وصل إلى دبي مساء أول من أمس فضيلة الشيخ محمد علي الصابوني الحاصل على شخصية العام الإسلامية من جائزة دبي للقرآن الكريم لهذه الدورة، وكان في استقبال ضيف الجائزة كل من الدكتور سعيد حارب نائب رئيس اللجنة المنظمة وسامي قرقاش رئيس وحدة العلاقات العامة والدكتور محمد سلطان العلماء رئيس وحدة علوم القرآن وعبد الرحيم حسين رئيس وحدة المالية والإدارية وعارف جلفار رئيس وحدة الأنشطة.

وحضر فضيلة الشيخ محمد علي الصابوني للاستماع إلى المشاركين في المسابقة القرآنية الدولية بغرفة تجارة وصناعة دبي، وكان لنا معه هذا اللقاء حيث أكد أن الجائزة تعتبر خطوة طيبة وسنة حسنة سنها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي راعي الجائزة.وقال فضيلته إن هذه الجائزة قربة إلى الله سبحانه وتعالى يؤجر عليها كل من ساهم فيها لأنها تقدم خدمة لا مثيل لها للقرآن الكريم، وقد أمر الله عز وجل بنشر الخير في الأمم والشعوب.وأوضح الصابوني أن تكريم العلماء واجب على المسلمين وعلى المؤسسات الإسلامية حيث رفع الله سبحانه وتعالى قدرهم من خلال العديد من الآيات ومن ضمنها «يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات»، «شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم»، مشيرا إلى أن ذلك تكريم وتشريف للعلماء.

وقال إن الأمة التي لا يوجد بها علماء وينتشر فيها الجهل أمة هالكة، والله سبحانه وتعالى لا يقبض العلم انتزاعا وإنما يقبضه بقبض العلماء كما ذكر ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأوضح أن ابن عباس حبر الأمة فسر قول الله «أو لم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها» فقال نقصا بموت علمائها.

وقال إن العلم يحتاج إلى أن يكون الإنسان مخلصا وأن يكون عاملا بعلمه لأن العلم بلا عمل كشجر بلا ثمر ويكون شقاء على الإنسان.

وأشار الشيخ الصابوني إلى أن من واجب العلماء تنبيه الناس وتربية الشباب على المثل العليا ودعوتهم إلى الخير، موضحا أن العالم ليس وحده هو من يقوم بذلك بل يسانده في ذلك المؤسسات التربوية والأسرة.

وقال إن العلماء جعل الله في أعناقهم رسالة سامية وهي الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، مؤكدا على أهمية صلاح العلماء وعدم انحرافهم لأنهم بمثابة الملح للطعام.

وعن رحلته في الدعوة قال إن من فضل الله علي أن تعلق قلبي بعلوم الشريعة، وقد قضيت سنة في مدرسة الثانوية التجارية ولم استسغ دراستها رغم أنني حصلت فيها على درجة التفوق، ونصح الكثيرين لي بأن مستقبل خريجيها في البنوك وفي الشركات الكبرى.

وقال: تحولت إلى الثانوية الشرعية وقطعت صلتي بالتجارة وغيرها، وتتلمذت على عدد من العلماء والشيوخ وحضور المجالس العلمية، مشيرا إلى أن العلم لا يأتي إلا بالرغبة القوية والإرادة، وأكرمني الله ببعثة إلى الأزهر الشريف.

مثال يحتذى

وفي لقاء مع الدكتور صالح أحمد رضا أستاذ الحديث وعلومه بجامعة الشارقة وزوج ابنته قال إن اختيار صاحب الفضيلة الشيخ الجليل أستاذ الجيل لم يكن مفاجأة لي ولا لأحد ممن يعرف فضيلته عن قرب، لما يتحلى به من صفات تجعله أهلاً لذلك، وأقدم شكري لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي على رعايته هذا الحدث الإيماني الكبير.

وقال أحببت أن أوضح بعض ما اعرفه عن هذا العالم الرفيع العالي الراقي ليكون مثالا يحتذى من طلبة العلم الذين يريدون رضا الله تعالى، ولكل مسلم يحب أن يجد الأمثلة الرائعة التي تعيش مع ربها يومها وليلها.

وأضاف: عرفت صاحب الفضيلة الشيخ الصابوني منذ ما يزيد على خمس وأربعين سنة، عرفته خطيبا لمسجد النور في حلب، فكان عالما بارزا، ومجاهدا مناضلا لإبراز مشكلات الأمة، وإعطاء حلول لها قريبة، سواء أكانت مشكلات اجتماعية أو اقتصادية، فقد كان كما أراده الله تعالى قائدا للأمة يوجه أفراد المجتمع إلى ما يصلحهم.

وقد كانت خطبه المنبرية لأنها تخرج من القلب تلقى قبولا كبيرا من أفراد المجتمع فكان المسجد يغص برواده، لقد أعجبت به خطيبا، وأعجبت به حافظا لكتاب الله تعالى، مرددا لآيات كتاب في كل وقت وحين، فلا يجده طالبه إلا وكتاب الله تعالى بين يديه يراجع حفظه فيه.

