العطاء يمثل أحد القيم الإنسانية والمجتمعية التي تعمل المدارس على دعمها بشكل كبير في نفوس الطلبة ولكن تبقى هذه القيمة رهينة المبادرات والمناسبات وأيضا المسارات الرسمية لأي تبرعات تجمع مع تحديد نوع وجهة التبرع وهذا ما يراه البعض ضرورة، بينما يطالب البعض الآخر بفتح المجال أكبر للمدارس للمساهمة في جوانب العطاء خدمة للمجتمع.
ويرى الاختصاصيون الاجتماعيون أهمية أن تنمى القيم بشكل متدرج في ضوء إستراتيجية تضعها وزارة التربية والتعليم مدعومة بمناهج تؤصلها وأنشطة عملية في المجتمع توجه الطالب وتضاف لرصيد درجاته.
طلال السلومي موجه أول خدمة اجتماعية في وزارة التربية والتعليم أوضح أن الخدمة الاجتماعية تمارس أدوارا عديدة في المدارس خاصة تلك المتعلقة بالرقي بسلوك الطلبة أو تعديل سلوكيات سلبية لديهم ومن خلال المجالس والجماعات المدرسية تنفذ الخدمة الاجتماعية الكثير من الأعمال التطوعية داخل المدرسة وخارجها.
وأشار إلى مساهمة بعض المؤسسات المحلية في دعم دول الخدمة الاجتماعية منها الهلال الأحمر الإماراتي والذي يلعب دورا فعالا في تأكيد معاني التطوع والعطاء بإعداده لمسابقات تخدم مشاريع تطوعية وتعين فئات المجتمع المحتاجة للدعم المادي والمعنوي مثل كبار السن والأيام والمحتاجين،وفي العام الدراسي المنصرم تم تخصيص مسابقة للأيتام تحت شعار «قلوبنا مفتوحة لكم وأيادينا تشد أزركم» حملت معاني كثيرة للتطوع والمحبة والإحساس بالآخر.
وأضاف أن قيام الخدمة الاجتماعية بتأسيس جماعات يكون صلب اهتمامها التطوع والتكافل الاجتماعي كلها تلعب دورا في تشكيل شخصية الطالب وجلها مهتمة بمحيطها الاجتماعي وتوجه تفكيره السلوك الايجابي.
وقالت موزة عبد الرحمن الطنيجي منسقة النشاط الثقافي في منطقة رأس الخيمة التعليمية والحاصلة على الوسام البرونزي في التطوع «أعلى وسام للتطوع في الهلال الأحمر» أنهم يشهدون العديد من المبادرات الشخصية من قبل المدارس التي تستهدف المساهمة في سد احتياجات المساكين والمنكوبين داخل الدولة وخارجها، وتكون هذه المساهمات غالبا بمبادرة شخصية من إدارات المدارس المعروفة بعطائها وثقافتها ووعيها بأهمية العطاء في المجتمع، وعائده على الطالب الذي يكتسب القيمة فتصبح سلوكا بمرور الوقت .
وتشير ناعمة إبراهيم النعيمي مديرة مدرسة نورة بنت سلطان إلى أن هذه الأنشطة التي تتولاها المدرسة غلبا ما تكون بمبادرات من إدارة المدرسة التي وضعت أمر زرع قيم كالعطاء والتطوع ضمن خططها الإستراتيجية السنوية، والتي تنضم من خلالها الفعاليات التي تدعمها بإشراف من معلمات المدرسة بشكل عام وكادر الخدمة الاجتماعية بشكل خاص، وتلاقي هذه الفعاليات إقبالا كبيرا من قبل الطلبة وأولياء الأمور، ماساهم في حل العديد من الأزمات المادية لعدد ليس بقليل من الطالبات داخل المدرسة بل والمحتاجين.
