حوادث السيارات في العالم، لها أسبابها المتعددة، فهي تعود لظروف جوية غير معتاد عليها، مثل انخفاض مستوى الرؤية بسبب الضباب الكثيف، أو أخطاء بشرية، كعدم الالتزام بقواعد السير وقوانين المرور وتزداد المأساة عندما يكون هذا النوع الأخير من الحوادث بسبب أشخاص يقودون سياراتهم دون أدنى الالتزام بأبسط القوانين، مستهترين بآداب الطريق، متخلين عن النوازع الأخلاقية غير مكترثين بالمبادئ والقيم الإسلامية والإنسانية، هذا النوع الطائش من الشبان هو الذي صادف مريم عبد الله البالغة من 19 وشقيقتها أمل التي تصغرها بثلاث سنوات عندما قررتا حضور حفل الفرح الحزين.
كان هذا في بداية العام الماضي عندما ذهبتا للاستمتاع بحفلة أقامتها صديقة شقيقتها في مزرعة والدها بمنطقة الذيد، وبعد الاستمتاع بأجواء الاحتفال ومشاركة الصديقات الأوقات المرحة، غادرت مريم وشقيقتها متجهتين للمنزل، وكان الوقت آنذاك بين الساعة 30,7 و 30,8 مساءً حسب ما ذكرته مريم.
قالت مريم: عندما غادرنا الحفل وأثناء طريق العودة فوجئنا بشخص يلاحقنا بسيارته محاولاً مضايقتنا والاصطدام بسيارتنا، ورغم أننا ابتعدنا عنه كثيراً، لكن الطريق كان وعراً وضيقاً، ما أدى في نهاية المطاف إلى انقلاب سيارتنا، وكان هذا آخر ما علق بذاكرتي.
لكن لحسن حظنا، كان يوجد شخص فوق سطح منزله ينظم موجات (الدش)، فأبلغ الشرطة عن الحادث، لكن وصولها كان متأخراً، فأختي كانت قد لفظت آخر أنفاسها قبل أن تصل ، وأنا نقلت إلى المستشفى في حالة، إغماء ومكثت على هذه الحال سبعة أشهر، وقمت بإجراء عملية في ظهري، حيث بدلت الفقرة الثالثة في العمود الفقري بفقرة معدنية. وقد أجرى لي العملية طبيب ألماني كان متواجداً في المستشفى لتدريب الأطباء.
نجحت العملية بفضل الله ، وطلب الطبيب من أهلي نقلي إلى ألمانيا لمتابعة العلاج، فقامت دائرة الصحة والخدمات الطبية بمخاطبة ديوان الحاكم لتحمل المصاريف.
تم هذا خلال وقت قصير، وبعد ذلك غادرنا إلى ألمانيا وأنا لم أزل في حالة الإغماء، ورافقني أبي وشقيقتي في رحلة العلاج والتي تحملت مصاريفها الدولة، واستمرت الغيبوبة مدة أربعة أشهر.
وعندما استيقظت لم أكن أشعر بالدنيا ولا بالأشخاص حولي، كما كنت فاقدة الذاكرة وعقلي مثل الطفل الوليد خالٍ وصافٍ من كل شيء، وحاول أبي وشقيقتي تذكيري بعض الأشياء، لكنني لم أكن أذكر سوى القليل منها، وبعدها خضعت هناك لعلاج طبيعي لمدة شهرين، ثم عدت لمتابعته في الدولة.
عند عودتي، أخبروني بما جرى وشاهدت صورة أختي المرحومة أمل فتذكرتها، وقالوا لي إنها فارقت الحياة لحظة وقوع الحادث، فما كنت لأصدق أبداً ما حدث، حتى أحضرت لي أمي شهادة وفاتها.
بعد كل الذي جرى لم أكن أتصور أنني أصبت بالشلل. فقد اعتقدت أنني لا استطيع الحركة وأنا مسمرة على الكرسي المتحرك مثل الصنم، بسبب الغيبوبة الطويلة وارتخاء الأعصاب. لكن عندما أيقنت حقيقة الأمر، أصبت بصدمة كبيرة، فقد ذهب عقلي إلى أن حياتي بذلك قد تحطمت حيث كنت طالبة في السنة الأولى بجامعة العين أدرس الشريعة والقانون، كما أنني كنت لاعبة في صفوف المنتخب الوطني للكاراتيه مع سمو الشيخة ميثاء بنت محمد بن راشد آل مكتوم، وكنت قد حصلت على عدد من الميداليات، وقبلها كنت لاعبة في ناديي النصر وزعبيل، وفكرة أنني عاجزة ومعاقة، كانت تمثل بالنسبة لي نهاية الحياة، وبصراحة كان خبر وقوع الإعاقة بمثابة صدمة أكبر من صدمة خبر وفاة أختي، وفضلت الوفاة مثلها على أن أعيش عاجزة وعلى كرسي متحرك طوال الحياة.
عند هذه النقطة بدأت معاناتي الحقيقية. فالجامعة أصبحت في ذلك الوقت من الماضي، لأنني لا أستطيع مساعدة نفسي بالحركة على هذا الكرسي اللعين، فكانت أمي وما زالت تصطحبني إلى كل مكان، وحاولت بمساعدة أخي الصغير راشد أن تدربني على استعمال الكرسي، لأنتقل من مكان لآخر. وأنا الآن أعتمد على نفسي في المسافات القصيرة.
