عاش في الحي إنساناً بسيطاً فقد مات والده وهو صغير ولم يترك له سوى شقة متواضعة يتقاسمها مع والدته التي تعمل ممرضة في إحدى العيادات الخاصة. عملت الأم كثيراً حتى توفر له مصاريف المدرسة ثم مصاريف الجامعة.

فرحة التخرج

عندما تخرج (م) من الجامعة كان يوماً مشهوداً بالنسبة إلى والدته فقد رأت بأنها حققت حلمها الذي طالما راودها عشرات السنين.

بدأ (م) يبحث عن عمل وأخيراً وجد وظيفة محاسب في إحدى الشركات وأصبح لديه مرتب شهري ثابت مثله مثل غيره من الناس، أحس بسعادة كبيرة وهنا قرر أن يطلب من والدته أن تذهب لأداء فريضة الحج إلا أن الوالدة رفضت ذلك معللة بأنها تريده أن يتزوج أولاً وبعدها تذهب إلى الحج وهي مطمئنة النفس.

حاول (م) أن يبعد هذه الفكرة من رأس والدته إلا أنها رفضت كل محاولاته وأخيراً وافق على طلبها بشرط أن تخطب له (ك)، وما كادت الأم تسمع باسم (ك) حتى كادت تقع مغشياً عليها فهذه ابنة رجل مهم وعائلتها معروفة جداً ولا يمكن أن تقبل بابنها زوجاً لها.

إلا أن (م) بقي مصراً على رأيه قائلاً لأمه إن عليها أن تذهب معه إلى خطبتها فإن وافقوا كان خيراً وإن رفضوا فلا بأس.

ذهبت الأم مع ابنها وهي تتوجس شراً حتى أنها كانت متأكدة بأن أهل الفتاة سيطردونها من البيت هي وابنها لمجرد أنهم سيعرفون سبب الزيارة.

مرت الدقائق ثقيلة على الأم وابنها وهما يجلسان في الصالون الواسع رغم أن الخادمة كانت تحضر لهما بين الفينة والفينة العصائر والمشروبات الغازية و«الكيك» وغير ذلك.

وأخيراً جاء والدا (ك)، وعندما عرفا سبب الزيارة لم يعارضا ولكن طلبا مهملة لاستشارة (ك) وأخيراً جاءت الموافقة وقبلت (ك) أن تتزوج هذا الشاب البسيط وسط فرحة لا تصدق من والدته.

ليلة الدخلة

تمت إجراءات الزواج بسرعة، حيث لم تطلب العروس ولا أهلها شيئاً من العريس، بل إنهم هم من قام بشراء كل التجهيزات قائلين إن ما يهمهم هو أنهم «اشتروا رجلاً» أما هذه الأشياء الأخرى فلا قيمة لها.

في ليلة الدخلة اكتشف (م) بأن زوجته ليست بكراً، من هنا عرف سبب موافقتهم على زواجه منها وسبب تقديم كل هذه الخدمات له، حاول (م) تأنيبها على خداعه لكنها بكت وطلبت منه ألا يفضحها، قائلة له ان أهلها لم يطلبوا منه مؤخر الصداق وأن بإمكانه أن يبقيها زوجته لأشهر عدة ثم يطلقها، وأضافت بأنها على استعداد لأن تدفع له أي مبلغ يريد.

وأضافت والدموع تملأ عينيها بأن شاباً اعتدى عيها ولم تتمكن من الدفاع عن نفسها، وقالت بصوت هامس أنا على استعداد لأن أكون خادمتك خلال الأشهر التي سأقضيها معك، وبعدها طلقني متى شئت.

وجد (م) نفسه في ورطة، فهو لا يريد لها الفضيحة، وفي الوقت ذاته لا يريد أن يستمر معها، وأخيراً وافق على أن تبقى زوجته صورياً لأشهر عدة، ثم يقوم بتطليقها ويذهب كل واحد إلى حال سبيله.

