شهد مجلس الشيخ صقر بن راشد القاسمي الرمضاني نقاشاً ساخناً حول الأمراض الوراثية وتأثيرها على الأجيال القادمة، فقد ركز الأطباء المشاركون في الجلسة على خطورة هذه الأمراض ومدى الآثار السلبية التي تتركها على الأسرة والمجتمع، بالإضافة إلى النفقات التي تتكبدها الدولة لعلاج مثل هذه الحالات والتي يمكن تفاديها بمجرد القيام بإجراءات الفحص الطبي ما قبل الزواج للزوجين.
والذي يجب أن لا يقتصر على الأقارب فقط بل يجب أن يشمل جميع المقبلين على الزواج للتأكد من خلو أطفالهم من الأمراض التي قد يكون بعضهم يحملها دون علم منه، كما شهد المجلس تأكيداً شرعياً من خلال الكلمة التي ألقاها الدكتور عمر عبد الكافي على أهمية القيام بهذه الفحوصات لضمان وجود الأسرة والمجتمع السليم التي دعا إليها الدين الإسلامي الحنيف.حضر المجلس الشيخ محمد بن صقر القاسمي وكيل وزارة الصحة المساعد مدير منطقة الشارقة الطبية والشيخ خالد بن صقر القاسمي والشيخ راشد بن صقر القاسمي والشيخ ماجد بن حمد القاسمي والشيخ ماجد بن سعود القاسمي وعبدالله آل صالح وكيل وزارة الاقتصاد .
والدكتور أمين الأميري وكيل وزارة الصحة المساعد مدير إدارة خدمات نقل الدم والأبحاث بالوزارة ومحمد دياب الموسى المستشار بالديوان الأميري بالشارقة ومحمد عبدالله الزرعوني نائب مدير منطقة الشارقة الطبية وعبد الرزاق رشيد مدير إدارة الطب الوقائي بالشارقة وتركي المدفع نائب مدير الطب الوقائي والدكتور جميل تركي استشاري الأمراض الوبائية بمنطقة الشارقة الطبية وعدد كبير من المسؤولين والعلماء ورجال الدين والأطباء في مختلف التخصصات الطبية.
نقلة نوعية
وفي بداية الجلسة أشاد الشيخ صقر بن راشد القاسمي بالدعم الكبير الذي يوليه صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة للعلم والعلماء والذي تجسد بشكل واضح للجميع، من خلال إنشاء المدينة الجامعية وما تحتويه من منارات علمية يعود نفعها وخيرها لأبناء الوطن والمقيمين على أرضه الطيبة.
كما أشاد بالرعاية التي يوليها سموه للمشروعات الصحية التي تنفذها منطقة الشارقة الطبية والتي تمكنت بفضل هذا الدعم من تحقيق نقلة نوعية في تقديم الخدمات الوقائية والعلاجية على مستوى إمارة الشارقة من خلال سعيها الدؤوب لإنشاء مراكز صحية متكاملة لتقديم هذه الخدمات في جميع مدن ومناطق الإمارة.
ونوه الشيخ صقر بن راشد القاسمي بالجهود التي تقوم بها منطقة الشارقة الطبية لتوفير الخدمات العلاجية والوقائية في جميع المناطق الآهلة بالسكان في كافة مناطق الإمارة وتزويدها بأحدث المعدات والأجهزة وتوفير الكوادر البشرية اللازمة لتقديم أرقى الخدمات للمترددين على المستشفيات والمراكز الصحية التابعة للمنطقة.
تقليل الإصابات
من جانبه أشاد الشيخ محمد بن صقر القاسمي وكيل وزارة الصحة المساعد مدير منطقة الشارقة الطبية بالدعم الذي يقدمه الشيخ صقر بن راشد القاسمي لكافة الفعاليات الصحية التي تنظمها منطقة الشارقة الطبية وحرصه على استضافة الندوة الصحية الرمضانية السنوية في مجلسه بحضور جمع كبير من الأطباء والمهتمين.
