ملامح وجهها تدل على مدى براءتها، فهي طفلة في عمر الزهور لا يتجاوز عمرها ثمانية أعوام، وفي الصف الثالث الابتدائي. في أحد الأيام طلبت منها مدرسة الألعاب الرياضية أن تشارك زميلاتها في اللعب، لكنها قالت بأنها تتعب بسرعة ولا تريد لزميلاتها أن يهزأن منها، إلاّ أن المدرسة طلبت منها أن تنسى هذا الأمر وأن تتغلب على تعبها الذي قد يكون وهماً، وأن تبدأ التمارين الرياضية مع بقية زميلاتها.

الانتقال إلى المستشفى

تحت إلحاح المدرسة وافقت «ش» على المشاركة في تمارين رمي الكرة على السلة المُعلقة على الحائط، استمرت في اللعب دون أن تشعر بالتعب، وهنا تقدمت منها مدرستها قائلة لها عليك أن تشاركي زميلاتك في اللعب والتمرين كل يوم، فما تشعرين به من تعب مجرد وهم يجب أن يزول وسأساعدك على التخلص منه.

عادت «ش» فرحة إلى بيتها فلأول مرة تلعب بهذا النشاط دون أن تشعر بتعب، لذا ما كاد يأتي اليوم الثاني حتى كانت أولى الفتيات اللواتي يقفن أمام الحائط لترمي بالكرة باتجاه السلة.

لم يدم لعب «ش« طويلاً، حيث وقعت على الأرض وتحول لونها إلى اللون الأصفر، وتم نقلها إلى غرفة طبية في المدرسة، حيث أسعفت وعادت إلى حالتها الطبيعية بعد حقنها بحقنة (غلوكوز)، عندما عادت إلى البيت أخبرت والدها بما حدث لها حيث ذهب في صباح اليوم التالي يسأل عما حدث لابنته فأخبرته الطبيبة بأنها كانت منهكة بسبب الإجهاد الذي يصيب عادة الطلاب والطالبات وهم يلعبون في الحر وطمأنته بأن ابنته بخير، والدليل على ذلك أنها عادت إلى نشاطها الطبيعي بعد أخذها للحقنة وبعض العصائر.

مرت الأيام وأحبت (ش) مشاركة زميلاتها اللعب، وكانت هذه المرة (النط على الحبل) قفزت، وضحكت ولعبت ثم سقطت.. سقطت على الأرض حملتها مدرسة الرياضة إلى طبيبة المدرسة لكن الطبيبة أوصت بنقلها فوراً إلى المستشفى بعد أن حاولت إسعافها، لكن (ش) لم تبد استجابة لذلك، أدخلت الفتاة إلى غرفة العناية المركزة حيث قال الأطباء في المستشفى بأنهم غير قادرين على تحديد مشكلتها الطبية قبل أن تخرج من غرفة العناية المركزة.

مر الوقت بطيئاً على أهل (ش) الذين تجمعوا في المستشفى في حين بقي والداها ساهرين يدعوان الله لها بالسلامة والبقاء. بعد أربع وعشرين ساعة خرجت الفتاة من العناية المركزة لكنها كانت متعبة جداً، وكان وجهها مصفراً ويداها الصغيرتان لا تكادان تقويان على الحركة.

المفاجأة

بعد أن استقرت الحالة الصحية لـ (ش) بدأت رحلة الفحوصات حيث طلب المستشفى من والدها بياناً عن تاريخها المرضي فقال الأب بأن ابنته كانت تعاني من بعض المشاكل عندما كان عمرها خمس سنوات حيث ذهب بها إلى مستشفى (....) وهناك أجريت لها عملية جراحية تم خلالها استئصال (كيس ماء) من بطنها وبعد ذلك بدأت تعيش حياتها العادية من دون أية مشاكل فقد كانت العملية ناجحة تماماً.

انصب تفكير الطبيب مع هذه القضية وبدأت الفحوصات تتركز على المنطقة التي أجريت فيها العملية، وبعد عمليات (إسكاننغ) لجسم الفتاة وجهازها الداخلي تبين أن إحدى كليتيها غير موجودة، لم يعر الطبيب هذه المسألة الكثير من الاهتمام ولهذا فقد أوصى. بخروج (ش) من المستشفى على أن لا تجهد نفسها كثيراً في لعب الرياضة، هنا قال الأب بأن ابنته تشعر بالتعب حتى لو سارت مسافة قليلة، فقال الطبيب ربما لأنها بكلية واحدة فهذا يسبب لها التعب.

قال والد الفتاة مستغرباً ماذا تقول؟ ابنتي لها كليتان كيف تقول بأنها بكلية واحدة، فرد الطبيب بأن جهاز (السكانر) أشار إلى أن هناك كلية واحدة، وأضاف الطبيب سأعيد التصوير مرة أخرى فلعل هناك خطأ.