بدأ (م) ينام في غرفة خاصة به، لكن (ك) بدأت هي الأخرى ترمي بشباكها عليه، فقد حاولت استمالته أكثر من مرة مستغلة كل ما لديها من فنون وفتنة الأنثى، وأخيراً وافق (م) على أن تبقى (ك) زوجته وأن يبقى سرها محفوظاً في صدره إلى الأبد، لكن طلبات (ك) بدأت تزيد بعد أن تمكنت من (م) وعرفت بأنها أصبحت هي سيدة الموقف، فقد بدأت تطلب منه أن تعيش في المستوى ذاته الذي كانت تعيشه في بيت والدها، كيف لا وهي بنت فلان.. ومن الأسرة الفلانية.

حاول (م) أن يوفر لزوجته طلباتها إلا أنه لم يتمكن من ذلك، فقد كان مرتبه لا يتماشى مع كل ما تريد، لذا بدأت تطلب من زوجها أن يترك الشركة التي يعمل فيها وأن يحاول البحث عن عمل في إحدى الدول العربية، بدأ (م) اتصالاته ببعض الأصدقاء والمعارف وأخيراً حصل على ما يريد وجاءه عقد عمل في إحدى الشركات في دولة عربية.

ترك (م) بلاده وزوجته وجاء حاملاً معه آماله وطموحات زوجته، وبدأ يجد ويجتهد ويسعى جاهداً من أجل توفير أكبر مبلغ من المال ليعود إلى زوجته وأمه ويشتري شقة تجمعهما الثلاثة معاً. كان (م) مقصراً على نفسه لأنه كان يريد أن يعود إلى زوجته وأمه حاملا معه مبلغاً جيداً. في أحد الأيام أخبر زوجته بأنه يريد أن يعود إلى بلاده ليراها ويرى أمه فأخبرته، بأنه لا داعي لذلك وأن المبلغ الذي سيدفعه ثمناً لتذكرة السفر يمكن الاستفادة منه في زيادة المبلغ لشراء الشقة. وافق (م) على ذلك مرغماً، وفعلاً قام بتحويل مبلغ كبير من المال إلى زوجته، طالباً منها أن تشتري الشقة.

عندما تسلمت الزوجة المال أخبرت صديقها القديم (و) والذي تعيش معه كالفاكهة المحرمة بعد غياب زوجها وطلبت منه أن يبحث لها عن شقة، بدأ (و) يبحث هنا وهناك وأخيراً وجد شقة في عمارة تحت الإنشاء، ذهبت (ك) لتعاين الشقة فوجدتها كما تتمنى، لذا دفعت المبلغ الذي كان معها على أن تكمل الباقي مع تسلم المفتاح، قام وكيل البناية بتحرير عقد بيع وشراء باسم (ك) التي كادت تطير من الفرح لامتلاكها الشقة التي تحلم بها.

بعثت (ك) صورة عن عقد الشقة إلى زوجها وطلبت منه أن يبقى عاماً آخر على الأقل في عمله حتى يتم تسديد أقساط الشقة كلها ورغم أن الزوج غضب لأن عقد الشقة لم يكن باسمه إلا أنه قال في نفسه أنا وهي شخص واحد ولا فرق في ذلك.

عام مضى

انقضى العام سريعاً واتصل (م) بزوجته يخبرها بأنه سيعود قريبا لكنها قالت له بأنها لم تتسلم الشقة بعد فهي تحتاج إلى تشطيب وطلبت منه أن يتريث سنة أخرى واقترحت عليه أن تأتي هي لزيارته.