أو يمعن النظر فيه ويتفكر في معانيه، فلقد كان المنفذ الدقيق لقوله «تعاهدوا القران فانه أشد تفصيا ـ أي تفلتا ـ من الإبل في عقلها»، وزدت قربا منه، فوجدته يمتاز بالقلب الطيب النقي الذي لا يعمل إلا لخير كل الناس، ولا يحب إلا أن يوصل هذا الخير لكل من يتصل به، وحتى من لا يتصل به.

وأضاف: اقتربت منه أكثر، فطلبت منه يد ابنته لتكون شريكة حياتي وزوجتي، وكانت اكبر أولاده وأغلاهم لديه، وأحبهم إليه، فرأيت من معاملته العجب.

فحين زرته في منزله بمكة المكرمة، طلب مني أن اترك الفندق وانزل عنده في المنزل قبل أن يعرف حاجتي وحين طلبتها منه صمت، ولم يتكلم.

و في اليوم الثاني، قال لي: إن احد الشباب كان قد طلبها فسأمضي إلى الطائف حيث كان يسكن (وفي ذلك الوقت لم تكن الهواتف متوفرة) وأسأله إن كان مازال باقيا عند كلامه أم لا؟ ومضينا معه إلى الطائف حيث سأل الشاب، واعتذر بأنه قد خطب فتاة أخرى، وهذا موقف الرجل الذي يحترم كلمته ويحقق المبدأ النبوي «لا يخطب أحدكم على خطبة أخيه» فلم يجبني حتى استبرأ من طلب الأول.

ولم يتكلم معي بشأن مهر ابنته وترك الأمر لي، وهذه أيضا اتباعا للسنة النبوية، فالمهر إنما يحدد حسب مقدرة الزوج وليس طلبا من الولي.. وقد شاهدت هذا منه في تزويجه لكل بناته (وعنده سبع بنات) كان متسامحاً بسيطاً في معاملاته الأسرية.

وعرفته أستاذا جامعيا يدرس في جامعة أم القرى، فكان مثال الأستاذ الجامعي المتفاني الذي لا يعتمد على حفظه وعلمه فهو العالم الواسع المعرفة المتسع الإطلاع ورغم ذلك كان يحضر دروسه ويراجع الكتب الكثيرة، ويهيئ مادته العلمية على أكمل وجه.

وإن أول كتبه طباعة وهما «النبوة والأنبياء» و«تفسير آيات القرآن» هما مثالان عظيمان لما قلت فقد كانا أثرين من أثر تدريسه فكتابه الأول غدا مرجعا أساسيا من مراجع دراسة الأنبياء - عليهم السلام، وغدا كتابه الثاني «تفسير آيات الأحكام» المرجع الأساسي لفقه آيات الأحكام ولم يصنف مثله في بساطته وشموله ووضوحه وسهولته لا قبله ولا بعده ـ فيما أعلم ـ دقة في التصنيف وسهولة في التأليف، لعلم يوصف بالصعوبة على طلبة الجامعات، فكان كتابه تقريبا رائعا، وأصبحت أكثر الجامعات تعتمده مرجعاً لطلابها، فجزاه الله خيرا على ما قدم.

وأضاف: كان منزله في مكة المكرمة في شعب أجياد قريبا من الحرم، فكانت صلواته كلها في الحرم ما دام في منزله، لا يقصر يوما، ولا يعرف له في هذا تكاسل أو تهاون، ثم سكن بعد ذلك في حي بعيد عن الحرم، وحين انتقل إلى هناك داخلني في نفسي انه ربما صعب عليه المضي إلى الحرم، ولكنه، والله شهيد أن صلاة الفجر كانت دائما وأبدا في الحرم، وكذا صلاة المغرب والعشاء، ومن النادر جدا أن لا يمضي إلى الحرم في هذه الأوقات الثلاثة.

وعرفته في حلقته العلمية في الحرم المكي يفسر ويبين أحكام الإسلام لزوار بيت الله ويجيب على أسئلتهم.

وهو يجلس بعد صلاة الفجر يدارس القران الكريم مع احد تلامذته أو زملائه إلى أن يحين وقت صلاة الضحى فيصليها ثم يمضي إلى منزله هذا دأبه إلى اليوم.

وكان حريصا على أولاده في صلاتهم وعبادتهم وحفظهم لكتاب الله تعالى، فقد حفظ أولاده القرآن الكريم كاملاً.

وأمر الصلاة عنده عظيم لا يسمح لأحد أن يتساهل فيها ولا يتهاون فهي عماد الدين ورأس الأمر كله ويذكرنا بإسماعيل عليه السلام (وكان يأمر أهله بالصلاة والزكاة).

