الإسلام لم يكتف بتحذير المسلم من أن يؤذي الأفراد والجماعات باليد واللسان ونهيه عن الحقد والحسد وبأن يكف شره عن الآخرين ولكنه أمره كذلك بأن يقدم الإحسان إلى الأفراد والجماعات بقدر استطاعته وبقدر ما أنعم الله عليه من مال أو جاه أو علم، يقول تعالى: ( إن الله يأمر بالعدل والإحسان ).

ويقول سبحانه: (وأحسن كما أحسن الله إليك). وصور الإنسان كثيرة فقد يكون الإحسان في صورة مساعدات مادية كإعطاء شخص مالاً، أو سكنى أو منحه أرضا، إذا كان ذلك الشخص في حاجة إلى مثل ذلك كالفقير واليتيم والأرملة. وقد يكون الإحسان إلى شخص في صورة مساعدات معنوية كأن تتوسط عند مسؤول في أمر يعود عليه بالمصلحة والفائدة.

وقد يكون الإحسان بإنقاذ شخص من مصيبة ألمت به أو من ظالم يهدده ويهضمه حقوقه أو يكسر معنوياته. سواء لجأ إليك ذلك الشخص أم يلجأ، فإن لجأ إليك بعد تلك المحنة أو تلك المصيبة تحتم عليك مساعدته والوقوف إلى جانبه وإنقاذه من تلك المحنة التي تهدده أو من ذلك الظالم الذي يتربص به.

وهذه هي المروءة التي يجب أن يتحلى بها الإنسان المسلم. فالمروءة لا تفارق صاحبها أبداً ففي أي وقت تجدها معه وملازمة إياه قال - عليه الصلاة والسلام: «الناس معادن خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام». وقد يكون الإحسان بالقول الحسن والخلق الحسن بالبشاشة في وجه الإنسان ومقابلته المقابلة الحسنة وإكرامه وإنزاله المنزلة اللائقة به.

يقول عليه الصلاة والسلام: «لا تحقرن شيئاً من المعروف، ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق ». وأهم من ذلك كله أن تعلم من في حاجة إلى تعليم العلوم النافعة التي تعود عليه بالخير وأن ترشده إلى الصواب إذا ما ضل الطريق أو أخطأ الهدف. فالإحسان الذي ينشده الإسلام لا يقف عند حد معين ولا يقف على شخص بعينه وليس خاصاً بمكان دون مكان ولا زمان دون زمان فأي منفعة تعود على الآخرين فهي إحسان.

والإحسان الذي يأمر به الإسلام ويعترف به هو ما قصد به وجه الله وحده وإلا حبط عمل الإنسان وانقلب عليه زوراً. يقول الله تعالى: « إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكوراً». فبذلك تتجلى حكمة الإسلام وتظهر بوضوح في أن الفرد والجماعة في المجتمع الإسلامي مطالبون بصنع المعروف الذي يحتمه عليهم الإيمان.

فالهدف الوحيد الذي يدفع فاعل المعروف إلى فعل الخير هو ما عند الله من ثواب وجزاء. وفائدة الإحسان لا ترجع إلى من أحسن إليه فحسب بل ترجع إلى فاعل الإحسان نفسه فمكسبه رضا الله تعالى ومحبة الناس له. فكما تدين تدان فإذا لم تكن في حاجة إلى الإحسان في هذا الوقت بالذات فإنك ستكون في حاجة إليه في يوم من الأيام.

فتصريف الأيام بيد الله وحده فكم من غني افتقر بعد غنى وكم من فقير اغتنى بعد فقر وكم من عزيز ذل بعد عز وكم من ذليل عز بعد ذل. واقتضت حكمة المولى - جلت قدرته وسمت كلمته - أن جعل الإنسان مهما كان شأنه ومهما كانت منزلته لا يستغني عن الآخرين فهو خادم لهم دون أن يشعر بتلك الخدمة وهذا يدل على نقصان الإنسان مهما علت منزلته وارتفع مكانه.

رجاء علي