تبقى العملية التعليمية في مواجهة دائمة مع الكثير من التحديات التي تتطلب تحكيم العقل وتقدير المواقف لتهيئة أفضل بيئة منتجة للطلبة، خاصة في شؤون الردع التي تتبعها المدارس لتأديب الطلبة وتهذيبهم بما يتناسب مع الوصول إلى طالب متميز ومنضبط، ورغم التنبيه المتواصل بأهمية عدم المبالغة في أمر الردع، خصوصاً في حالات المخالفات البسيطة، إلا أن العديد من المدارس لا تلتزم بهذا الأمر، ويكون طرد الطلبة أولى خياراتها في حالة مخالفته لائحة السلوك من تأخير أو عدم التزام بالزي الرسمي، ما يضيع الوقت والفائدة على الطالب نتيجة عدم تواجده في بعض الحصص المدرسية، ويضع الطالب على حافة الانحراف والضياع في ظل عدم رقابة الكثير من الآباء لأبنائهم، كما أكد عدد من التربويين.
يقول الطالب إبراهيم علي الشرهان في الصف الثاني عشر إن إدارات المدارس تستسهل عملية طرد الطالب من المدرسة حين مخالفته، للتخلص منه بدل حل مشكلاته بهدوء وحكمة وبطريقة عقلانية كالحديث معه وتنبيهه، لافتاً إلى أن الطلبة المخالفين لا يواجهون قرار الطرد بحسرة أو ندم بل على العكس من ذلك، فالسعادة تظهر على وجوه هذه الفئة من الطلبة الذين يتطلعون للخروج من المدرسة والتسكع، لذلك على المدارس أن تمنع الطلبة من تنفيذ أهوائهم حتى وإن خالفوا بعض القوانين المعمول بها.
ويشير محمد جبارة أبوطه من الصف الحادي عشر علمي إلى أن هذا الأمر أصبح منتشرا في الكثير من المدارس الثانوية، لدرجة العشوائية، حيث يواجه أي تصرف من قبل الطالب بكلمة الطرد، وفي كثير من الأحيان يكون الطرد ظالما وتستخدمه المدرسة معتقدة أنه يضبط الطلبة، ويكون ضحية هذا التصرف الطلبة الملتزمين الذين يوقعهم حظهم بمواجهة مع الإداري في ظروف قد تكون خارجة عن إرادتهم، ويكون قرار الطرد حينها قرارا ظالما يؤثر على مستقبل الطالب الدراسي وتصرفاته السلوكية.
ويضيف محمد أن هذه العشوائية تجعل من الطلبة الراغبين بمغادرة المدرسة اختلاق أي مخالفة للذهاب إلى الإدارة التي تسارع بطردهم ما يحقق رغبتهم، ولكن ذلك يؤثر على مستواهم التعليمي، إذ يتعين على إدارات المدارس أن تتوخى الدقة والتحقيق قبل إصدار هذا الأمر وضبطه بطريقة أفضل.
الوقائع تحكم
ويرى عيسى جابر نائب مدير مدرسة الجودة الثانوية للبنين أن مقتضيات العصر تتطلب إيجاد طالب متميز في كافة المجالات، لذلك فعملية الضبط والردع هي مطلب لتحقيق هذا الهدف وأسلوب يجدي نفعا في الكثير من الأحيان، خاصة في ظل تطورات العصر الذي نواجهها اليوم وطبيعة الطلبة التي تحتاج إلى الضبط والحزم والمراقبة.
ويضيف عيسى أن لغياب ولي الأمر عن المدرسة والمتابعة عاملا كبيرا يدفع المدارس إلى التشدد في عملية الردع، فعدم وجود الأب يؤدي لعدم استجابة الطالب لنواهي المدرسة أو التقيد بالقوانين والسلوك، ومثال على ذلك، فقد قمنا العام الماضي بعمل اجتماع لأولياء أمور 112 طالبا لم يحضر منهم سوى 12 ولي أمر، وهذه الوقائع تفرض على المدرسة أن تعوض هذا الغياب بأكثر من وسيلة.
