ـ قال تعالى « إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآَتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ» القصص: 76.

ـ فتح الله عليه أبواب النعم، وسبل الرزق، وطرق الكسب، فعظمت أمواله، وكثرت كنوزه، وفاضت خزائنه وأوتي بسطه في الرزق، ورخاء في العيش، وكثرة في المال، فعاش في ترف وبذخ وكبر وبطر، وفخر وخيلاء.

ـ طغى وتجبر، فسق وتمرد، تطاول وتمادى، زاد نهمه وكثر خدمه، وعظم حشمه، حتى ظن أن لن يقدر عليه أحد.

ـ عميت بصيرته، وعظم زهوه، وزاد غروره، واغتر به كثير من الناس، فمن هو هذا الغني؟ ومن يكون ذلك الثري؟ وما قصته وكيف كانت نهايته؟

ـ إنه قارون، وحدد القرآن أنه من قوم موسى ويقال انه ابن عم موسى عليه السلام، وقرر القرآن الكريم مسلكه مع قومه فهو مسلك البغي وسببه الثراء وكثرة الأموال.

ـ فقارون موجود في زمن موسى ومع ذلك لم يستفد من وجود ذلك النبي ولم يتعظ بمواعظه وقرابته لموسى وصلته به لم تغن عنه شيئاً من عذاب الله.

ـ إن الله لم يحدد نوع البغي الذي اتصف به «فبغى عليهم» وهي إشارة إلى شناعته وعظمته، بغى عليهم بمنعهم حقوقهم في هذا المال، بغى عليهم بالظلم، ويتحدث القرآن: آتيناه وهو من عند الله والمال منه أيضاً وليس بمهارة قارون ولا بعلمه ولا بأفضليته فالأرزاق بيد الله وهو الذي يقسم الأرزاق بين العباد وليس في إعطائه للعبد دلالة على رضاه عنه وليس في منعه عن العبد دلالة على سخطه.

ـ يقال إن مفاتيح خزائن قارون إذا انتقل من مكان إلى مكان كانت تحمل على ستين بغلاً أغر محجلاً.

ـ وأهل الصلاح في زمان نصحوا وأرشدوا وقالوا «لن يغريك المال ولا يغريك الثراء حتى يحول بينك وبين الإحسان إلى قومك والمراقبة لربك، والأخذ من الدنيا بنصيب ومن الآخرة بنصيب فإن لله حقاً وللناس حقا وللنفس حقا وللزوجة حقا فيجب أن تعطي لكل ذي حق حقه.

ـ إجابة بجملة واحدة ولكنها تحمل شتى معاني الفساد والإفساد، جملة تحمل في طياتها الكبر والبغي والطغيان قال «إنما أوتيته على علم عندي».

ـ تأمل معي.. يأتي له المصرع الوخيم والانتقام العظيم «فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ» القصص: 81

ـ هكذا كانت النهاية بعد أن عظمت الفتنة واشتدت المحنة. هذه نتيجة الكبر والبطر والغرور والخيلاء والجحود والإصرار، وبعد هذه النهاية الخاسرة أصبح الذين تمنوا مكان قارون يحمدون الله أن من عليهم ونجاهم من الخسف ثم يؤكد الحق جل وعلا أن الفوز والفلاح في الدار الآخرة وأن الله تعالى يجعل جناتها ونعيمها وأنسها وسرورها وأنهارها وحورها لأهل الإيمان والتواضع والتقوى والإحسان والبعد عن الفساد قال سبحانه « تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ» القصص: 83.

ـ إذن مقياس السعادة والسرور في الدنيا والآخرة هو بطاعة الله والإحسان إلى عباده والعاقبة للمتقين والفوز للصالحين.

د. عثمان الغزالي