سخر الله الجبار الريح على قوم عاد بعد ان استكبروا وقالوا من اشد منا قوة وازدادوا في الكفر بالرغم من ان سيدنا هود أوضح لهم ان الكفر بالله العزيز الصبور أمر لا يغفره الله تعالى وانه سيأتيهم عقاب شديد يقتلعهم من سطح الأرض ويطيح بهم في السماء ليكون عبرة لمن لم يعتبر وان هذا هو وعد الله لهم.

وبدأ الجفاف على سطح الأرض فالزرع مات والحيوانات نفقت وهلكت ولم يبق سوى قوم عاد وهرع القوم إلى سيدنا هود ليسألوه ما هذا الجفاف يا هود؟

وكانت اجابته محدده هذا غضب الله عليكم ولو آمنتم فسوف يرضى الله عنكم ويرسل إليكم المطر وسخر قوم عاد منه وزادوا في السخرية والعناد والكفر وزاد الجفاف وعم الفناء للنبات والحيوان ثم فجأة تغير الطقس فمن جفاف شديد إلى برد شديد وبدأت الريح تهز كل ما هو أمامها بل اقتلعت الأشجار الميتة من جذورها وأطاحت بقوم عاد ومزقت الريح القاتلة جلودهم وجعلتهم كالرميم اما سيدنا هود ومن آمن معه فكانوا قد تركوا المكان ورحلوا حيث أنجاهم الله من الهلاك بإيمانهم بالله الجبار وكان هذا هو التسخير الأول في قصة قوم عاد وسجلها القرآن الكريم في آياته البينات لتكون عبرة لمن يأتي بعدهم.

واليوم نرى صورة مصغرة في اعصار أند رو حيث بلغت سرعة الرياح 270 كيلومترا في الساعة وقامت هذه الريح الصغيرة البسيطة بقياس ريح قوم عاد بتدمير كل ما هو أمامها في مدينة ميامي وفلوريدا بالولايات المتحدة وخليج المكسيك حيث اقتلعت الأشجار وهدمت المنازل ودمرت وقتلت الآلاف وشردت ما يزيد على 5 ملايين من أهل تلك المناطق المنكوبة انها رمز صغير جدا لرؤية النهاية التي أخفاها الله عنا رحمة بنا فيجب ان نعلم ان للريح قوة جبارة لا تقل عن زلزلة الأرض بما في ذلك الانسان نفسه على رأس قائمة المهلكين.

فهل من متعظ بما جاء في علم اليقين وهو كتاب الله الكريم ان الناس مازالوا في غفلة والكفر يزداد يوما بعد يوم والأمر العجيب انه كلما زاد التقدم العلمي زاد معه كفر البشر مع انه المفروض ان يزدادوا ايمانا بالله العلي العظيم لان كل ما نعلمه من علوم هو فتح من الله العلي العليم.

وجاء التسخير الثاني حينما طلب سيدنا سليمان من الله مالك الملك أن يعطيه شيئا لم يسبق أن أعطاه لأحد من قبله فكان أن أعطاه الله الرياح تأتمر بأمر وهو ما أشارت إليه الآية 36 من صور ص «فسخرنا له الريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب» صدق الله العظيم.

وكذلك ما أشارت إليه الآية 81 من سورة الأنبياء «ولسليمان الريح عاصفة تجري بأمره إلى الأرض التي باركنا فيها وكنا بكل شيء عالمين»، صدق الله العظيم.

أما بعد هذا التسخير السابق ذكره فلم تسخر الرياح إنما جاء تصريف الرياح بين يدي رحمته إذ إن الله جل شأنه يعلم أن الإنسان بطبيعته ظالم ويستأثر بالخيرات لحب نفسه دون الآخرين من بين البشر لهذا جعل الله تصريف الرياح في يده ففي يد الله الرحمة ليتم توزيعها بالعدل المطلق على أهل كوكب الأرض وقد جاء تصريف الرياح في سورة البقرة الآية 164 «وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون». صدق الله العظيم.

