تولي دولة الإمارات العربية المتحدة أهمية خاصة للرياضة تجلت في الاستراتيجية الاتحادية التي أعلنها في ابريل الماضي صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي. فقد أكد سموه أن الرياضة «تمثل احد الجوانب المهمة في التنمية البشرية وفي السعي لبناء إنسان متكامل»، وأضاف أن «علينا أن نضع هرم الرياضة على قاعدته وان ننهي وقوفه على رأسه»، مشيرا سموه إلى أن الرياضة وسيلة تربوية مضمونة النتائج يجب إعادة الاعتبار إليها وإدخالها في المناهج الدراسية والتعليمية.
في إطار تبني استراتيجية الحكومة للرياضة كوسيلة للحياة وزيادة وعي المجتمع بأهميتها، نظمت وحدة الدراسات في صحيفة «البيان» ندوة دعت إليها نخبة من المسؤولين والمختصين، حول موضوع الاحتراف الرياضي في الدولة الذي سيبدأ تطبيقه اعتبارا من الموسم الرياضي المقبل (2007-2008).
وفي الحلقة الأولى اكد المشاركون في الندوة على ان الاحتراف ضرورة لا غنى عنها وخطوة هامة ستساهم في رفع شان الرياضة في الإمارات ولكن يجب التعامل معها بطرق علمية وموسعة بحيث تشمل كل الأنشطة الرياضية وكل ما يتعلق بهذه الأنشطة من مدربين وحكام وإداريين وليس اقتصارها فقط على لعبة كرة القدم وحصر الاحتراف في اللاعبين وننشر اليوم الحلقة الثانية من الندوة والمتضمنة كيفية الانتقال من مرحلة الهواية إلى الاحتراف والمشاكل التي قد تعترض هذه النقلة ودور القطاع الخاص والأندية الرياضية في دعم عملية الاحتراف.
لجان متعددة
* محمد الجوكر: كل ما يخص الاحتراف ترويجه ضعيف بما في ذلك اتحاد كرة القدم والجهات الرياضية الأخرى التي نظمت عملية شرح أبعاد الاحتراف وعقد المؤتمرات والورش التعريفية، كما ان ثقافة المجتمع غير مستوعبة لهذا المشروع الضخم كما أننا نعاني من تعدد اللجان الاحترافية في الأندية والمجالس الرياضية .
حيث لا يوجد لجنة وطنية منبثقة بإشراف حكومي ويفترض قبل طرح المشروع استشارة الجهات التشريعية وطرحه عليها ومن ثم مصادقة الجهاز التنفيذي عليه وبعدها تتولى الحكومة والممثلة في الهيئة العامة لرعاية الشباب والرياضة الإشراف الكامل على ما يسمى بمشروع الاحتراف.
وكل ما يحدث الآن هو تحديات ومنافسات شريفة بين جهات حكومية و الأندية في الدولة وهذا هو الاحتراف الموجود عندنا ولكن كاحتراف يفترض وجود لجنة وطنية عليا يصدر بشأنها قرار سيادي من الجهات العليا في الدولة وان لا يترك الأمر للاجتهادات والتي ستؤدي إلى كارثة ما لم يتم ضبط العملية وتشكيل وحدة رأي صحيحة لدى القرار الرياضي لان القرار الرياضي في الإمارات متعدد الجهات.
ولا يتخذه ناد او مجلس رياضي فالقرار متعدد والى الآن ما زالت الجهات المسؤولة عن الحركة الرياضية والقطاع الشبابي بعيدة عن مثل هذه القرارات والخطوات.
واذا استطعنا ان نقوي مؤسستنا الحكومية والأهلية للسيطرة على مثل هذه المشاريع وتوحيد رؤيتنا لمثل هذا القرار الذي هو مشروع وطني ولذلك نحن بحاجة إلى اتخاذ قرار فوقي خصوصا وانه لدينا مؤسسات محلية تتبع كل إمارة وأخرى اتحادية بينما في دولة قطر مثلا الرؤية واضحة لان القرار واحد والجهة واحدة والشخص واحد لكن عندنا في الإمارات تعدد في الأشخاص والقرارات وهذا يؤدي إلى الخلل في مفهومنا للاحتراف والدليل على ذلك ان لجنة الاحتراف خرجت من الجمعية العمومية ولم يكن فيها أي عضو من اتحاد كرة القدم الا في آخر اجتماع لها.