وأكد أن تنظيم هذه الندوة يأتي في إطار خطة المنطقة لتفعيل مجالات التوعية ونشر المعلومات في اكبر قطاع في المجتمع حول الأمراض الوراثية الخطيرة وطرق الوقاية منها، والمساهمة بالتالي في تقليل الإصابات والأمراض وتخفيف العبء عن المستشفيات والمراكز الصحية في الدولة من خلال المشاريع الصحية التي تنفذها المنطقة في المناسبات المختلفة وبخاصة في دورات مهرجان رمضان الشارقة بهدف تحقيق الوعي الصحي للقاطنين كافة.
وقال إن منطقة الشارقة الطبية ووزارة الصحة تواصلان تنفيذ خططهما الرامية للارتقاء بمستوى الخدمات الطبية في الدولة من خلال التركيز على التحسين النوعي للرعاية الصحية، منوها إلى أهمية الجهود المبذولة في سبيل تعزيز مهنة الطب من خلال تشجيع الأطباء على متابعة ودراسة العلوم المستجدة والتمكن منها خاصة.
وان الطلب يتركز على نوعية متطورة وعالية من الكفاءات في مثل هذه المهن التي يتوجب على أصحابها الإخلاص والتفاني في تقديم الأفضل لما فيه مصلحة المرضى والحصول على ثقتهم مؤكدا حرص منطقة الشارقة الطبية على تجويد الخدمات الصحية لأجل الوصول إلى الهدف الأسمى في تقديم خدمة مثلى للمرضى والمراجعين بصورة أفضل.
زيادة الأمراض الوراثية
وقال الدكتور أمين الأميري في كلمته التي ألقاها في المجلس إن الأمراض الوراثية في ازدياد وذلك بسبب جهل المقبلين على الزواج بأهمية الفحص الطبي قبل الزواج، منوهاً بأنه أصبح هناك قرار يلزم المقبلين على الزواج بإجراء مثل هذه الفحوصات بالإضافة إلى توفر الأجهزة الطبية المخصصة لهذه الغاية.
وقال: إن هذا الإجراء لا يؤدي إلى منع الراغبين في الزواج من إتمام زواجهم وإنما يقدم لهم المشورة والنصيحة والطرق التي تمكنهم من تجاوز مثل هذه الأمراض ويعود لهم القرار في الزواج أو عدمه.
وأشار إلى أن الأمراض الوراثية من أخطر ما يهدد الأجيال لأنها تنتقل وعبر المورثات من جيل إلى آخر، وبين أن من الأمراض الوراثية الخطيرة في المجتمع الإماراتي يأتي مرض الثلاسيميا والذي يعتبر العلاج الوحيد له هو نقل نخاع العظم.
وقال: إن مرض الثلاسيميا لا يشكل عبئاً على المريض وحده بل إنه يشكل عبئاً أيضاً على الأسرة والمجتمع والخدمات الصحية المقدمة له حيث يكلف المصاب بهذا المرض مبالغ كبيرة لعلاجه، وأشار إلى أنه يمكن باتباع الفحوص المطلوبة تجاوز هذه الأمراض بشكل نهائي، منوهاً بأن قبرص كانت من أكثر الدول إصابة بالمرض وهي حالياً من أقل النسب عالمياً.
وأكد الأميري أن المشكلة لا تقتصر فقط على زواج الأقارب فإذا كانت الأسرة لا تحمل أي مرض وراثي فليس هناك مانع من الزواج، مشدداً على أن الفحص يهدف جميع المقيمين على دولة الإمارات سواء كانوا مواطنين أو غير مواطنين وذلك لمنع ظهور مثل هذه الأمراض الوراثية مستقبلاً.
مشكلات طبية واجتماعية
وأشار الدكتور عصام ضهير أخصائي أمراض الدم الوراثية ومنسق مركز الثلاسيميا في دبي إلى أنه عند الحديث عن الأمراض الوراثية ينقسم الحديث عن مشكلات اجتماعية وطبية وقال: إن مرض الثلاسيميا لا تظهر على المريض المصاب به أية أعراض إصابة ولهذا فقد يكون الشخص حاملاً للمرض دون أن يعرف، ولهذا فإن الفحوصات لأفراد العائلة تؤدي إلى معرفة المشكلات الصحية الوراثية التي يمكن أن يصاب بها الأطفال.