تجديد اللائحة
ويطالب نائب مدير مدرسة الجودة بضرورة تطوير أو تغيير لائحة السلوك المتبعة في مدارس الدولة والتي تنظم العمل في هذا المجال، وتعتبر المرجع الرسمي للمدارس عند إصدار أي قرار ردع أو تنبيه للطلبة المخالفين، فاللائحة الحالية قديمة جدا ولم يطرأ عليها أي تغيير أو تعديل رغم تغير متطلبات ومجريات العصر، وتغير طبيعة طلبة مدارس اليوم كثيرا عن طلبة مدارس الأمس، وتكون هذه اللائحة معتمدة على واقع المدارس المدرج من خلال دراسات تبين طريقة وضع هذه اللائحة ومعاييرها مع خبراء يحددون طريقة العمل بها.
ويتفق محمد الطنيجي نائب المدير في مدرسة الرمس الثانوية، إحدى مدارس الغد مع زميله عيسى، حول أهمية تغيير وتعديل لائحة السلوك بما يتناسب مع تطورات واحتياجات الطلبة في ظل هذه الطفرة المعلوماتية والثقافية التي يعايشها الطلبة، إلا أن العديد من إدارات المدارس تجتهد في تقدير العقاب والردع المناسب للطلبة بعيدا عن هذه اللائحة وبما يتناسب مع عمل الطالب وظروفه وبما لا يؤثر على أدائه في العملية التعليمية.
ويبين الطنيجي أن المدرسة لا تستخدم أي أسلوب ردع يعمل على حرمان الطالب من حقه في حضور الفصل مهما كانت مخالفته، وتستخدم المدرسة بدلا من ذلك أسلوب الاجتماع مع الطالب وكتابة اسمه في سجل، وفي حالة تم تكرار المخالفة يتم الاتصال بولي أمره، وفي حالة لم يرتدع الطالب يتم تنبيهه أو فصله لمدة معينة بعد أن يتم مناقشة وضعه وبعلم ولي الأمر الذي يقوم بتسلم ابنه.
لا للتشدد
وتؤكد ناعمة الشرهان موجهة الإدارة المدرسية في منطقة رأس الخيمة التعليمية، أن التشدد في عملية ردع الطلبة كطردهم من المدارس أو إغلاق باب المدرسة قبل دخولهم نتيجة التأخر، أسلوب لا يفيد مطلقا ولا يردع العديد من الطلبة بل انه يسبب خسارة الطالب للكثير من الفوائد التي يكتسبها بحضوره الفصل الدراسي.
وتضيف ناعمة أن إدارات المدارس لديها من العقل والفطنة ما يتناسب مع تقدير المواقف، خاصة وان هناك العديد من الطلبة الذين يميلون إلى الهرب المتواصل من المدرسة، لذلك يجب أن يتم احتواء هذه الفئات عبر الأساليب الجاذبة التي تقدرها وتبتكرها إدارات المدارس، في ظل لائحة السلوك التي لا تتصف بجموديتها رغم قدمها، وهي ليست قوانين مقدسة لا مفر من تنفيذها، فإدارة المواقف تحقق كل هذه الأمور للمدرسة.
وعن غياب ولي الأمر عن العملية التعليمية وتأثيره في تشدد المدارس في اتخاذ أساليب الردع المختلفة للطالب المخالف، تقول الشرهان ان على المدارس أن تحل هذا الأمر عبر إيجاد الأساليب التي تجذب ولي الأمر نحو المدارس، وباب الابتكار مفتوح لإدارات المدارس لتدبير شكل التواصل المناسب والذي يحقق تواجد ولي الأمر ومشاركته في العملية التعليمية.
رأس الخيمة ـ رباب جبارة