تحديات
* محمد مطر المهيري: نحن نعالج واقع الاحتراف الحالي ومسألة إعداد اللاعبين من الصغر للاحتراف وإرسالهم إلى الدورات والمعسكرات الاحترافية فمن المفروض ان تكون استراتيجية نابعة من المؤسسة التي ترسم الاتجاه للاحتراف وهذا ما تكلم عنه الأخوة لكن الواقع الحالي الذي نراه ما زالت تقوم به أندية تدفعها مصالحها الخاصة نحوه. فالأندية الكبيرة ذات الإمكانيات هي التي تقوم بدعم عملية الاحتراف لمصالحها الخاصة اما اندية الفقيرة وما شابهها فهي بعيدة عن العملية ولا تدري عنه شيئا.
اما من ناحية التحديات فهناك جوانب اجتماعية حول وضعية اللاعب المحترف ومدى الاعتراف به كمهن موجودة في المجتمع شأن المهن الأخرى كالصحافي الرياضي وغيره فالاحتراف الرياضي سيقودنا إلى المدرب المحترف وكذلك الإداري وجوانب كثيرة أخرى وهذا بحاجة إلى تصديق المجتمع نفسه حتى يعترف الناس بهذه المهنة والتي لها وعليها أمور كثيرة مثل التقاعد ومسائل أخرى مرتبطة بهذا الجانب.
والجانب الآخر للاحتراف جانب قانوني فلغاية الآن ليس لدينا لوائح واضحة ومقننة نستطيع الاعتماد عليها والاسترشاد بها في موضوع الاحتراف، والجانب الآخر يتمثل في الخلط بين شروط عقد الاحتراف وعقد العمل الموجود في الدولة فالأمور ما زالت متضاربة بينهما، كما ان لدينا نقص كبير من الشباب المواطنين القانونيين الذين يقدرون رسم لوائح الاحتراف نفسه.
اما الجانب الاقتصادي فالأندية من خلال تعاقدها مع أي لاعب تهدف إلى تحقيق الربح سواء كان ربحا ماديا من خلال بيع اللاعب وانتقاله إلى ناد آخر او السعي لتحقيق الربح الفني. والأندية نفسها ما زالت تهدف إلى نشر التربية الرياضية وما يتوقف عليها من جوانب اجتماعية وثقافية.
ومن التحديات التي ستواجه المشرعين بشأن رسم الاحتراف وما شابه ذلك فالموضوع يقودنا إلى وجود فرق بين ان يكون هذا اللاعب عاملا لدى النادي وبين المبلغ الخيالي الذي يتقاضاه لان هذا المبلغ يرفعه إلى مستوى اجتماعي متميز. فكل هذه الأمور بحاجة للتقنين ورسم سياستها بحيث نقدر الفهم بان من يملك الإمكانيات الفنية أين نضعه اجتماعيا وكيف سنحافظ عليه كثروة.
*ا.د محمد المطوع: نود ان نسمع رأي الأستاذ يوسف الشريف في الجوانب القانونية لعملية الاحتراف.
* يوسف الشريف: القانون عادة ليس بعيدا عن الواقع تماما فهو تشريع يمكن تنفيذه ببساطة وتطبيقه وبالتالي فان مسالة التشريع ليست مشكلة كبيرة دائما كما ان القانون نفسه يتغير مع تغير الواقع العملي. فالمشكلة ليست في القانون في حد ذاته ولكن المشكلة في المفهوم وكيفية تطبيق الاحتراف وتحديات الانتقال.
فبعض الدراسات التي عرضت علينا اشارت إلى عدم تخيل تطبيق فكر الاحتراف في ظل وجود أربعة ملايين نسمة في الدولة منهم 800 ألف مواطن وبالتالي فنحن عندنا مشكلة في الجمهور. والنوادي بحاجة لمتطلبات كثيرة ولا يمكن الاستمرار في الدخول إلى المباريات بدون رسوم او تذاكر حضور فالمصاريف كثيرة فمن يتحملها؟
خصوصا وان إشراف الحكومة سيكون بعيدا عن الاندية رغم انها تقدم لها الدعم ولكن ليس لها السلطة على تطبيق الاحتراف وفكر الاحتراف نفسه على الأندية فهذا من اختصاصاتها ومن ضمن متطلبات الاتحاد الآسيوي.
وبداية يمكن تطبيق فكر الاحتراف من الجمهور فإذا استطعنا إقناعه بالانتماء إلى أي ناد سواء كان هذا الجمهور من المواطنين او الوافدين فان الدعم للنادي سيكون اكبر. وهناك امور كثيرة علينا معالجتها مثل خصخصة الأندية وكيفية تطبيقها.