وتجمع هذه الآية الكريمة بين آيتين لنتفكر ونتدبر الأمر بينهما فالسحاب يتكون من بخار الماء الناتج من تسخين المسطحات المائية ليصعد إلى أعلى حيث يتجمع في طبقة التروبوسفير وهي الطبقة الأولى من الغلاف الجوي والمعروفة في القرآن الكريم باسم «السماء ذات الرجع» ثم تصرف الرياح بمعرفة الرحمن الرحيم .

والذي بيده وحده أمر التصريف بأن تقوم الرياح الطيبة بنقل السحب المسخرة إلى مواقع الأرزاق فتسقط ماء المطر والطهور لترتوي جمع الخلائق من عالم الإنسان إلى عالم الحيوان إلى عالم النبات وإذا أرد الله المنتقم أن يعذب قوماً فإن الأمر يصدر للرياح بالصمت وعدم التحرك فتسقط الأمطار في البحار والمحيطات دون أن تصل إلى أحد ويموت البشر والحيوان والنبت وهذا ما هو أمامنا في الصومال وفي باكستان أنه التصحر والهلاك لجميع الخلائق.

ونرى مما تقدم أن السحاب دون الرياح لا قيمة له وأن الرياح دون السحاب لا قيمة لها أيضا وأمر تصريف الرياح بأمر من الله وحده لا شريك له وتحمل معنى تصريف أي اتجاه الرياح فإنها إذا كانت من البر إلى البحر فهنا تقع الكارثة إما إذا كانت من البحر إلى البر فهذا يعني وصول الخيرات بمشيئة الرحمن وحده لا شريك له في المشيئة.

نظرية الرياح

كل شيء خلقه الله تعالى له نظرية علمية قد لا يكتشفها الإنسان إلى قيام الساعة وقد يفتح الله عليه بالجد والاجتهاد لوضع النظريات الثابتة كما في قانون الجذب وقانون الطفو وقانون الغلاف الجوي أما قانون الطقس فقد فشل الإنسان في وضع قواعد ثابتة .

ولذلك تأتي التنبؤات في النشرة الجوية بالأمطار ويخيب الله رجاء العلماء لأن الله عز وجل هو مالك الملك فهو يصرف الرياح كيفما يشاء وانطلقت الأقمار الصناعية الخاصة بالأرصاد الجوية وعملت أجهزة الكمبيوتر في التحليل العلمي لما أرسلته الأقمار الصناعية وتكون النهاية هو الفشل في الوصول إلى نشرة جوية صادقة .

وذلك لأنهم نسوا أو تناسوا أن الله عز وجل هو الذي يصرف الرياح أي يقلبها في هبوبها سواء قبولاً أو دبورا سواء شمالاً أو جنوبا سواء شرقاً أو غرباً سواء حارة أو باردة سواء عاصفة أو لينة فالرياح تارة مبشرة بين يدي السحاب وطوراً تسوقه وآونة تجمعه ووقتاً تفرقه وأحياناً تصرفه ولا شك أن هذا التصريف للرياح بين يدي رحمة الله .

حيث تجري هذه الرياح بنظرية التباين في درجات حرارة الهواء فإذا سخن الهواء أو برد فإنه يتحرك باسم علمي هو الرياح ويوجد العديد من الأسباب التي تسبب الاختلاف في درجات حرارة الهواء فبعض أجزاء الكرة الأرضية تتلقى في حرارة الشمس أكثر مما تتلقى غيرها ولأن الأرض كروية ومنحنية لأن محورها يميل بمقدار 5, 23 درجة على مستوى المسار حول الشمس فإن أشعة الشمس تكون أقوى ما تكون عند خط الاستواء وأقلها عند القطبين والمعروف أن الهواء الدافئ يصعد إلى أعلى.