ارتباط بالأحداث
محفوظة النويس مديرة مدرسة اليرموك ترى أن المدارس تهتم بالقيم السلوكية والاجتماعية وبالنسبة لقيمة العطاء فهي ترتبط بكثير من الضوابط فالتوعية بها موجودة ولكن عملية تنفيذ أي حملة تبرع لابد أن تكون بموافقة المنطقة التعليمية، وهي ليست قوية بمستوى غيرها من القيم ولكنها ترتبط أكثر بالحدث فالأحداث المحلية والعالمية تفرض ذاتها على الجو العام، ومساهمة الطالب تعوده على العطاء وتعرفه بما يجري من حوله، مشيرة إلى أنهم قاموا بتوزيع هدايا على عدد من الطلبة اليتامى في مدارس المصفح،كما أن لديهم بند في ميزانية المدرسة لدعم أي طالبة محتاجة.
الحصالة
نصر الدين عبد الرحيم أخصائي اجتماعي بمدرسة الصقور النموذجية أشار إلى دور جماعة الهلال الطلابي بالتعاون مع هيئة الهلال الأحمر في تدعيم قيم العطاء والتطوع ويتم توعية الطلبة المشاركين ليس فقط بمبادئ عمل الهلال الأحمر بل أيضا بالقضايا الإنسانية فالأمر ليس مجرد تقديم مساعدة بل هذه الأنشطة تحمل في طياتها أخلاقيات وثقافة للطالب، مشيرا إلى أن التبرعات في السنوات الماضية كانت مفتوحة في المدارس ولكن العملية أصبحت أكثر تنظيما فعملية جمع أي تبرعات لا تتم إلا من خلال موافقة المنطقة وهذا الأفضل منعا للارتجالية والعشوائية.
وأشار إلى تفاعل الطلبة الذي يصل إلى حد إحضار حصالاتهم لشراء كوبونات التبرع بل وبعضهم يرفض أن يعرف أحد الكم الذي دفعه ليكون ثوابه أكبر،كما أن الطلبة تفاعلوا كثيرا في الشهور الماضية عند تنظيم حملة دعم أطفال لبنان.
حملات الخير
وتذكر عائشة الطنيجي الأخصائية الاجتماعية في مدرسة نورة بنت سلطان أن المدرسة لها تاريخ طويل في مبادرات العطاء ، وهذا الأمر لا ينحصر بالمسابقات التي تطرحها الوزارة بالتعاون مع الهلال الأحمر فقط ك«الهلال الطلابي»، فعلي مدار خمس سنوات تبنت المدرسة مشروع السوق الخيري الذي يتفرع لمجموعة من الأنشطة التي تستهدف رعاية اليتيم والتكامل الاجتماعي والعشاء الخيري ، والذي يوجه لرعاية الأسر ذات الدخل البسيط والجمعيات الخيرية .
وبينت سمية الشاعر الأخصائية الاجتماعية أنهم يلاقون استجابة كبيرة من قبل الطالبات وأولياء أمورهن بل ومعلمات المدرسة في هذه الأنشطة، ما يساهم في نجاحها دائما ويعمل على حل العديد من أزمات الطالبات والأسر، عدا الأيتام الذين يتم كفالتهم وطلبة العلم الذين ترعاهم المدرسة، بل أن المدرسة قد ساهمت من خلال هذه الأنشطة في مساعدة إحدى طالباتها في إنهاء دراستها الجامعية داخل الدولة .
احترام المهن
ثريا محمد الشحي أخصائية اجتماعية بمدرسة الآفاق النموذجية أشارت إلى كم البرامج التطوعية والتثقيفية في المجال المجتمعي التي تقدم لطالباتها والحرص على ربطهم بالواقع المحيط حيث ساهموا في إغاثة أطفال لبنان كما ينفذون زيارات باستمرار للأطفال في مستشفى خليفة ومركز ذوي الاحتياجات الخاصة ويحملون لهم الهدايا،كما ساهمت مدرستهم في بناء مسجد وبئر في اندونيسيا من خلال الهلال الأحمر.