* إبراهيم عبد الملك: كما قلنا فان الاحتراف ثقافة ولا نقصد بذلك قطاع الرياضة فقط وانما كل قطاعات المجتمع ولا يمكن ان ندخل اليوم مجال الاحتراف اذا لم تكن المؤسسات الاقتصادية تعرف ما المقصود من الاحتراف ،لأن له متطلبات مالية .
ويفترض في الحكومة ان لا تدعم القطاع الاحترافي اذا اعتمدت الأندية على المؤسسات الاقتصادية من خلال العلاقة المتبادلة بينهما. وكما تفضل الأستاذ يوسف فان جزءا مهما منه يتعلق بثقافة الجماهير الرياضية وكذلك الجماهير غير الرياضية التي تدعم الاندية بطرق غير مباشرة بالانتساب إليها مع العائلات لممارسة جوانب اجتماعية.
دعم وخصخصة
وبالنسبة للقطاع الإداري الاحترافي فالناحية الاقتصادية اكبر تحد للانتقال إلى الاحتراف فالمؤسسات الاقتصادية عليها دعم الأندية خصوصا وان الظروف المحيطة محليا لا تساعد على خصخصة الاندية، والسؤال كيف تنظر الحكومة إلى هذه الأندية؟
هل تنظر اليها على انها مؤسسات اجتماعية تسعى للحفاظ على قطاع الشباب من الانحراف عبر استقطابهم في الاندية او ان الحكومة لا تنظر إلى هذا الجانب. فإذا دخلت الحكومة إلى هذا الجانب فمعنى ذلك الدخول إلى الجوانب الاجتماعية والابتعاد عن جانب الاحتراف وهنا يقع التضارب بين الهدفين مع انه يمكن خلق نوع من التجانس المنفصل بينهما.
ولو عدنا للوراء قليلا إلى عملية عمل عقود بين اللاعبين وأنديتهم فان الظرف الذي وضعت فيه الأندية وهروب عدد من اللاعبين فيها هو الذي أجبرهم على ذلك. ولان المنظومة غير صحيحة فان الأندية سبقت الجهة المشرفة على هذا القطاع وأنا أتكلم هنا كجهة رسمية وأتكلم عن الاحتراف في مجال كرة القدم.
وأتمنى ان لا نتوه في الطريق ونحن كهيئة عامة لرعاية الشباب والرياضة نسعى إلى وضع تشريعات معينة عامة لكل الأنشطة في مجال الاحتراف الرياضي ولكننا لن نتدخل في عمل إدارات الأندية والاتحادات الرياضية وحتى الألعاب الفردية التي يمكنها وضع تشريعاتها الخاصة بها. والمشكلة التي تواجهنا هنا ان نظامنا وتشريعاتنا السابقة مبنية حول الحفاظ على الهواية وهناك مادة صريحة في قانون إنشاء اتحاد الهيئات الرياضية ينص على الحفاظ على الهواية وعلينا ان نتخلص من هذا القانون للانطلاق نحو الاحتراف.
* د.موسى عباس: فيما يتعلق بالشراكة بين القطاع الخاص والأندية فان وفرة الموارد المالية عامل أساسي في إنجاح الاحتراف لأنه يحتاج إلى إنفاق مبالغ كبيرة ولا يمكن الاعتماد على الدعم الحكومي فلا بد من تطوير الشراكة مع القطاع الخاص وهذه الشراكة على نوعين:
1- شراكة ظاهرية وهي عبارة عن دعم يقدمه القطاع الخاص للنادي بسبب العلاقة الشخصية ولا يعول وراءه على أي فائدة .
2- شراكة حقيقية وهي قائمة على القاعة والمنفعة المتبادلة حيث يستفيد النادي من المبالغ المقدمة له وتستفيد الشركة بدورها من المردود وعائد هذه الرعاية على شكل شهرة لمنتجاتها ورواج لاسمها وبالتالي زيادة أرباحها.
وحتى نحقق الشراكة الحقيقية لا بد من تطوير مفهوم التسويق الرياضي على أسس علمية وصحيحة والتخطيط جديا لاجتذاب الجمهور. وهناك أناس متخصصين في جذب الجماهير ولديهم خبرة في هذا المجال ويمكن الاستعانة بهم.
* محمد الجوكر: اتفق مع كلام الدكتور موسى عباس بأن علاقة الجانب الاقتصادي في الحركة الرياضية له تأثير ضعيف جدا اللهم إلا بعض العلاقات الشخصية والمحاولات الفردية للمسؤولين في بعض الاندية بالإضافة لبعض الاستثمارات المتوفرة لبعض الأندية مثل الأراضي والمراكز التجارية.
