شهد الفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولى عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة المحاضرة الفكرية التي استضافها مجلس سموه بقصر البطين الليلة قبل الماضية بعنوان «الإصلاح الديني بين الغرب والشرق، أفكاره وآلياته» ألقاها المفكر اللبناني الدكتور رضوان السيد وذلك في إطار برنامج المحاضرات والأمسيات الفكرية التي ينظمها مجلس سموه طوال شهر رمضان المبارك وقدم لها الدكتور حمدان بن مسلم المزروعي رئيس الهيئة العامة للشؤون الإسلامية والأوقاف.

حضر المحاضرة سمو الشيخ سعود بن صقر القاسمي ولي عهد ونائب حاكم رأس الخيمة وسمو الشيخ حامد بن زايد آل نهيان رئيس ديوان ولي عهد أبوظبي رئيس المؤسسة العليا للمناطق الاقتصادية ومعالي الشيخ نهيان بن مبارك آل نهيان وزير التعليم العالي والبحث العلمي وعدد من الشيوخ والوزراء وكبار المسؤولين في الدولة وضيوف رئيس الدولة العلماء وجمع من سيدات المجتمع والمدعوين.

وقال المحاضر إن لدى الأمتين العربية والإسلامية فرصة في حدود السنوات العشر المقبلة لتحقيق الاستقرار الديني وتأهيل العلماء الجدد بالعلوم الدينية القادرة على استخدام مختلف الوسائل الحديثة ومواكبة متطلبات العصر ومخاطبة الغرب بلغة يستوعبها ويدرك أبعادها بعيدة عن الغلو والتطرف والعنف.

وحذر من مخاطر الجهل في فهم أصول الفقه الإسلامي أو تفسيره وفقا للأهواء أو استيراد برامج الإصلاح الغربي وتطبيقها بالعالم الإسلامي مؤكدا حاجتنا للإصلاح الديني ومذكرا بأن فترة الخمسينات من عالمنا شهدت صحوة دينية قدمت ممارسات تمثلت في الثورة على التغريب والدول الحديثة والعلمانية والتقليد الإسلامي بحجة أن الغرب استعماري ويفسد الإسلام ولم تسلم المذاهب الأربعة من ذلك.

واستعرض السيد ظهور الحركات الإسلامية في بعض الدولة الإسلامية والعربية وما كانت تهدف إليه من السيطرة على الدولة وتطبيق الشريعة الإسلامية بحجة وجوب أن تقوم في العالم الإسلامي دولة تطبق الشريعة الإسلامية.

وحذر من مخاطر «الإسلام المحدث» مشيرا إلى أن هذا الزمان يشهد صراعا دينيا وسياسيا غير مسبوق ومعظم الدول لديها معارضة إسلامية وبعضها عطل المؤسسة الدينية والأخر يحاربها وألغى وجودها مما أوجد لدينا أصولية دينية عنيفة.

وحذر من مخاطر الفتاوى التي تصدرها بعض المؤسسات الدينية وفقا لأهواء الحكام داعيا للعودة للتصالح الديني والتعهد بعدم العنف والالتزام بآليات التعامل السياسي مستشهدا بخطورة ما يجري في فلسطين بعد إقحام حماس نفسها بالسياسة.

ودعا لإعادة النظر برؤيتنا للمؤسسة الدينية وعدم الاستخفاف بها وإعدادها بما يتلاءم ومتطلبات العصر مستشهد ا بردود أفعالنا على ما نواجهه من إساءة للرسول محمد عليه السلام كان آخرها الرسوم الكاريكاتيرية التي نشرت في بعض الصحف الأوروبية وخاصة الدنمارك.

وأشار المحاضر لوجود مليار و400 مليون مسلم في العالم منهم 200 مليون يعيشون في الغرب وقال لا نريد من خلال اندفاعنا للرد على المعتدين أو المسيئين تحويل الإسلام وما يتعرض له إلى مشكلة عالمية مشيرا لتدمير «الإسلاميون والسلفيون الأصوليون» للمؤسسة التقليدية الإسلامية وأن لدينا إسلام جديد يريد الاستيلاء على الدولة.

وكان المحاضر أستهل حديثة باستعراض تاريخي لمفهوم الإصلاح الديني موضحا أنه ليس مصطلحا إسلاميا أو عربيا بل ظهر في القرن السادس عشر على أيدي مارتن لوثر مؤسس حركة الإصلاح البروتستانتي الذي رفع شُعلة الإصلاح ساعياً إلى تطهير المسيحية من العقائد غير الأصيلة ومنها الإيمان بصكوك الغفران.

وأوضح أنه لم يكن في حسبان لوثر أن يتحول أرقه إلى ثورة إصلاحية كبيرة عمت القارة الأوروبية ولم يكن يدور في خلده أن تُسفر مسيرته عن صلح «وستفاليا» الشهير في عام 1648؛ ذلك الصلح الذي وضع حجر الأساس لعلمنة الغرب.