وجد (م) أن ذلك حلا معقولا فهو لا يريد أن يستقيل ويعود إلى بلاده قبل أن يمتلك مفاتيح الشقة لذا قام بإجراءات استقدام زوجته، وخلال أقل من أسبوعين كانت زوجته معه تتجول في المحلات التجارية ولأن الرجل كان يعيش مع بعض الأصدقاء عندما جاءت زوجته استأجر شقة مفروشة لها. في هذه الأثناء كانت (ك) وصديقها يخططان للتخلص من الزوج وبعد فترة يتزوجان في ذات الشقة التي اشتراها بماله وتعبه لذا في الوقت الذي جاءت فيه (ك) تبعها صديقها بعد حصوله على إذن دخول من أحد الفنادق.

كانت (ك) تلتقي بصديقها كل يوم بعد خروج زوجها إلى العمل وأخيراً وضعا خطة للتخلص من الزوج تتلخص في أن تطلب (ك) من زوجها أن يأخذها إلى الصحراء لتراها بالليل وهناك يقوم صديقها بقتل زوجها، لكن بعد أن درسا جميع الاحتمالات وجدا بأن ذلك سيكون صعباً من حيث الانتقال. لذا قررا قتله في الشقة.

كانت الخطة تقضي بأن تبقى (ك) مستيقظة أمام التلفزيون وعندما ينام زوجها تتصل بصديقها فيأتي ويقضيان عليه وفعلا بعد أن تأكدت (ك) من نوم زوجها اتصلت بصديقها الذي قام بمساعدة (ك) بخنق الزوج، وبعد أن تأكدا بأن الرجل مات وضعاه في حقيبة كبيرة وأخذاه في سيارة كان (و) قد استأجرها لهذا الغرض وذهبا به بعيدا وألقياه في الصحراء ثم عاد كل إلى مكان سكنه.

عندما عادت (ك) بدأت تفكر بأن الشقة التي تسعى إلى امتلاكها منذ وقت طويل قد تكون خطراً عليها أو أن تبدأ والدة زوجها المطالبة بحقها في الشقة باعتبار أن ابنها هو الذي دفع ثمنها حتى ولو كانت باسم (ك) لذا طلبت (ك) من والدها بيع الشقة بأسرع وقت ممكن ووضع ثمنها في حسابه بدلاً من حسابها وذلك كي لا تستفيد والدة (م) من أي شيء.

إلا أن المفاجأة كانت أكبر من أن تتحملها أعصاب (ك) عندما أخبرها والدها بأن العقد الذي معها مزور وأنه عندما ذهب إلى العمارة المذكورة في العقد وجدها مكتملة وقد سكنها أصحابها.

جن جنون (ك) وبدأت تشك بأن صديقها (و) قد يكون خدعها، لذا اتصلت به وطلبت منه الحضور فوراً. حاول (و) أن يقنعها بأن ذلك في غير صالحها إلا أنها كانت تريد أن يحضر بأي شكل.

عندما حضر (و) أخبرته بما قاله لها والدها فما كان منه إلا أن قال لها ان أمراً خطأ قد وقع وأنه سيتصرف بسرعة ليعرف ماذا يجري. أحست (ك) بأن (و) يكذب عليها وأنه كان يخدعها طوال هذه المدة، وأن حبها له كان كذبة كبيرة وأنه ما كان يحبها إلا لمالها وجسدها.

بعد أن ترك (و) شقة (ك) ذهب إلى الفندق الذي ينزل فيه وما كاد يفتح باب الغرفة حتى اندفع إلى حقيبة ملابسه وبدأ يحضرها استعداداً للسفر، في هذه الأثناء جاءت (ك) إلى الفندق حيث وجدت (و) يستعد للسفر، هنا تأكدت بأنها كانت ضحية لإنسان عفن.

عندما شاهد (و) صديقته تقف على باب غرفته أصيب برعشة لكنه دعاها للدخول وقال لها انه سيصلح أمر الشقة لأنه متأكد بأن هناك خطأ ما، هنا سألته عن سبب استعداده للسفر دون أن يخبرها، فقال انه كان سيخبرها.

