ما إن تطأ قدماك مبنى التأهيل الطبي في مدينة الشيخ خليفة الطبية بأبوظبي، حتى يتملكك شعور غريب، ويختلج صدرك مرارة وحسرة على نزلاء المركز، ليس لأنهم لا يجدون رعاية من القائمين على المركز لا قدر الله ، بل يتلقون كل الرعاية والاحترام والتبجيل، وتقدم لهم أرقى الخدمات الطبية والنفسية والتأهيلية.
ولكن المرارة التي تعتصر صدرك على هؤلاء الآباء الذين أفنوا زهرة حياتهم في تربيه أبنائهم فكان جزاؤهم في نهاية المطاف جحود الأبناء ونكرانهم الجميل، أو على هؤلاء الأبناء الذين ولدوا معاقين وتحملوا عناء إعاقتهم بلا ذنب أو جريرة، فقاموا بالتخلص منهم بعيدا عن حياتهم الخاصة في هذا المركز الذي لا يزال يتسع صدره لكل من جار عليه الزمن وضاقت عليه الأرض ليجد المأوى والملاذ والراحة التي انتزعها منه أقرب الأقربين إلى قلبه.
وليت الأمر يقف عند ذلك الحد، بل أن بعض نزلاء المركز مضى عليهم أكثر من خمس سنوات ولم يقم أحد من أبنائهم أو أقربائهم بزيارتهم حتى في شهر رمضان الفضيل، بل إن بعض النزلاء من المعاقين لا يزالون يمكثون في المركز منذ إنشائه ولم يفكر أحد في زيارتهم ولو مرة واحدة، علما بأن المركز أنشئ منذ اثني عشر عاماً.
في رمضان الماضي نظمت هيئة الصحة إفطارا جماعيا للمسنين وذوي الاحتياجات الخاصة في مقر المركز، ودعت إليه جميع أهالي نزلاء المركز في لفته إنسانية للم الشمل وتذكير الأسر بأن لهم أبناء وآباء يجب أن يصلوهم ويبروهم ويسألون عن أحوالهم ولكن كانت المفاجأة والصدمة أن عددا قليلا جدا من الأسر التي لبت الدعوة، والكثير منهم فضل الابتعاد لأن وضعهم الاجتماعي لا يسمح لهم بأن يكون لهم أب مسن أو أبن معاق.!
ولا يمكن أن نصف الحالة النفسية السيئة التي وصلت إلى حد الاكتئاب لدى بعضهم وهم يطالعون الوجوه لعلهم يجدون قريبا رق قلبه للسؤال عنهم، أو يجدون أما أو أبا يظفرون منهما بحضن دافئ ، أو لمسة عطف وحنان.
ولكن عز طلبهم وخاب أملهم وتبددت آمالهم، وانطلقوا إلى غرفهم يطوون أحزانهم ويستحضرون آهاتهم وأناتهم ويحلمون بالأمل من جديد، خاصة أن الغالبية العظمى منهم رغم إعاقتهم يملكون قلوبا مرهفة وأحاسيس ومشاعر فياضة ويتأثرون بأقل المواقف.
إحدى الدراسات الميدانية التي أجريت في دور المسنين على مستوى الدولة أكدت أن عجز المسنين عن خدمة أنفسهم بأنفسهم وعزلتهم عن الآخرين هي من أقوى الأسباب المؤدية إلى تحويلهم إلى دور الرعاية وأن المشكلات النفسية والاجتماعية وبخاصة شعور المسنين بالحزن والاكتئاب الناجمين عن تفكيرهم بأبنائهم وأحفادهم والاشتياق إليهم وعن فقدانهم لمكانتهم في الأسرة والمجتمع، من أشد المشكلات التي تبعث على الألم والمعاناة في دور الرعاية.
جولة في أجنحة المركز
مدير مركز التأهيل الطبي إبراهيم الكويتي الذي أخذنا في جولة في أجنحة المركز يرى أن مجتمع الإمارات بما يمتاز به من قيم وعادات وتقاليد عريقة متوارثة وأسرة متماسكة عرف باحترامه وتقديره لكبار السن عبر تاريخه الطويل، ولا يزال بفضل التمسك بالمبادئ الإسلامية والتقاليد العربية الأصيلة يقوم بواجباته تجاه الآباء والأمهات من المسنين ورعايتهم وتبجيلهم وتوفير العناية والرعاية لهم.
ويضيف بأن التطور السريع الذي طرأ على مجمل الحياة في المجتمع خاصة التطور الذي حصل في القطاع الصحي والتقدم الحضاري والتكنولوجي والرعاية الصحية المتميزة بالدولة .
والتي رفعت معدل العمر إلى أكثر من 70 سنة وما استتبع ذلك من تغيرات في اتجاهات المجتمع وفي بنية الأسرة والعلاقات بين أفرادها وخروج المرأة للعمل وغيرها، كل هذه الأسباب أدت على وجود دور المسنين لتقدم لهم الرعاية الطبية والعناية الاجتماعية والنفسية وتضمن لهم حياة معيشية كريمة ربما لا تتوفر لهم في منزل الأسرة.
ويؤكد إبراهيم الكويتي بأنه من الطبيعي أن يكون المسن بين أهله وأسرته حتى لو كان مريضا، وهناك مئات الأسر التي تصمم أن يكون كبير السن تحت مراقبتها ورعايتها وتوفر له كل المستلزمات الطبية التي يحتاجها وأيضا في بعض الأحيان توفر له ممرضة تعتني به وترعاه، ولكن قد تحدث ظروف مرضية أو معيشية تحول دون ذلك بمعنى أن هناك بعض الأسر بسبب ظروف مرضية أو معيشية تحتم بقاء كبير السن أو المعاق في المركز.