بعدها بدأت تحاول أمي معي أن أستجمع ذاكرتي، عن طريق جلب صديقات الطفولة وأيام المدرسة للتحدث معي واستعادة الذكريات وعمل لقاءات أسبوعية معهن في البيت أو مراكز التسوق أو الحدائق العامة، هذه الفكرة كانت جيدة جداً والفضل في ذلك يعود لأمي وصديقاتي في استرجاع ذاكرتي ومعلوماتي، وبعد هذه المرحلة بدأن مرحلة أخرى وهي مواساتي والتخفيف عني ومحاولة تشجيعي على متابعة حياتي بشكل طبيعي، خصوصاً إنني طوال هذه الفترة كنت أقوم بالخضوع لجلسات علاج طبيعي، والتحسن كان يظهر بعد كل جلسة، وأنا الآن استطيع تحريك الجزء الأعلى من جسمي بشكل كامل ودون أي ألم.
كانت أمي تتعاون مع صديقاتها في محاولة للتأقلم مع حياتي الجديدة، فاقترحت إحداهن عليها فكرة إدخالي الحياة العملية، فاعتبرتها أمي فكرة جيدة واقترحتها علي وقالت لي إن العمل يعزز الشخصية ويبث الثقة في النفس ويجعلني اعتمد على نفسي واقترحت عليها تقديم أوراقي لمحاكم دبي، طالما كنت أتمنى دراسة القانون والعمل بهذا المجال. نالت هذه الفكرة إعجابي وطلبت مني أمي تقديم أوراقي.
بعد فترة قصيرة جاءني اتصال من المحكمة وطلبوا مني الحضور لعمل امتحان، فتقدمت للامتحان وبعدها اتصلوا بي مرة أخرى وطلبوني للمقابلة، والحمد لله تم تعييني بتاريخ 20/12/2006 ، وهذا تاريخ ميلادي الجديد الذي غير حياتي وجعلني إنسانة أخرى تحب الحياة وتتفاعل معها كأنها ولدت من جديد. كما أن العمل ساعدني على فهم الناس أكثر ومشاركتهم أفراحهم وأحزانهم وعلمني كيفية تفكيرهم.
أما عن استئناف الدراسة فقد قالت مريم: بعد كل جلسة علاج طبيعي أحس أن الروح تعود الي من جديد، وهذا لأنني أتحسن بشكل ملحوظ، ففكرة استئناف الدراسة أصبحت الآن واردة، لأنني استطيع الاعتماد على نفسي أكثر من السابق في الحركة واستخدام الكرسي المتحرك.
وعن قيادة السيارة مرة أخرى قالت: مستحيل أن أقود سيارة مرة أخرى في حياتي، فهي السبب في تغيير مجرى حياتي للأسوأ. وأضافت مريم عن الحادث قائلة: الحادث عبارة عن امتحان إلهي وأنا بعد الصدمة الأولى تقبلت ما حدث بروح رياضية، كما أنه ساعدني على معرفة قيمة الحياة وحبها من جديد وزيادة الرغبة عندي بالتحدي والمواجهة وأن الحياة لا تتوقف عند حد معين، كما أنه زاد أيماني بقدرة الله.
أما والدة مريم فقد وصفت الحادث بأنه مريع وفي بداية الأمر اعتقدت أنها فقدت أبنتيها خصوصاً أن فترة الغيبوبة التي قضتها مريم، كانت طويلة جداً، كما أن وضع الأم الصحي تأثر جداً وقد كانت تعاني من رعشة في القلب وعند سماعها الخبر ازدادت حدتها.
تقول الأم : بعد سفرة العلاج الأولى عادت مريم للدولة مثل التمثال لا تتحرك أبداً حتى عيناها كانت تركزها على نقطة واحدة ولا تحركها، وكانت بالنسبة لي في عداد الأموات، لأنها كانت مريم جديدة خالية من أي شيء ومثل الأطفال لدرجة أنها عادت تشاهد برامج الأطفال.
في بداية الأمر لم أكن أعلم ماذا أعمل، فلجأت إلى طبيبة أمراض نفسية وسألتها عما يجب عمله، فاقترحت علي أن أكلمها عن ماضيها، وأن أساعدها وأهيئ لها الأجواء وأحاول أن أجمعها مع صديقاتها، فحاولت الاتصال مع صديقاتها المقربات وشرحت لهن وضع مريم الصحي وطلبت منهن أن يجمعن أنفسهن ويحضرن لزيارتها، وبالفعل كان ذلك وجاء الجميع وكان وقت الزيارة طويلاً، لكن النتائج كانت في نهايتها إيجابية فمريم استطاعت تذكر أغلب المواقف والصديقات.
بعد ذلك ذهبت للجامعة وسألت عن الطالبات المقربات من ابنتي، لأنه لا توجد لدي علاقة سابقة معهن، حيث أن مريم كانت طالبة جديدة في الجامعة، فتعرفت عليهن وطلبت منهن ترتيب موعد لجلب مريم لهن ومحاولة الحديث معها، في هذا اللقاء خرجت مريم من البيت للمرة الأولى فكانت ترى الدنيا والشوارع والناس كأنها المرة الأولى في حياتها، حيث كانت تستغرب كل شيء وتسأل عنه، وقد كانت نتائج هذا الأمر طيبة و إيجابية وكررتها أكثر من مرة.
أما في أثناء الجلوس بالمنزل، فقد كنت أعلم مريم الكلام بسرعة أكبر، بحيث كنت أحفزها على ذلك عن طريق التدريب والكلام القاسي ، الذي يشجعها على تطوير نفسها، كما كنت أحاول تغيير عاداتها مثل وضع الأفلام والمسلسلات بدلاً من أفلام كرتون، وبدأت أعلمها من جديد على استخدام الهاتف النقال والتلفاز.
دبي ـ سمانا النصيرات