ضحكت (ك) باستهزاء وهي تقول له: تريد أن تذهب وتتركني في هذه الغربة مع المصيبة التي أوقعتني فيها ثم طلبت منه فنجاناً من القهوة أمسك (و) بالهاتف ليطلب قهوة وبينما هو يتحدث إلى موظف الاستقبال في الفندق كانت (ك) قد أخرجت سكيناً كبيراً وطعنته في ظهره. صرخ (و) من الألم ووقعت السماعة من يده ولكنها عاجلته بطعنة ثانية عندما استدار إليها كانت الطعنة الثانية أشد قوة من الأولى فبدأت الدماء تنزف منه لكنه هجم على (ك) يريد قتلها فراحت تصرخ واندفعت نحو الباب تريد الهروب لكن (و) ضربها بذات السكين التي وقعت من يدها، كانت الضربة قوية حيث انغرست السكين بين كتفيها، في هذه الأثناء جاء موظفو الفندق الذين سمعوا الصراخ عبر الهاتف الذي بقي مفتوحاً وتم استدعاء الشرطة وسيارة إسعاف حيث حمل (و) و(ك) إلى المستشفى بين الحياة والموت.

استمر الاثنان في العناية المركزة لأكثر من أسبوعين وأخيراً تم السماح لرجال الشرطة باستجوابهما حيث اعترف كل واحد منهما بجريمته ضد الزوج المخدوع.

الاعتراف

قالت (ك) انها كانت تحب (و) ولأنه غير متعلم ومن دون وظيفة رفضه والدها لذا أرادت أن تضع أهلها أمام الأمر الواقع حيث سلمته نفسها، ومع ذلك رفض والدها تزويجها له.

وأضافت أنها استمرت على علاقتها به حتى بعد الزواج وكانت تتصور أنه يحبها كما تحبه لكنها اكتشفت متأخرة بأنها كانت مخطئة وأنه كان يريد مالها وجسدها فقط، كما قالت ان (و) قتل زوجها وأن الجريمة تمت بتحريض منه.

أما (و) فقد اعترف بعلاقته الآثمة مع (ك) وقال انها كانت تطارده في كل مكان وحول جريمة القتل قال انه فعل ذلك تحت إصرار ورغبة (ك).

وحول الشقة اعترف (و) بأنه طلب من صديق له أن يعمل وكيلاً لعمارة تحت الإنشاء ويحرر لـ (ك) عقداً مزوراً مقابل ثلاثة آلاف دولار وأنه أخذ الأموال التي أعطته إياها (ك) واشترى بها شقة في مكان آخر لنفسه.

ثم أخذ (ك) و(و) في سيارة الشرطة ليرشدا على مكان الجثة وبعد جهد كبير استطاعا أن يحددا الجهة التي ألقياها فيها. تم إبلاغ سفارة القتيل بالحادث فطلبت بدورها تسلم المجرمين ومحاكمتهما في بلدهما، حيث أن هناك اتفاقية بين البلدين لتبادل المجرمين.

في صباح أحد الأيام حملت الطائرة الثلاثة: المجرمين (ك) و(و) وجثة الزوج المخدوع الذي مات نتيجة لطيبته وتسامحه وإلى حد كبير لضعف شخصيته.

عندما وصل جثمان الرجل إلى وجهته طلبوا من والدته أن تتسلمه لكنها رفضت، وقالت لهم: أريد ابني .. قالوا لها هذا هو ابنك، فقالت لهم أنتم مجانين، أحسوا بأنها في وضع نفسي غير طبيعي خاصة وأنها بدأت تضحك وتزيل غطاء شعرها عن رأسها، تقدم ضابط منها وأخذها إلى مكتبه ثم اتصل بالوحدة الطبية التي حضرت على الفور وأعطوها حقنة مهدئة نامت على إثرها ثم نقلت إلى أحد المستشفيات الخاصة بالأمراض النفسية حيث لا تزال فيه حتى الآن.

إعداد: أحمد سلطان