وعلى سبيل المثال هناك رجل لديه عائله مكونة من ثلاثة عشر فردا يعيشون في غرفتين وصالة ولديه أخ مسن ويريد أن يظل معه ولكن لا يستطيع، ويفضل أن يبقى أخيه في المركز ليستفيد بالخدمة العلاجية والتأهيلية، فالقاعدة ليست عامة، بمعنى أن هناك العديد من نزلاء المركز الذين يلقون كل عناية ورعاية من ذويهم، وفي نفس الوقت هناك عدد من الأسر لا تريد أن تكلف نفسها عناء زيارة للمركز للاطمئنان على من يخصها، وبين هذا وذاك هناك أسر تأتي للزيارة ولكن كم مرة في العام.!
وخلال الجولة قمنا بزيارة لغرف الآباء والأمهات، وصالات الأنشطة والترفية وكل ركن من أركان المركز على الرغم من تواضعه كمبنى يؤكد بان المسنين يتلقون كل الرعاية والعناية، بل أن القائمين على المركز يعتبرون كل نزيل من كبار السن في منزلة أبيهم، وكل معاق في منزلة ابنهم، يتسابقون لتلبيه طلباتهم.
ويتفانون في إسعادهم وإدخال الفرحة إلى قلوبهم الرطبة، ورسم الابتسامة على شفاههم الحزينة، وكما يقول الأخصائي الاجتماعي حسام الشرقاوي نحن أولى بمرضانا من أهلهم، لأنهم أصبحوا جزءا منا ونحن جزء منهم، حتى النزلاء الذين يتم علاجهم وتأهيلهم ومن ثم إلحاقهم بأسرهم فإننا نتواصل معهم أسبوعيا ونتفقد حياتهم حتى وهم بين أهلهم.
أما الوجوه التي ارتسمت عليها خطوط الزمن، والعيون الدامعة المرتقبة والأيدي الدافئة المرتعشة التي تستبقك بالسلام وكأنها تشتاق للتصافح، وكأنها لم تصافح أحدا منذ عشرات السنين، تشعرك بان لسان حالها يقول: أبنائنا الذين تركونا هاهنا سيحلون ضيوفا يوما ما ليس ببعيد في ذات المكان.
مدير المركز إبراهيم الكويتي يؤكد أن المركز يضم حوالي ثلاثة عشر مسنا وما يقرب من 88 فردا من ذوي الاحتياجات الخاصة الذين يعانون من أمراض مختلفة وإعاقات متفاوتة، وقد نجح المركز في تأهيل عدد كبير من المرضى والمسنين لدمجهم في المجتمع إلا أن أهالي خمسة منهم فقط هم الذين وافقوا على استضافتهم ودمجهم مع الأسرة.
ويقول إن المركز يحاول بشتى الطرق أن يصنع جسورا من التواصل بين المرضى وبين أهلهم وذويهم وأقربائهم من خلال الاتصال المستمر بأهل المريض لزيارة الأسرة لأيام أو ساعات قليلة حتى لو أنهم أبدوا اعتراضهم على استقبال ابنهم المعاق أو أباهم المسن في منزل الأسرة، فإننا لا نفقد الأمل ونظل متواصلين لإقناعهم لأننا نعلم أن دعم العامل النفسي لدى المريض أو المعاق في غاية الأهمية لأنه يساعد في التأهيل والعلاج، كما أن الشعور بالإحباط والعزلة التي تتملك بعض المرضى تفاقم من حدة الإعاقة والأمراض البدنية.
ومن الجدير بالذكر أن عددا كبيرا من نزلاء المركز لا يحتاجون إلى الرعاية المتخصصة بل يستطيعون العيش في منازل ذويهم بكل سهولة ويسر إذا ما توفرت بعض المستلزمات الخاصة بالمريض أو المعاق، والمركز يوفر ذلك بل ويقوم بمتابعة المريض في منزل أسرته مهما بعد هذا المكان، خاصة أن المركز وهو يؤدي رسالته النبيلة في خدمة هذه الفئة العزيزة يعلم أن هناك أطفالا ومسنين أكثر احتياجا لخدماته لأنهم أكثر إعاقة وأكثر حاجة.
ويرى الدكتور أحمد جلال رئيس وحدة السمع والتخاطب في المركز أن المشكلة ليست في أن الأهل لا يرغبون في زيارة أبنائهم المعاقين أو آبائهم المسنين أو أن بعض الأسر تتبرأ من ابنها بالمرة، بل المشكلة في الوصمة الاجتماعية التي ارتبطت بالإعاقة الجسدية في المجتمعات العربية عموما، فهناك من لديه بنت معاقة في الأسرة فيعتقد أن وجودها داخل الأسرة يحول دون زواج بقية بناته ولذا يلجأ إلى إلحاقها بالمركز.
وهناك من يعتقد أن وجود الأب المسن في المركز الذي يلبي كل متطلباته أفضل من بقائه في المنزل تحت رحمة الزوجة، وما إلى ذلك فالمشكلة تحتاج إلى حل جزري ونهائي وهذا الحل لن يأتي إلا بتغيير النظرة السلبية التي ينظر بها المجتمع تجاه ذوي الاحتياجات الخاصة.
ويضيف أن بعض أولياء الأمور يعتقدون أن ابنهم المعاق لا يستطع التفاعل مع إخوته في المنزل لأنه مختلف عنهم شكلا وتفكيرا، ولذلك هم يلجأون للمركز معتقدين أن نزلاء المركز أكثرا تفاعلا وفهما له.
تحقيق : مصطفى خليفة