أكد الداعية السعودي الشيخ أحمد بن نافع المورعي ان ممارسات بعض المسلمين في شهر رمضان لا ترقى ـ إيمانا واحتسابا ـ إلى مستوى روحانيات الشهر الفضيل، وأن هذا البعض يضيعون ثواب صيامهم في مشاهدة المسلسلات التلفزيونية والأفلام والإنترنت، مضيعين بذلك ثوابا عظيما كان يمكن أن يحظوا به، إذا ما شغلوا هذا الوقت المهدر في الذكر والعبادة وتلاوة القران.

وقال فضيلته خلال المحاضرة التي ألقاها مساء أمس الأول بعنوان «الفكرة العابدة والفكرة العابثة»، ضمن فعاليات الملتقى الرمضاني السادس الذي تنظمه دائرة السياحة والتسويق التجاري في دبي تحت شعار «حامل المسك»، والتي تقام بالخيمة الرمضانية في منطقة الطوار بالقصيص: «إن الصائم يقضي ثلاث ساعات يوميا على الأقل في مشاهدة مثل تلك البرامج، فيما كان يمكن أن يستثمر هذا الوقت في ذكر الله فيكسب بذلك فيها ما لا يقل عن 120 مليون حسنة».

وشهد المحاضرة جمع من الجمهور في الخيمتين الرجالية والنسائية، تقدمهم محمد خميس بن حارب المدير التنفيذي للعمليات والتسويق بالدائرة وعدد من المسؤولين وعموم المسلمين.

وشرح فضيلته ذلك بقوله: إن المسلم إذا ذكر كلمات «سبحان الله، والحمد لله، ولا اله إلا الله، والله اكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله» والتي تستغرق 5 ثوان يحصل خلالها على 50 ألف حسنة، ما يعني بلوغها في الساعة 60 مليون حسنة، وتتضاعف بمضاعفة الوقت.

بدأ الشيخ المورعي محاضرته مثمنا جهود دائرة السياحة واللجنة المنظمة للملتقى على تنظيم هذا الحدث، الذي استمر للعام السادس على التوالي، كونه مصدر إشعاع إسلامي ومنبع نور رباني للمسلمين.

وحث فضيلته المسلمين على الصدقة والإكثار من العمل الصالح في شهر الطاعات، مستشهدا بموقف التصدق بالشاة الا كتفها، الذي حدث في عهد خاتم المرسلين، والذي سأل فيه صلى الله عليه وسلم عما تبقى منها، فقيل له: فنيت كلها إلا كتفها، فقال صلى الله عليه وسلم: بل بقيت كلها إلا كتفها، قاصدا قول الله تعالى «ما عندكم ينفد وما عند الله باق».

ولفت إلى أن شهر رمضان من الشهور التي ينتظرها المسلم كل عام، ومن قبله بشهور يدعو المسلمون الله أن يبلغهم رمضان، حتى اذا جاء شهر رجب، دعوا «اللهم بارك لنا في رجب وشعبان وبلغنا رمضان»، فإذا جاء شعبان صاموا وبدؤوا في تلاوة القرآن كما كان المصطفى صلي الله عليه وسلم والسلف الصالح يفعلون. يأتينا شهر الرحمة ـ أضاف الداعية- ثم يمر سريعا.. فمن منا يصدق ان الليلة هي ليلة التاسع عشر.. متسائلا: ترى نحن من أي فريق؟

الإيمان والاحتساب

وحول الفكرة العابدة والفكرة العابثة، أشار المحاضر إلى قضية الصوم إيمانا واحتسابا، وقال هناك بعض المسلمين من يصوم حقا ويلتزم أوامر الله وينتهي نواهيه، ويكون واحدا من ثلاثة.. أما صوم العموم، أو صوم الخصوص أو صوم خصوص الخصوص.

ثم تناول قول الله تعالى «ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقا من المؤمنين» سائلا الحضور: أي صنف تريد ان تكون منهم؟ فمن الناس من يصوم بلا إيمان ولا احتساب، بل هو صوم عن الطعام والشراب، ويفطر على ما حرم الله.

وأكد المورعي بان الصوم المقبول عند الله تعالى هو القائم على الإيمان والاحتساب، وهو الفكرة العابدة، أما ما دونه فهو الفكرة العابثة.

ورصد المحاضر العديد من الممارسات التي وصفها بأنها سلوكيات عجيبة في رمضان وتصنف ضمن الأفكار العابثة، ومنها ان الصيام سببا للعصبية، الإسراف في الشراء للمواد الغذائية حتى أصبح لشهر رمضان ميزانية مخصوصة، ويستعد الناس متفننين في أنواع الموائد العامرة، وهو ما ينتفي والحكمة من الصوم، ضاربا المثل بسيدنا يوسف وهو الأمين على خزائن مصر، حيث كان دائم الصيام، وعندما سئل عن ذلك قال: «أخاف أن اشبع فأنسى الجائع».

ويستطرد فضيلته في استدعاء الأفكار العابثة، ومنها الغيبة والنميمة في رمضان، ساعد على نشر ذلك وسائل الإعلام وخصوصا التلفزيون، الذي يستعد جيدا قبل فترة من قدوم رمضان بالمسلسلات والأفلام والبرامج وغيرها.

ثم تساءل مستنكرا: جميل أن يهيئ الإعلام لرمضان وان نستعد له ولكن بماذا؟

ومن المشاهد العابثة التي رصدها فضيلته أيضاً اكتظاظ المساجد في الأيام الأولى من رمضان بالمصلين للدرجة التي لا يستوعب معها المسجد هذه الأعداد فيصلون في باحات المساجد الخارجية، وسرعان ما يبدأ هذا الاكتظاظ في الانسحاب، حيث تتسابق الفضائيات بكم هائل من البرامج والدراما والمسلسلات والأفلام، فيما كان الأحرى بها ان يزيدوا جرعة البرامج الدينية النافعة.

