قدم باحث مصري معالجة دراسية لمفهوم الحزن وأهم معانيه ووسائل التعبير عنه في التصوير القرآني كما عرض لأسبابه التي عرضها من لوعة الفراق والخوف والحسرة والندم والغضب والغيظ والكرب الشديد وعذاب الآخرة بهدف خدمة الباحثين في مجال الدين والأدب والبلاغة لما للتصوير القرآني من سمات فنية خاصة يعجز أمامها البلغاء والأدباء.

ويشير د. سري الشريف أستاذ البلاغة والنقد بكلية التربية جامعة أسيوط إلى أن الإعجاز القرآني نبع لا ينضب على مر السنين، وقال إن الحزن جاء في القرآن الكريم بمدلولات متنوعة منها الحزن بمعنى الأسى والأسف والهم، كقوله تعالي «كي لا تأسوا على ما فاتكم» سورة الحديد (23)، «فرجع موسي إلى قومه غضبان أسفا» سورة طه (86)، «وطائفة أهمتهم أنفسهم» سورة آل عمران (154).

والتي جاء التعبير عنها بوسائل متعددة بالبكاء وانهمار الدموع تارة كقوله تعالي «وجاءوا أباهم عشاءً يبكون» يوسف (16) «وتولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزناً ألا يجدوا ما ينفقون» التوبة (92) وتارة أخرى بكآبة الوجه وعبوسه كقوله «عبس وتولي» عبس (11).

وكذلك الانفراد بالنفس والبعد عن الآخرين كقوله تعالى «وتولى عنهم وقال يا أسفى على يوسف» يوسف (84)، وأما عن مسببات الحزن في التصوير القرآني فمنها الحزن الناتج عن لوعة الفراق كقوله «قال إنه ليحزنني أن تذهبوا به وأخاف أن يأكله الذئب وأنتم عنه غافلون» يوسف (13) وهناك الحزن المسبب عن الخوف.

حيث يذكر الباحث بعض النماذج له مثل حزن أبي بكر الصديق الناتج من خوفه على الرسول وهما في الغار أثناء الهجرة وفي هذا يقول رب العزة «إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها» التوبة (140)، وكذلك الحزن المسبب عن الحسرة والندم مثل حسرة البخيل والمسرف في قوله تعالي «ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوماً محسوراً» الإسراء (29).

وهناك أيضاً الحزن المسبب عن الغضب الواضح على وجه المحزون في قوله تعالى: «وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسوداً وهو كظيم» النحل (58) وكما صور موسى عليه السلام في قوله «ولما رجع موسى إلى قومه غضبان أسفا» الأعراف (15)، وفي قوله «قال بئسما خلفتموني من بعدي أعجلتم أمر ربكم وألقى الألواح وأخذ برأس أخيه يجره إليه» الأعراف (15).

وحق لموسى أن يغضب فالمفاجأة قاسية، وحول التصوير القرآني للحزن المسبب عن الغيظ يقدم لنا الباحث بعض النماذج منها قوله تعالي «يوم يعض الظالم علي يديه يقول ياليتني اتخذت مع الرسول سبيلاً» الفرقان 27، فصورة الظالم هنا تظهر في ثوب الندم الشديد على ما فاته.

وهناك أمثلة كثيرة حول الحزن المسبب عن الكرب الشديد، والقرآن الكريم يصور الكرب مقرونا بلفظين بليغين هما: «نجي» و«العظيم» كما جاء في قوله تعالي: «فاستجبنا له ونجيناه، وأهله من الكرب العظيم» الأنبياء76.

وتصويره لكرب سيدنا زكريا عليه السلام في قوله تعالى: «ذكر رحمة ربك عبده زكريا إذ نادى ربه نداء خفيا قال رب إني وهن العظم مني واشتعل الرأس شيباً ولم أكن بدعائك ربي شقياً وإني خفت الموالي من ورائي وكانت امرأتي عاقرا فهب لي من لدنك وليا يرثني ويرث من آل يعقوب واجعله ربي رضياً» مريم 7-2.

وفي بحثه الأخير ناقش التصوير القرآني للحزن المسبب عن عذاب الآخرة، فالمعذبون يوم القيامة يشعرون بالحزن والأسى والحسرة والندم حينما يرون العذاب في نار جهنم قال تعالي: «وأسرو الندامة لما رأوا العذاب وقضي بينهم بالقسط وهم لا يظلمون» يونس 54، وقوله «وأسروا الندامة لما رأوا العذاب وجعلنا الأغلال في أعناق الذين كفروا هل يجزون إلا ما كانوا يعملون» سبأ 33.

ولقد جاء التصوير القصصي للمعذبين مملوءا بالإثارة لما فيه من تسلسل الأحداث وتناسق المشاهد وكأنها شاخصة أمامنا ولنتأمل قوله تعالى: «ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا فهل وجدتهم ما وعد ربكم حقا قالوا نعم فأذن مؤذن أن لعنة الله علي الظالمين الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا وهم بالآخرة هم كافرون وبينهما حجاب.

وعلى الأعراف رجال يعرفون كلا بسيماهم ونادوا أصحاب الجنة أن سلام عليكم لم يدخلوها وهم يطمعون وإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النار قالوا ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين ونادى أصحاب الأعراف رجالا يعرفونهم بسيماهم قالوا، ما أغنى عنكم جمعكم وما كنتم تستكبرون أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمته ادخلوا الجنة ولا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أن أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله قالوا إن الله حرمهما على الكافرين» الأعراف 44 ـ50.

صورت هذه الآيات الكريمات حالتين متقابلتين الحالة الأولى تتمثل في تصوير حالة أهل الجنة وما ينعمون به من نعيم مقيم، والحالة الثانية تتمثل في تصوير حالة أهل النار وما يعانون فيها من عذاب أليم في النيران، وعلنا نحس من تصوير الحالتين بجمال المقابلة البديعية بين الحالتين التي تبرز المعنى وتوضحه ونحس بجمال هذا التصوير لما فيه من حيوية وحركة كما نحس بجمال الأسلوب القرآني وبلاغته في جذب الانتباه وتحريك الوجدان، وفي قوله نادى أصحاب الجنة أصحاب النار نجد بلاغة القرآن في لفظ نادى فهو فعل ماض جاء في زمن المستقبل ليفيد التحقق والتثبت، فالتعبير عن المستقبل بلفظ الماضي تنبيه على تحقق وقوعه.

ويختتم الباحث دراسته بالتأكيد على أن التصوير البلاغي للمعذبين جاء مملوءا بالفنون البلاغية، كما اتسم بجمال الأسلوب وبراعة التعبير، فنرى في قوله تعالى: «ويقول الكافر يا ليتني كنت ترابا» النبأ 40. أسلوب بليغ الدلالة على شدة الحزن والندم، وفي قوله تعالى: «يوم تبيض وجوه وتسود وجوه» آل عمران 106.

تعبير جميل فيه مقابلة بديعية بين إشارتين حسيتين فبياض الوجه إشارة حسية تعني الفرح والسرور، وفي المقابل سواد الوجه إشارة حسية تعني الحزن والأسى.

وفي قوله تعالى: «وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة ووجوه يومئذ باسرة تظن أن يفعل بها فاقرة» القيامة 25-22 تصوير بليغ لحالتي الفرح والحزن، نرى من خلاله التقديم والتأخير البلاغي المتمثل في قوله «إلى ربها ناظرة» بدلا من «ناظرة إلى ربها»، دلالة على قيمة النعيم الخاص برؤية الله عز وجل.

القاهرة ـ وكالة الصحافة العربية