سكون تام وهدوء عجيب سيطر على الخيمة الرمضانية للملتقى الرمضاني السادس، إلا من نهنهات وبكاء الحضور للأمسية الرمضانية في محاضرة «البحث عن الكنز المفقود» أثناء حكاية الداعية المشلول عبد الله عمر بانعمه لقصته.

وكانت محاضرة الداعية عظة وعبرة، والأكثر تأثيرا في الحضور وانعكس ذلك عليهم حيث انخرط أكثرهم في بكاء مرير، وكل منهم عنده ما يبكيه.

بدأ بانعمه كلامه بالتنويه إلى سبب وجوده في الأمسية والتحدث إليهم فقال: هناك ثلاثة أسباب لهذا التواجد وهي أولا التقرب إلى الله، وثانيها حب الناس والحضور للملتقيات في الله، أما ثالثها فهو الموعظة والعبرة.

ويوضح معنى الكنز المفقود قائلا: الكنز هو الشيء الثمين الخفي والغالي الذي يبحث عنه، فمن حكمة الله في خلقه أن أخفى أمورا عظيمة في أمور عظيمة.

وساق مثالا توضيحيا ليقرب الصورة للناس وخصوصا للحاضرين، فلو أننا اخبرنا احد الأشخاص أن هناك غرفة كبيرة مملوءة بالمال وطلب منك أن تغرف منها ما تشاء لمدة ساعة، فهل ستسمع لابنك أو لأبويك إن طلبوك خلال هذه الساعة لشيء ما غير ما تفعل.

وإذا أخبروك وأنت في هذه الحالة أن هناك غرفة أخرى مجاورة بها ألماس اقل «حبة» فيها تعادل كل ما في الغرفة الأولى، وأمامك 10 دقائق فقط لتجمع من هذه الغرفة ما تستطيع جمعه، وإذا أخبروك ان في هذه الغرفة «حبة» واحدة بقيمة كل ما في الغرفة من الماس والغرفة السابقة التي بها المال فماذا أنت فاعل؟.

ويشرح بانعمه هذا المثل بأن الغرفة الأولى للمال هي الدنيا، والساعة هي عمر الإنسان، وغرفة الألماس هي شهر رمضان المبارك، وأما «الحبة» الأخيرة فهي ليلة القدر.

وأشار إلى أن الله اخفى أربعة أمور عظيمة في أربعة أمور عظيمة فقد اخفى الله اسمه الأعظم في آية الكرسي، التي نزل بها ملك من السماء، وقال الملك: ان هذا الباب لم يفتح قبل هذه الليلة قط إلا لهذه الآية.

كما أن الله أخفى ساعة عظيمة في يوم عظيم، وهي ساعة الإجابة في يوم الجمعة.

كما أن الله أخفى ليلة عظيمة في شهر عظيم وهي ليلة القدر في شهر عظيم وهو شهر رمضان.

وأخفى الله تعالى يوم القيامة وهو يوم عظيم في يوم عظيم، كما ان هناك معاني عظيمة في آيات عظيمة.

وقال إن السعداء في الدنيا سيكونون سعداء في البرزخ ويوم القيامة، والتعساء في الدنيا سيكونون تعساء في قبورهم وفي يوم القيامة.

وينتقل إلى هدف المحاضرة فيقول للحضور: جئتكم الليلة لأبلغكم رسالة، وطالب الناس من يستمعون إليه أنهم جاءوا بفكر وان يخرجوا بفكر آخر، أو اذا كانوا جاؤوا بمنطق يخرجوا بمنطق مختلف، وإذا كانوا قد جاؤوا بنية أن يخرجوا بنية جديدة، وهكذا مطالبا الجميع بضرورة التغيير.

وحكي بانعمه قصة شباب في جدة بالسعودية رفضوا الإنذار الأخير بعدما وعظهم احد الدعاة وهم في الطريق يستمعون إلى الأغاني ويرفضون الاستماع إلى القرآن أو حتى يخفضوا صوت مذياعهم، الا أنهم وخلال دقائق انقلبت بهم السيارة وماتوا على صوت الأغاني.

وأطالب الحضور بالا يفوتوا الفرصة ولا يرفضوا الإنذار الأخير بل يقبلوه ويعملون به.

وأضاف: كنت في ال19 من العمر، امتلئ نشاطا وحيوية، وأمارس رياضات الكاراتيه والدفاع عن النفس والجمباز، وفي ذات ليلة يسألني أبي عن التدخين فأقسمت إني لا أدخن ورفعت صوتي على والدي وعققته ونسيت وقتها قول الله تعالى «واخفض لهما جناح الذل من الرحمة» وقوله تعالى «ولا تقل لهما أف ولا تنهرهما» فما بالك وقد تجاوزت وأكثر.

ومن هنا بدأت المشكلة رغم أن السؤال واضح فالتدخين معصية من المعاصي التي يمارسها كثير من الناس، وإذا سئل شخص ما عن شيء خلاف ما يحب تجده يكذب، وينكر بأنه يعمله، ويقسم على ذلك إيمانا مغلظة وهو يكذب.