ووجه خطابه إلى المسؤولين عن القنوات الفضائية بان يصوموا مع الصائمين، وان يراعوا الله في ما يبثونه من برامج ومسلسلات، وان يجعلوها تحفز المسلمين على الطاعة، وتكون أعمالهم شاهدة لهم لا عليهم.

وانتقد فكرة عابثة أخرى وهي إن بعض الناس يقلب ليله نهارا ونهاره ليلا، بسبب الدورات الرياضية والعبثية في ليل رمضان، والتي تستمر حتى صلاة الفجر بعدها يذهب إلى النوم فيضيع عليه صلاتي الظهر والعصر.

وتناول الدورات الكروية الرمضانية و«البلوت» ولعبة «الورق»، وغيرها مما يجتمع عليه الشباب في رمضان ويتفقون على تلك الافكار العابثة، مستدركا ان الرياضة بشكل عام وكرة القدم خصوصا ليست من المحرمات اذا لم تشغل المسلم عن العبادة والعمل.

أفكار عابدة

وانتقل الشيخ نافع المورعي إلى الأفكار العابدة قائلا:«إن أفكار الخير كثيرة وأهمها من يستغل رمضان في قراءة القران الكريم ضاربا المثل بالإمامين الشافعي وابوحنيفة، اللذين كانا يقرآن القران 60 مرة في شهر رمضان.

وكان الإمام مالك والزهري وابن الحكم ـ رضي الله عنهم أجمعين ـ اذا اقبل رمضان تركوا دروس العلم واقبلوا على قراءة القرآن.

وأوضح أن الكثير من صالحي هذه الأمة يداومون على ذلك ونحن نقتدي بهم، مطالبا الصائمين بأن يكونوا من أهل الأفكار العابدة لا الأفكار العابثة.

وقال انه كان قد وصل إلى الإمارات عصر أمس واستغرقت رحلته من المملكة العربية السعودية إلى هنا 4 ساعات، قرأ خلالها 14 جزءاً من القرآن الكريم، في الوقت الذي رصد فيه كثيرا من المسافرين وقد امضوا وقتهم في اللعب بالكمبيوتر » اللاب توب»، أو مطالعة الصحف وغيرها.

وعدد الأفكار العابدة مثل التعاون الجماعي في كفالة الأيتام، ومساعدة الأرامل والمعوزين، ومدارسة سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم والسعي مع آخرين للجمعيات الخيرية.

وقال» ان بعض العائلات يمكنها ان تجعل رمضان فرصة للالتقاء فيما بينهم على طاعة الله».

وأكد الداعية الشيخ المورعي على ان مفهوم العبادة في الإسلام هو كل عمل نعمله لله، وأفضل العبادات ما كان نفعها يمتد للآخرين.

وقال: «إن الله هيأ بعض الناس لقضاء مصالح بعضهم البعض، ومنهم من هيأه الله للصلاة، وآخرون للقرآن وآخرون للصدقة.. فكل يعمل ما يستطيع وهو في طاعة الله، محذرا من شياطين الإنس الذين يكثرون هذه الأيام عن شياطين الجن.

وقد ألقى الطالب سلطان عيسي الحوسني من مدرسة النخبة النموذجية خطبة «خطيب الأمة» بعنوان «حب الصالحين» ضمن الأمسية الرمضانية.

وبعد أن استهل الطالب الحوسني خطبته بالحمد والوحدانية قال ان الله جعل حب الصالحين طريقٌ إلى الجنة، والرسول عليه الصلاة والسلام يقول عن هذا الحب: « ثلاثٌ مَنْ كُنَّ فيه وَجَدَ بهن حلاوةَ الإيمانِ « منها-: «وأنْ يُحِبَّ المرءَ لا يُحِبُّه إلاَّ للهِ» لا للونه أو نسبه، ولا لمنصبه أو شهامته أو عصبه، ولكن لأنه مؤمن بالله العظيم. فالإيمان له حلاوة يذوقها أولياء الله، الذين قال الله عنهم: الأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِينَ

وذكر ان ابن عمر قال: «والله الذي لا إله إلا هو، لو أنفقتُ أموالي غُلقاً غُلقاً في سبيل الله، وصمت النهار لا أفطره، وقمت الليل لا أنامه، ثم لقيتُ اللهَ لا أحبُّ أهل الطاعة، ولا أبغض أهل المعصية، لخشيت أن يَكُبَّنِي اللهُ على وجهي في النار».

وأكد على أن الإسلام يُبنى على الحبِّ، والحبُّ شجرةُ الإسلام، ولا يمكن أن تكون ولياً لله حتى تحب أولياء الله، فمن هم أولياء الله الصالحون؟

هم أهل المسجد والمصحف والحديث والاستقامة والخير للمسلمين.

وقام عليه الصلاة والسلام خطيباً، فتحدث فقاطعه أعرابي، وقال: متى الساعة يا رسول الله؟ فلما انتهى قال: ماذا أعددت للساعة؟ قال الأعرابي: يا رسول الله... والله ما أعددت لها كثير صيام ولا صدقة ولا صلاة، ولكني أحب الله ورسوله، قال عليه الصلاة والسلام: «المرء يحشر مع من أحب.

ليعرف كل منكم من يصاحب، ومن يؤاكل، ومن يحب، قال صلى الله عليه وسلم في حديث حسن: «لا تصاحب إلا مؤمناً، ولا يأكل طعامك إلا تقي».

دبي ـ السيد الطنطاوي