وأما جواره للحرم فكان حريصا عليه جدا وبخاصة في رمضان لا تفوته صلاة التراويح خلف الإمام، وإن كان في رحلة خارج مكة فيقطع رحلته وزياراته وارتباطاته ليعود إلى مكة وإلى الحرم فيقضي رمضان فيه، فإفطار رمضان لا بد أن يكون في الحرم ويبقى بعده إلى الانتهاء من صلاة التراويح وفي العشر الأواخر يمضي إلى الحرم من صلاة العصر ولا يعود إلا بعد الفجر اللهم إلا إذا كان متعباً أو يشكو مرضاً عافاه الله وأطال في عمره.

وأما النوافل فكانت عنده كما كان رسول الله لا يتركها في سفر ولا حضر محافظاً عليها على أتم وجه.

فإذا انتقلت إلى البر والصلة فحال آخر وتفوق واضح، فقد كان من الذين يشار إليهم ببر والديه ولعل ما وصل إليه من القبول في الأرض هو لبره بوالديه ودعاء والدته التي عاشت بعد والده فترة من الزمن.

فقد كان لا يرد لوالدته طلباً ويطيعها في كل ما تحبه، ويترضاها في كل شأن من الشؤون، ويسهر على راحتها ويداوم على وصلها وبرها والحفاظ على مصلحتها.

وأما صلة الأرحام فهو ممن كان يحث عليها ويقوم بها ولا ينسى أحداً من أقاربه من صلته، وكان يحمل الهدايا المختلفة لجميع أرحامه.

وأما الصدقة فقد كان واسع الخطو فيها فكم مضيت معه وقد ملأ سيارته بأنواع المواد الغذائية المختلفة يوزعها في الأحياء وبخاصة في الجبال العالية المرتفعة التي يسكنها الفقراء والمساكين، وله صدقات متنوعة بينه وبين الله لا يعلمها غيره، وإنما عرفنا وجودها من الاطلاع على بعض دفاتره.

هذا نذر يسير من السمات التي يتميز بها صاحب الفضيلة الشيخ محمد علي الصابوني.

هذا وأريد أن أذكر أنه عظيم البركة في نفسه وفي ذريته، فابنته كانت في عام (2000) هي أحد أركان الأسرة العربية المثالية في المسابقة التي تنظمها اللجان المنظمة لمهرجان دبي للتسوق وهي تحمل الدكتوراه في التربية وعلم النفس ودبلوم في علوم الأعشاب والطب النبوي، ولديها ولدان يحملان الدكتوراه وثالث في طور التحضير لنيلها.

إن هذا الرجل العظيم له أثره في المجتمع بدأه قبل أكثر من خمسين سنة.فلتهنأ الأمة الإسلامية بتكريم شيخها الذي أمدها بمداد القلم وسلطان العلم دون توقف، ونذر حياته لخدمة كتاب ربها وسنة نبيها.

ولتهنأ الجائزة بأن وفقها الله باختيار الرجل العالم الداعية ذي الصلة والبر ذي الجد والعمل.لقد كان أكثر دعائه اللهم ارزقني الإخلاص والقبول حتى الساعة يردد هذا الدعاء وينادي على أهل العلم بخاصة ليكونوا مخلصين لربهم في كل أعمالهم، ولعل الله تعالى قبل دعاءه فكانت كتبه من أكثر الكتب رواجاً وانتشاراً وطلباً على سطح الأرض.

أب متميز

وتقول الدكتورة بثينة محمد علي الصابوني: وعيت في طفولتي على أب متميز محب قريب... متفان في الرعاية، متفان في العطاء من نفسه ولسانه وقلبه.

وأضافت : عرفته منذ الصغر فكان الوالد الحاني الذي يغمرنا بالحنان، ولا يبخل على أبنائه بالنصيحة والبذل المادي والمعنوي، كما بذر في نفوسنا حب العلم وحب القرآن وحب الصلاة وحب الدين وحب الحشمة والحجاب أنا وإخوتي: سبعة إناث وثلاثة ذكور.

وقد نشأنا وتفتحت أعيننا على رجل علم يجلس في الحلقات العلمية للتدريس، ويجلس في مكتبه في البيت مؤلفاً، ويستضيف في بيته طلاب العلم وأئمته والدعاة من كل مكان، وهو مع ذلك كله قائم بالبيت كله متابعاً قضاياه موفراً طلباته، متابعاً دراسة أبنائه الصباحية في المدرسة وفي حفظ القرآن الكريم مساء.

لم يكن يهمل أسرته أو ينشغل بواجب عن واجب، فهو رجل العلم وهو رب الأسرة الذي يوفر لها احتياجاتها ويحرص على بذل الغالي والنفيس للمحافظة عليها ورعايتها. فيجلس معنا ويسامرنا ويسأل عنا ويتابع كل صغير وكبير في الأسرة، كل ذلك رغم انشغاله الكبير وإنتاجه العلمي الغزير ومراجعته المستمرة للقرآن الكريم، وتدريسه في جامعة أم القرى، وتدريسه في المسجد الحرام وتدريسه في الدروس العلمية في المدارس الشرعية.

وكنت في صغري كثيرة الشغف بالعلم مولعة بالدراسة، فوجدت من والدي متابعة وتشجيعاً رعاني لأكمل دراستي العلمية في المدارس الحكومية.

دبي ـ السيد الطنطاوي