وذكر أن الموقف العنيف لبابا الفاتيكان ـ ليو العاشر آنذاك ـ قلب قضية لوثر رأساً على عقب فمن مُدافع عن سُمعة البابا، أضحى لوثر من أشد المُهاجمين للكرسي المقدس ولم يكن موقف البابا سهلاً أو بسيطاً، فهو لم يكتف فقط بطرد لوثر من الكنيسة الكاثوليكية، باعتباره ناقضاً لفكرة صكوك الغُفران، بل وصفه بالانحراف والهرطقة وهو وصف كان يتبعه عقاب الحرق وسط الناس أجمعين.

وقال المحاضر لم يكن بوسع لوثر ساعتها إلا الهرب وطلب الحماية من أمير سكسونيا، فريديريك ذه وايز، الذي أظهر استعداده لاحتضانه ومساعدته وبدأ لوثر توسيع نطاق معركته من محاربة صكوك الغُفران إلى محاربة البابوية، بمعنى أدق إلى محاربة سلطة البابا سواءً على الكتاب المقدس أو على الحكام المدنيين.

وأوضح أن البابا كان يريد توسيع كنيسة القديس بطرس لشراء لوحات فنية وكنوز وممتلكات أخرى فاصدر صكوك الغفران لغايات جمع الأموال مشيرا إلى أن الكنيسة عانت ولمدة 3 قرون من احتكارها الديني للسلطة السياسية وأكثر من أيد ودعم لوثر سياسيون ورجال إقطاع.

وأشار لنشوب حربين في أوروبا بسبب الانشقاق الديني الأولى استمرت 90 عاما والأخرى 30عاما إلى تم التصالح الديني في العام 1946 وصولا للعلمانية الفرنسية ونشوء الدولة القومية.

وقال لم تشتعل الحروب فقط بين البابا والبروتستانت، بل اشتعلت أيضاً بين البروتستانت أنفسهم وأكبر دليل على ذلك، اندلاع «حرب الثلاثين عاما» (1618- 1648) التي مثلت عراكاً شرساً بين اللوثريين والكلفانيين ولم تضع الحرب أوزارها إلا بعد انعقاد مؤتمر كبير، سُمي بصلح ويستفاليا حيث شارك فيه 121 مندوباً من ممثلي الحكومات في العالم الأوروبي.

وأوضح المحاضر أن منطقتنا العربية عرفت مصطلح الإصلاح الديني في أواخر القرن التاسع عشر وظهر في سياق مختلف عما عليه الحال في أوروبا مشيرا إلى أن أول من بدأه عدد من المفكرين اللبنانيين الذين هاجرو لمصر موضحا بأن الدول العربية لم يكن لديها تنازع بين الدين والدولة.

و ذكر بمنهج الإمام محمد عبده ومدرسته في الإصلاح الذي كان يرتكز على الوسطية بين أهل الجمود والتقليد للموروث وبين أهل الجمود والتقليد للوافد الغربي، معتبرا أن الوسطية ليست خيارا ذاتيا ولكنها منهج الإسلام، فهي النجاة من الاستقطابات الحادة بين تيار الغلو الديني والغلو اللاديني، فعندها يلتقي العقل مع الإيمان.

وأشار إلى أن عبده خاض معركة كبيرة كان العقل ميدانها ضد غلو السلفية التي تنكرت لهداية العقل ووقفت عند حدود النصوص غافلة عن مقاصدها الشرعية، وضد غلو المادية الوضعية التي رفعت شعار «لا سلطان على العقل»، ثم تناول قضية مهمة في المشروع الإصلاح للإمام وهي موقع الدين في الدولة، مؤكدا أن فكر الإمام الوسطي جمع بين الدين والدولة، كما جمع بين سلطة الأمة ومرجعية الشريعة.

وحذر من خطورة الانغلاق الفكري وقال أحدث احتكاكنا بالغرب انبهاراً بمنجزاته، ففي خلال الأربعين سنة الماضية لم يكن لدينا مشروعا واضحا، كان مشروعاً ـ إذا صحّت تسميته كذلك ـ دفاعياً ؛ لصون الهوية خوفاً من الغرب ومخاطره فعلى المستوى العملي لم تكن لدينا أية مناعة وكنا مستسلمين، وعلى المستوى الفكري والثقافي كنا ممانعين مما خلق واقعاً فكرياً وثقافياً وعملياً متناقضاً ؛ بمعنى أنه لا توجد صلة بين أفكارنا عن الإسلام وعن هويتنا، وبين ممارساتنا على مستوى الشأن العام، وعلى المستويات الفردية.

واختتمت المحاضرة بالرد على أسئلة الحضور والتعقيبات التي أجمعت على ضرورة إخراج المسلمين من محنتهم ووقف الاقتتال الطائفي في فلسطين والعراق ولبنان وبقية الدول الإسلامية الأخرى لتحقيق مصالح فئوية على حساب الأوطان.

أبوظبي ـ إبراهيم السطري