد أصبح استخدامه أفضل وينقذه من الحرج.
شكر وتقدير
كان ثمرة هذا الجهد والكفاح والعمل مدة 15 عاماً هو حصوله على جائزة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي للأداء الوظيفي المتميز عن فئة الجندي المجهول ويقول محمد عن الجائزة: طلبت مني الإدارة كل الشهادات الحاصل عليها لترشيحي للجائزة.
وعندما تم اختياري تلقيت الخبر عن طريق المكتب التنفيذي للجائزة فشعرت بسعادة غامرة وفخر شديد، وأحسست بقيمتي في المجتمع وتخلصي من عجزي ومساواتي مع جميع الأفراد الأسوياء، كما أن التكريم من صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد أكبر تقدير لي وإنجاز اعتز به.
دبي ـ سمانا النصيرات