ولكن ثريا ترى أن الأمر لا يجب أن يقف عند هذا الحد فلا بد أن تكون هناك مساهمة يتفاعل فيها الطلبة أكثر وأن يكون للعطاء والتطوع إستراتيجية عمل رسمية من قبل وزارة التربية ومناهج تدعم وتنظم العمل فمثلا ما يقدم للطلبة المرحلة الابتدائية من ناحية مشاركات ومساهمات وثقافة عطاء يجب أن تدعم في المراحل الأعلى من خلال جعل هؤلاء الطلبة يساهمون في مؤسسات خدمية متنوعة سواء مؤسسات العمل الخيري والمستشفيات والدفاع المدني وغيرها ليشعر الطالب بمعنى العطاء للوطن وتحمل المسئولية ويعتاد على احترام كل مهنة وكل عامل، وتحسب كنشاط مدرسي ويستغل من خلالها هذا الكم من الفراغ خاصة لدى الشباب.
ثقافة العطاء
وتبين هناء الأخصائية الاجتماعية أن التعامل مع العمل الخيري يحتاج إلى ثقافة وأسلوب ينظم هذه القيمة ويستخرجها من قبل الجمهور المستهدف، فقبل عمل أي حملة نقوم بنشر الوعي بأهمية هذه الحملة والعائد منها وطريقة المساهمة في إنجاحها عبر الإذاعة المدرسية والمنشورات والإعلانات إضافة للمحاضرات الدينية والاجتماعية التي توقض وتفعل السلوك لدى الطالبات .
وتؤكد ناعمة إبراهيم النعيمي مديرة مدرسة نورة بنت سلطان أن نزعة العطاء والتطوع الخيري متواجدة لدى أبناء دولة الإمارات العربية المتحدة منذ القدم، بسبب ديننا الإسلامي الذي يحث على هذه القيم والتكافل والترابط الاجتماعي الذي يمتازون به، وحين ظهر المفهوم الحديث في العمل الخيري والعطاء لم يكن غريبا عليهم حيث عايشوا هذا السلوك وشاهدوا أجدادهم يتعاملون معه .
تفعيل القيمة
وتضيف النعيمي أن المفهوم الجديد للعمل الخيري وثقافة العطاء داخل المدارس يختلف بين المدارس، رغم رغبة الطلبة في العطاء والمساهمة في العمل الخيري، لذلك يجب أن تتخذ وزارة التربية والتعليم بعض الإجراءات الجدية لتفعيل هذا التوجه المهم والذي تبناه نائب رئيس الدولة في خطته الإستراتيجية للدولة وحث رجال الأعمال عليه، وعليه يجب أن تتبنى الوزارة هذا التوجه من خلال قرار رسمي يلزم المدارس بتفعيل هذه القيمة من خلال عدد من المشاريع والأنشطة التي تطرح في المدارس ويتم التعاون مع مؤسسات خيرية أخرى ، بل وتكون لها درجات معينة في نشاط الطلبة أو سلوكهم يشجعهم بممارسة هذا السلوك فعلا وعملا لحين أن تصبح هذه القيمة سلوك دائم يتبعونه .
مجال أوسع
أما مهرة الفلاحي رئيسة مجلس أمهات مدرسة الآفاق النموذجية فقد أشارت إلى حرصهم على مساعدة المحتاجين في المدرسة ليس على مستوى التبرعات الرسمية بل حتى بمبادرات شخصية من المدرسة في حال معرفة الطالبة أو الأسر المحتاجه وخاصة تلك المتعففة ولكن المنطقة التعليمية لا توافق إلا على الحملات في إطار محدد وترفض فكرة جمع تبرعات من الطلبة لمساعدات ترغب المدرسة في جمعها لمساعدة طالبة أو أسرة محتاجة فالمجال محدود حتى على مستوى التعاون مع جمعيات خيرية مختلفة ،وطالبت الفلاحي بضرورة فتح مجال أوسع للمشاركة في جوانب العطاء المختلفة خاصة بما يخدم الإمارة التي بها المدرسة.
استطلاع: لبنى أنور، رباب جبارة