حيث يتحرك من خط الاستواء إلى القطبين كما أنه يزداد برودة كلما تصاعد إلى أعلى كما أن دوران كوكب الأرض حول محوره يدفع الرياح نحو الغرب وتصبح خريطة توزيع الرياح أكثر تعقيداً نظراً لأن سطح الأرض مكون من يابسة وبحار، فاليابسة تسخن أسرع من الماء .

كما أنها تفقد سخونتها بطريقة أسرع مما يخلق تباينا في درجات حرارة الهواء والواقع فوق مختلف أجزاء العالم ولا شك أن اختلاف درجات الحرارة ثم اختلاف الضغط الجوي مع اختلاف درجة الرطوبة يعطي مؤشرا ابتدائيا إلى اتجاه الريح وسرعته ومن ثم قوته ولكن يقف العلماء في ذهول وفي حالة تجمد فكري لأن متغيرات عناصر الريح سريعة للغاية بما لا يمكنهم متابعة ذلك ولو بأحدث أجهزة الرصد.

كما يقف الكمبيوتر الحاسب في حالة تعجب عن متابعة قوانين الأرصاد الجوية ولكن الله وحده لا شريك في علمه فهو جل جلاله الذي علم الإنسان ما لم يعلم.

مهام الرياح

لم تخلق الرياح عبثاً أو لهواً حاشا لله العظيم إنما خلقت لمهام حيوية وعلمية فهي الوسيط في تلقيح الأشجار والنخيل والنباتات والزهور دون الحاجة إلى الإنسان الذي من صفاته النسيان في عملية التلقيح كما تقوم الرياح بتحريك المياه الراكدة سواء في البحيرات المغلقة أو الأنهار لتمنع تعطب وتعفن الماء وتجعله غير آسن كما تقوم الرياح بتوليد الأمواج المدفونة .

التي تقوم بتلقيح ناتج إناث الأسماك مع ناتج ذكورها إذ لا يوجد عملية اتصال جنسي مباشر بين الأسماك كما لا ننسى أن الأسماك تعيش من خلال الهواء المذاب في الماء فهي لا تستنشق الأكسجين من الهواء مباشرة بل تتبع نظام الخياشيم في أنفها لتحصل على هذا الأكسجين المذاب في الماء والذي يقوم بوضع الأكسجين في الماء هو الرياح كما أن الرياح تقوم بتلقيح السحب فيما بينها بحيث يكون تلقيها كهربائياً بالجمع بين نوعي الكهربية الموجبة والسالبة الموجودة في السحب وما يصحبه من برق ورعد ثم ينزل المطر وهو ما أشارت إليه الآية 22 من سورة الحجر (وأرسلنا الرياح لواقح فأنزلنا من السماء ماء فأسقيناكموه وما أنتم له بخازنين) صدق الله العظيم.

إن الريح جندي من جنود الله الأشداء تمحق وتسحق أعداء الله وهذا ما أخبرنا به الحبيب المصطفى سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام في حديثه الشريف (نصرت بريح الصبا وأهلكت عاد بريح الدبور) صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ونحن لا نرى الريح ولكن نرى تأثيرها وكذلك لا نرى الملائكة ولكن نرى تأثيرهم وفي نصرة المسلمين في موقعة بدر وهو ما أشارت إليه الآية 124 م سورة آل عمران (إذ نقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين) صدق الله العظيم. وكان في ذلك قتال الملائكة في يوم بدر مساندة للمسلمين وكان النصر المبين.

وكذلك الريح لم يرها قوم عاد بل كان تأثيرها عليهم بتدميرهم وسحقهم وبالتالي فإنه تعتبر الريح من جنود الله الأشداء وهذه الريح لها قدرة في الارتفاع إلى أعلى المرتفعات ولها أن تغوص في أعماق البحار فهي في طاعة الله وحده لا شريك له في ملكه. ومما سبق نجد أن الرياح تأتي كبشير بالخيرات أما الريح فإنها تأتي كنذير بالدمار.