ومدخول بعض الأندية الكبيرة يصل إلى حدود 20 مليون درهم سنويا اما جودة عمل الاندية ونتائجها وحجم العمل فيؤثر في جذب رؤوس الأموال والاقتصاد كما حدث في بعض الاندية مؤخرا في الدولة حيث يرتبط هذا الأمر بوجود بعض الأشخاص ممن لهم وزنهم واعتبارهم الاجتماعي على رأس إدارات بعض الأندية.
ورغم ذلك فان دور هؤلاء الاشخاص ضعيف مقارنة بدورهم في الدول الكبرى وعندما تلجأ طيران الإمارات لرعاية بعض الأحداث فإنها ترعاها في بريطانيا او استراليا نظرا للمنفعة المتبادلة. ولكن عندنا في دولة الإمارات الهرم مقلوب مما يؤدي إلى التوافق بين القطاع الرياضي والقطاع الخاص.
أساليب ومغريات
* محمد مطر المهيري: تكملة لكلام الاخوة فان المشكلة بالنسبة للقطاع الخاص هناك رياضات سبقتنا فمثلا في مجال كرة القدم ما الذي يمكن ان نقدمه للقطاع الخاص؟ وكيف يمكن ان نسترجع بعض الرياضات؟ ولو نظرنا إلى مهرجان التسوق فهو يعتمد على شريحة كبيرة من القطاع الخاص في تمويله فكيف يمكن ان نسترجع جزءا من هذا التمويل للرياضة وخاصة لكرة القدم؟ ما الذي يمكن ان نقدمه لهذه الشركات كما يقدم من خلال مهرجان التسوق؟
وهناك جانب آخر من الرياضات مثل الفروسية وسباق الهجن والقدرة والميدان والرياضات البحرية سبقتنا بمراحل في عملية التسويق ولجان التسويق في الاندية والمؤسسات ككل محتاجة لدراسة هذا الواقع وما الذي يمكن ان تقدمه هذه الرياضات لشركات القطاع الخاص؟
ومثلا اغلب هذه الرياضات ليس لديها بث مباشر لسباقاتها ولو تكلمنا عن النشاطات الرياضية ككرة القدم مثلا فنحن بحاجة لأساليب واغراءات معينة لتسويقها فالاندية الأوروبية قائمة على هذا الأساس، فالشركات تريد ان ترى اعلانات منتوجاتها بشكل مستمر ودائم وليس موسميا. وهناك اندية في السعودية وأوروبا لها قنوات فضائية خاصة بها. والاندية والاتحادات الرياضية عندنا لديها الإمكانيات لتسويق ما تريد فالأمور أصبحت متاحة ولكن تبقى المسؤولية ملقاة على عاتق لجان التسويق ومدى نشاطها وكفاءتها في عملها.
* إبراهيم عبد الملك: اتفق مع كلام الاخ محمد حول جزئية المنتج وضرورة إعداده بشكل جيد بحيث نستطيع تسويقه فمثلا نحن منتجنا لنفترض انه كرة القدم فيمكن إعداد المباريات بشكل يجذب القطاع الاقتصادي الخاص ويدفعه لادراك ما سيحققه من فوائد وعوائد مادية اذا ما تم عقد شراكة معه.
وهذا الأمر مبني على مدى تقيل السوق نفسه لهذا المنتج ومن خلال خبرتنا السابقة في اللجنة الاولمبية الوطنية ومن خلال مشاركتنا في أثينا وسيدني ففي أثينا جاءت شركة انجليزية متخصصة دخلت كشريك ولكن لما نزل السوق فشل لأن المجتمع الاقتصادي غير مدرك للمردود الاقتصادي الذي يمكن ان يحصل عليه.
المشاركون
ـ إبراهيم عبد الملك: الأمين العام للهيئة العامة لرعاية الشباب والرياضة
ـ د. أحمد سعد الشريف: وكيل وزارة التربية والتعليم المساعد لقطاع الأنشطة /أمين عام مجلس دبي الرياضي
ـ د.موسى عباس: مدير اللجنة الأولمبية الوطنية
ـ محمد مطر المهيري: محلل فني ومشرف كرة القدم في النادي الأهلي
ـ يوسف الشريف: عضو لجنة الاحتراف باتحاد كرة القدم /مستشار قانوني
محمد الجوكر: نائب رئيس التحرير/جريدة البيان
أدار الندوة:
ا.د: محمد عبدالله المطوع
أعدها للنشر:موسى أبو عيد
تصوير: مصطفى الأميري