بدأت الدقائق تمر كأنها سنين على والدي (ش) فقد هزتهما المفاجأة، وعندما عاد الطبيب قال لوالد (ش) إن الصور المقطعية وصور «السكانر» تشير إلى أن الفتاة بكلية واحدة.

حمل والد (ش) الصور وذهب إلى مستشفى (........) حيث أجرت ابنته عملية هناك وطلب منهم تفسيراً عن كيفية وجود كلية واحدة لابنته، مهدداً إياهم بأنه سيرفع الأمر إلى القضاء.

بدأت في المستشفى خلية نحل للبحث عن الأوراق الخاصة بالعملية، حيث أشارت إلى أن الفتاة أُجريت لها عملية استئصال كيس ماء وليس كلية، طلب والد الفتاة مقابلة الطبيب الذي أجرى العملية فقيل له إنه استقال وعاد إلى بلاده.

هنا طلب مدير المستشفى إدخال (ش) إلى غرفة التصوير المقطعي، حيث تبين من الصور وجود شيء ما مكان الكلية، حيث علل مدير المستشفى ذلك بأن الكلية موجودة ولكنها صغيرة وضامرة، وذلك (ربما) لعدم وصول كمية كافية من الدماء إليها، إما بسبب خلقي أو ربما تم قطع بعض الشرايين الموصلة للدم أثناء إجراء العملية لإزالة كيس الماء.

أصبح والد (ش) في حيرة من مره، فهو يريد جواباً قاطعاً حتى يتخذ الإجراءات القانونية، لذا أخذ الصور إلى مستشفى آخر وعرضها على الاختصاصيين هناك حيث أبلغوه بأنه لا توجد كلية.

السفر إلى لندن

أراد والد (ش) أن يقطع الشك باليقين فأخذ ابنته وسافر بها إلى لندن، حيث الأجهزة هناك أكثر تطوراً، ومن خلال الصور تبين أن الفتاة بكلية واحدة وأن الكلية أزيلت بعملية جراحية وأن العملية لم تكن دقيقة، لذا بقيت بعض النتوءات التي كونت جسماً صغيراً ظن بعض الأطباء بأنها كلية ضامرة.

أصيب الرجل بصدمة عنيفة فكيف لطبيب أن يسرق كلية ابنته بهذه السهولة؟ والأدهى من ذلك أن الطبيب استقال وعاد إلى بلاده، وهذا يعني أنه باع الكلية واستقال من المستشفى وعاد إلى بلاده قبل أن ينفضح أمره.

عاد والد (ش) بالوثائق والتقارير والصور الطبية التي تُثبت بأن كلية ابنته انتزعت منها أثناء إجراء عملية كيس الماء وأن مستشفى (.........) يتحمل نتيجة ذلك عندما عرض والد (ش) التقارير التي أحضرها من لندن على المسؤولين في مستشفى (......) أقروا بأن هناك خطأ وأن الخطأ يتحمله الطبيب الذي أجرى العملية، وقال مدير المستشفى إنه أثناء مراجعته لتقرير العملية لم يشر الطبيب إلى أي شيء عن الكلية وكل ما كتبه في التقرير أنه أجرى عملية جراحية في البطن للطفلة (ش) لاستخراج كيس الماء.

توجه والد (ش) إلى أقرب مركز للشرطة وقدم بلاغاً ضد مستشفى (.....) كما قام بالاتصال بالصحف وعرض على الصحافيين التقارير التي جاء بها من لندن والتي تبين أن الطبيب الذي أجرى لابنته العملية سرق كليتها.

تفاعلت القضية بشكل كبير وأصبحت قضية رأي عام وبدأ الكل يطالب بمعاقبة الطبيب ومحاسبة المستشفى، عندما وصلت الأمور إلى هذا المستوى بدأت المساومات مع والد (ش) بحيث يدفع له المستشفى مبلغ مليون دولار مقابل التنازل عن القضية ضد المستشفى مع متابعة ملاحقة الطبيب إلا أن والد (ش) رفض ذلك قائلا بأنه يمتلك مئات الملايين من الدولارات وانه سيلاحق الطبيب والمستشفى حتى يأخذ حق ابنته المسكينة.

تدخل الانتربول

حاولت الشرطة معرفة مكان الطبيب عن طريق الاتصال بالشرطة الدولية (الانتربول) إلا أن ذلك لم يكن سهلاً فالطبيب عندما ترك المستشفى واستقال مسح الملف الخاص به وبعنوانه وبأرقام هواتفه، لذا بدا السؤال صعباً حيث لم يتوفر إلا اسمه واسم عائلته، وعندما تم الاتصال بسفارة بلاده أفاد المسؤولون هناك بأن هذا الاسم غير مسجل عندهم وعند سؤال المسؤولين في السفارة عن إمكانية الاستدلال على الطبيب من خلال اسمه إن كان مسجلاً في جمعية الأطباء في بلاده أفادوا بأن هذا الاسم يحمله في بلادهم أكثر من (100) مليون شخص على الأقل ثم انه من المستحيل الاستدلال على طبيب من اسمه فقط وسط بلاد عدد سكانها يزيد على المليار نسمة، ثم إن إنساناً يعمل مثل هذه العملية غير الأخلاقية فإنه بالتأكيد لن يعود إلى بلاده حتى لا يتم اعتقاله ولكنه بالتأكيد يكون قد هاجر إلى بلاد أخرى لا يعرفه فيها أحد ولا يسأل عنه فيها أحد.