وبين أن خطورة مرض الثلاسيميا أن المصاب به يحتاج إلى علاج طوال حياته ويحتاج إلى نقل دم دائم والذي يؤدي أيضاً إلى وجود مشكلات أخرى كزيادة نسبة الحديد وترسباته بالقلب ما يقود إلى وفاة المرضى بالآثار الجانبية لنقل الدم، بالإضافة إلى وجود بعض الأعراض الجانبية الأخرى التي تؤثر على نمو الطفل المريض وقدراته.
وأوضح أن العلاج الوحيد لمرضى الثلاسيميا هو زراعة نخاع العظم وهذا النوع من العمليات غير متوفر حالياً في الإمارات كما أنها تحتاج إلى متبرع تتطابق أنسجته بنسبة تصل إلى 30% مع أنسجة المريض، وفي حال توفر هذا الأمر فإن المريض قد يعاني من مضاعفات صحية .
بالإضافة إلى أن تكلفة علاج المريض تصل إلى مليون دولار تقريباً، بالإضافة إلى أن تكلفة علاج المريض سنوياً تصل إلى 12 ألف درهم، وهذا طبعاً كله يقود إلى تكلفة مادية كبيرة على الأسرة وعلى المجتمع الذي يتكبد كذلك نفقات كبيرة لتأمين العلاج لهؤلاء المرضى.
وأوضح أن مجرد الفحص الطبي قبل الزواج يقود إلى القضاء على هذه المشكلات من خلال التعرف إذا كان الوالدان يحملان المرض أما لا، ونوه بأن قرار مجلس الوزراء في إلزامية الفحص الطبي قبل الزواج وعدم إقامة العقد دون وجود مثل هذا الفحص يعد قراراً ناجحاً جداً لضمان الحالة الصحية للأفراد والمجتمع وكذلك للحالة الاجتماعية للأسرة بحد ذاتها لأن هناك الكثير من الأسر التي كان أحد أفرادها يعاني من مرض الثلاسيميا حدثت فيها مشكلات كثيرة كالطلاق بين الزوجين وتفكك الأسرة بهجر أحد الوالدين المنزل، بالإضافة إلى التعامل السيئ مع الطفل المصاب بالمرض.
ودعا الدكتور ضهير إلى ضرورة زيادة التوعية في المجتمع بمثل هذه الأمراض وطرق الوقاية منها عن طريق وسائل الإعلام المختلفة والندوات والمحاضرات والجلسات الاجتماعية المختلفة، وقال: لابد من ايجاد استراتيجية للحد من هذه الأمراض حيث أن الإمارات تعتبر من أعلى نسب الإصابة بمرض الثلاسيميا وتصل بين المواطنين إلى 5,8% منوهاً بأن هذه النسبة أتت من فحوصات أجريت على عينة عشوائية في مهرجان دبي للتسوق.
الوضوح في العلاقة
بعدها تحدث الداعية الإسلامي المعروف الدكتور عمر عبد الكافي عن أهمية الفحص الإسلامي وشرعيته من الناحية الإسلامية، قال: إن ما تحدث به الأطباء خلال الجلسة عن أخطار هذه الأمراض أحدث الرعب في داخلنا، ولهذا فإن الفحص الطبي قبل الزواج لابد أن يكون ركناً من أركان الزواج لأنه يقي المجتمع من الأمراض المختلفة التي تتهدد الأجيال في الفترات المقبلة.
وأشار إلى أنه حتى تكون الأسرة سعيدة وبعيدة عن المشكلات المختلفة لابد من أن تقام العلاقة بينهما على أساس من وضوح المعالم ولاسيما في الأمراض التي قد يكون أحد الزوجين مصابا بها والتي تتهدد حياة الجنين في الإصابة بها أو حتى تتهدد الزوجة بالإصابة بها، وبين أن الإسلام يقدم علاجات وقائية لمنع وقوع الأمراض مستشهداً بقصة عودة سيدنا عمر بن الخطاب رصي الله عنه عن حدود الشام عندما كان فيها وباء، وقال لمن شككوا في خطوته التي أقدم عليها بأنه (يفر من قدر الله إلى قدر الله)، وبذلك فإن الدين الإسلامي الحنيف يوصي بحماية صحة أفراد المجتمع من الأمراض التي قد تهدد سلامتهم.