وبدأت المأساة الحقيقية حيث دعا علي والدي دعوة ليتها ما خرجت من فمه ورغم انه لا يقصدها إلا أنها صعدت إلى السماء مباشرة، كونها كانت مكتوبة في اللوح المحفوظ ومقدرة علي وعليه، حيث قال ابي «اذا كنت تُدخن فالله يكسر رقبتك»، ويطلب من الحضور ألا يدعوا على أبنائهم، مؤكدا انه كان المخطئ وقتها.

ويذكر عبدالله بانعمه قصة مالك بن دينار ورؤياه المنامية عن العابد الزاهد في بيت قديم والمأمور بأن يخبره بأن الله لم يقبل حجه بسبب ما فعله مع أمه حيث القى بها في التنور فاحترقت وكان وقتها سكرانا من شرابه، ومنذ ذلك الحين وهو يحج سنويا ويأتيه رجل ليقول له نفس الرسالة.

ووجه عبد الله بانعمه سؤالا للحضور أي منكم يتمنى أن يكون في «مكاني» هذا؟ فلم يتجاوب احد، ويرد بانعمه ولا أنا أريد ان أكون مكانكم.

وحكى قصة 25 شابا زاروه ومكثوا عنده ساعة ثم خرجوا جميعا إلا شابا واحدا وقال له انه يتمنى ان يكون مكانه، ولما تأكد بانعمه من ان الرجل بكامل قواه العقلية سأله عن السبب فقال له لك أبوان تراهما ويريانك اما انا فلا أبوين فأنا يتيم.

ويعود عبد الله بانعمه إلى إكمال قصته فيقول: وأخذت كلمات ابي ودعاؤه علي هكذا دون اهتمام ونمت، ثم أيقظني أبي لصلاة الفجر إلا إنني نمت في أعقاب خروجه دون ان أصلي، ثم استيقظت بعد نصف الساعة لأذهب إلى المدرسة وكنت متواعدا مع أصحابي على الهروب والذهاب إلى شاليهات جدة للسباحة في المسبح متدرج العمق من متر ونصف المتر إلى ثلاثة أمتار في جدة.

وعندما قفزت إلى المسبح ارتطم رأسي في أرضية المسبح على عمق الثلاثة أمتار، وانكسرت رقبتي وجلست حوالي 4 دقائق تحت الماء لم افقد خلالها الوعي، ولم استطع ان اطلب النجدة حتى ان احد الأصدقاء كان بيني وبينه شبر واحد ولم أتمكن من مسكه أو لمسه.

وفي ثوان قليلة جدا مر علي شريط حياتي كاملا، رغم إنني أصبت بشلل رباعي وبقيت في مخيلتي صورة سيدة عجوز كنت أتصدق عليها بمبلغ بسيط جدا حوالي 5 ريالات فقط، وكانت ترفع يديها إلى السماء تدعو لي ولما أيقنت اني ميت لا محالة لم أتذكر سوى الشهادتين فنطقت بهما.

وهنا تنبه أخي الذي كان بصحبتي وأخرجني من المسبح بعد 15 دقيقة ونقلوني إلى المستشفي لأمكث بها 4 سنوات واجري خلالها 16 عملية جراحية مابين صغيرة وكبيرة.

ويشير عبد الله بانعمه إلى ان حكمة الله اقتضت ألا أموت في تلك الحالة وسؤالي الدائم لنفسي «لما لم امن» والإجابة لحكمة يعلمها الله تعالى، وقال لي الأطباء ان المفروض ان أكون ميتا حيث بقيت 15 دقيقة تحت الماء، ويقول الأطباء اذا انقطع الأوكسجين عن المخ 4 دقائق لابد من الموت دماغيا و6الى 7 دقائق يكون موتا كاملا.

ويقول إن أصعب الأيام عندي هو يوم المناسبات، فأنا أتمنى مناسبة ما وادخل إلى أمي احضنها وأقبلها على رأسها. وأضاف أن الجبار مع والديه من الحضور عليه أن يخرج من الخيمة وقد غير فكره ومعتقده وطريقته في التعامل مع والديه.

ويذكر عبد الله بانعمه انه بحث عن السعادة وهو صحيح معافى ويمشي على قدمين ويشيح بيدين ولديه كل مقومات الحياة فلم يجدها، وبعد ما فقد كل هذه الأشياء يقول: (انا الآن اسعد إنسان).

ويقضي بانعمه يومه مابين الدعوة إلى الله، واستقبال الزائرين من الأهل والأصدقاء والأحباب وزيارة بعض المشايخ والعلماء، فضلا عن تلاوة القرآن الكريم وحضور المحاضرات والدراسة. ويبلغ بانعمه حاليا من العمر حوالي 35 سنة وهو غير متزوج ويرافقه في كل رحلاته والدته وابن شقيقتها وهو معاق مقطوع القدمين، ويدعي هاني عبد الله باحطاب.