أحس والد (ش) بأن الأمور بدأت تسير في غير الاتجاه الذي يريده وأن الطبيب الذي اعتدى على حياة ابنته يتمتع الآن بالمال الذي أخذه مقابل بيعه لكليتها في حين أن المسكينة تعاني آلاماً نفسية وجسدية.

ذهب والد (ش) إلى مدير مكتب الانتربول وطلب منه أن يعمل المستحيل لإيجاد الطبيب قائلاً بأنه على استعداد أن يدفع كل ثروته التي تزيد على (50) مليون دولار مقابل أن يصل إلى الطبيب.

رد المسؤول الدولي بأنه تم الحصول على صورة الطبيب من احد زملائه في المستشفى حيث أقام المستشفى حفلة في رأس السنة وتم تصوير الحضور وكان من بينهم الطبيب المجرم، وأضاف بأنه تم توزيع الصورة على مكاتب الانتربول في جميع أنحاء العالم ومع ان أمر اعتقاله قد يكون صعباً إلا أنه غير مستحيل.

الانتظار الطويل

انتظر والد (ش) أشهراً طويلة كان خلالها يراجع السفارة المعنية والشرطة ومكتب الانتربول لكنه كل مرة كان يعود بدون جواب شافٍ.

أصبحت القضية تشكل معاناة يومية له ومع أن ابنته لم تعد تتألم بعد أن أوقفت ممارستها للرياضة إلا أنه لم يعد قادراً على الانتظار أكثر فهو يريد أن ينتقم من ذاك (القاتل) ويأخذ حق ابنته.

خلال هذه الفترة كان والد (ش) يراجع الأطباء ليطمئن على صحة ابنته حيث أكدوا له بان ملايين الناس يعيشون بكلية واحدة وأن الآلاف من الناس يبيعون كلاهم من أجل الحصول على مال وأن آخرين يعيشون بنصف كلية. ومع ذلك فإنهم لا يعانون من أية مشاكل كما أكدوا له بأن ابنته تستطيع أن تتزوج وتنجب بدون أية مشاكل، إلا أن هذه الأمور لم تكن تعني لوالد (ش) شيئاً فقد أصبح مصمما على الوصول إلى ذاك الطبيب بأية صورة من الصور.

فكر والد (ش) بطريقة مبتكرة وهي استخدام الإعلام في الوصول إلى الطبيب حيث سافر إلى بلاد الطبيب وهناك نشر صورة الطبيب في إحدى الصحف المشهورة ووضع مكافأة تصل إلى (50) ألف دولار لمن يدلي بأية معلومات عنه، كان والد (ش) ذكياً في طريقة صياغة الإعلان حيث قال فيه بأن الطبيب (........) له في ذمتي مبلغاً كبيراً من المال وأريد أن أصل إليه حتى أعيد له ماله.

كانت هذه هي الطريقة الوحيدة التي يمكن للصحف أن تنشر الإعلان ولو أنها كانت تعرف السبب الحقيقي لما فعلت.

بدأت المعلومات تصل إلى والد (ش) فقد كان المبلغ الذي عرضه كبيراً جداً ولهذا تسابق الكثير من أجل إعطاء معلومات عن الطبيب المذكور حيث تبين من الاتصالات الهاتفية التي تلقاها والد (ش) بأن الطبيب موجود في إحدى دول أميركا اللاتينية وفي أغلب الظن في البيرو.

عاد والد (ش) إلى بيته حيث قام بتقديم المعلومات التي حصل عليها للشرطة التي قامت بدورها بتقديمها إلى مكتب (الانتربول) كما تم الاتصال بالبعثة الدبلوماسية التي تمثل بلاده في البيرو، وطلب منها أن تتابع القضية مع (الانتربول) والشرطة المحلية في البيرو.

عندما عرف والد (ش) بأن المعلومات تؤكد وجود الطبيب في البيرو حزم حقائبه للسفر إلى هناك لكن ضباط الشرطة طلب منه أن لا يتعب نفسه لأن (الانتربول) سيتابع القضية كما أن البعثة الدبلوماسية ستقوم بالواجب، إلا أن والد (ش) قال يجب أن أذهب لأعتقله أنا بنفسي وعندما أراه، أقسم بأنني سأنتزع قلبه من بين ضلوعه. قال له الضابط إن صدق ووجدته إياك أن ترتكب أية جريمة فنحن سنطلب استلامه ومحاكمته.

رد الرجل، قائلا لقد قاضيته وحكمت عليه وعليّ أن أذهب لتنفيذ الحكم.

إعداد: أحمد سلطان