كما أشار إلى أن الإسلام يدعو إلى التعامل بطريقة حسنة ومميزة مع ذوي الأمراض المختلفة الذين يعانون من مثل هذه الأمراض وهذا بدوره يؤدي إلى تعزيز التكافل في المجتمع، وقال: ولحماية المقبلين على الزواج من الوقوع في مشكلة إصابة أطفالهم بأمراض وراثية مختلفة يكون بتقديم المشكلات التي يعاني منها الطرفان قبل الزواج وإيضاحها بشكل لا تكون فيه أية تورية في الأمر تؤدي إلى مشكلات مجتمعية وصحية خطيرة على أفراد المجتمع.
وبين أن المنهج الإسلامي دل على خطورة مثل هذه الأمراض التي قد تأتي عن طريق الوراثة في حديث النبي محمد صلى الله عليه وسلم الذي دعا فيه الشباب إلى الزواج من خارج إطار العائلة الواحدة حتى لا يأتي الولد مصاباً بأمراض وراثية في حال كانت هذه العائلة تحمل نوعاً من أنواع الأمراض الوراثية التي تكثر عن طريق زواج الأقارب.
وقال: إن في مثل هذه الأمور الصحية يكون الرأي في تحديد الفتوى للأطباء لأن العالم يعود إليهم للتعرف على الحالة الصحية التي على أساسها سيقيم فتواه الشرعية.
القلب والأمراض الوراثية
وقال الدكتور عارف النورياني نائب مدير مستشفى القاسمي للشؤون الفنية ورئيس وحدة القسطرة إن إمراض القلب تعتبر من أخطر الأمراض على مستوى العالم ولا توجد هناك إحصائيات دقيقة عن المصابين بهذا المرض رغم وجود إحصائيات عن مرضى السكري والتي تعتبر المسبب الأساسي لمرض القلب، وأشار إلى أنه من خلال التعامل مع مرضى القلب فإن العامل الوراثي يلعب دوراً بارزاً إلا أنه لم يتحدد إلى الآن بشكل كامل.
وتابع قائلاً إن من الحوادث الطريفة التي مرت معنا وأثبت الفحص الطبي قبل الزواج أهميتها هو إقدام شاب عمره 22 عاماً على إجراء فحص قبل خطبته لفتاة وتبين أنه يعاني من مشكلة قلبية ويحتاج إلى عملية استبدال صمام وكان في غاية الصراحة مع عائلة خطيبته وأخبرهم بحالته الصحية وقرر إجراء العملية.
ولهذا فإن من المهم جداً أن يكون هناك مصارحة كاملة بين الطرفين عن الأمراض التي يعاني منها كل طرف أو الأمراض الوراثية التي توجد في العائلة مثلاً والتي قد يكون حاملاً لمورثاتها وبعدها يحدد الطرفان رغبتهما في إتمام عقد الزواج أو امتناعهما عنه.
وبين أن الوقاية من أمراض القلب يعتمد بشكل كبير على الوقاية من مسببات هذا المرض كالسمنة وغيرها، منوهاً بأن اتباع الوسائل الصحية المناسبة كممارسة التمارين الرياضية وتناول الوجبات الخفيفة والصحية تقود إلى التقليل من الإصابة بأمراض القلب، وبين أن على من يشعر بآلام في الصدر التوجه لفحص نفسه للتعرف إن كان يعاني من مشكلات قلبية أم لا وهل يحتاج إلى تدخل جراحي أو علاجي من خلال عمليات القسطرة.
وقال: إن عمليات القسطرة والتي شهدت تطوراً كبيراً في العشرين سنة الماضية تعتبر من العمليات البسيطة والتي لا يحدث فيها للمريض أية مضاعفات إلا في حالات نادرة جداً حتى أنه لم تسجل من بين 2500 حالة أجريت في مستشفى القاسمي المزود بأجهزة حديثة ومتطورة لإجراء مثل هذه العمليات أية حالة وفاة.
الشارقة ـ عمر بدران

