لم يتوقع والدا فيصل أن حقنة خافضة للحرارة، قد تسبب الشلل لطفلهما الذي يبلغ من العمر ثلاث سنوات، لكن صدمة الموقف ألجمت تفكيرهما وجعلتهما يعيشان نوبة قاسية من الحزن والغضب، لكنهما في النهاية سلما أمرهما إلى الله وقررا أن يتعاملا مع الطفل معاملة الشخص السليم، حتى أصبح فيصل مسعود صالح الجسمي شاباً يبلغ من العمر 29 عاماً، يواجه الحياة بشخصية متماسكة ويعمل موظف خدمة جمهور في محاكم دبي.

يروي فيصل ل«البيان» قصة إعاقته وتحديه لها قائلاً : كنت أعاني من حمى شديدة فذهبت للطبيب، للكشف وإجراء الفحوصات اللازمة للسيطرة على الحرارة، فإذا بالطبيب يكرمني بجرعة زائدة من الدواء أكبر من اللازم مما سبب لي الإعاقة. وإثر تعاطي الحقنة رحت في سبات عميق ـ يقول فيصل ـ ولم أستيقظ إلا في صباح اليوم التالي، لكن عند محاولتي مغادرة الفراش لم أستطع تحريك جسمي، فأخذني والداي للمستشفى ذاتها وكشف علي طبيب آخر، وقال للأب إن ابنه أصيب بشلل نصفي في الجهة اليسرى، بسبب حقنة الأمس، لأن عيار الدواء كان ثقيلاً ولا يتحمله طفل بعمره.

غضب والدي كثيراً وثارت ثائرته على جميع الأطباء في المستشفى، وقرر حينها إبلاغ الشرطة عن الطبيب، لكن أمه لم توافق وقالت إنه قدري ونصيبي. تدخلت إدارة المستشفى لحل المشكلة، فقامت بتقديم العلاج الطبيعي والأدوية لي مجاناً لسنوات عدة، ثم انتقلت لتكملة العلاج في مستشفى آخر وأجريت فيه ثلاث عمليات ناجحة واحدة منها في منطقة الحوض والباقي في ساقي، لزيادة ضخ الدم فيهما، كما أن هذه العمليات ساعدتني على تحسن حالتي خصوصاً الجزء الأعلى من جسمي، وقمت أيضاً بتركيب جهاز يساعدني على المشي، وكانت تكلفته على حساب الدولة، مما خلصني من السير بمساعدة العكازات.

يقول فيصل: رغم أن الحقنة غيرت مسار حياة العائلة، لكنها لم تغير حياتي، لأن عيني تفتحتا على الدنيا ووعتا عليها وأنا بهذا الحال، لكن العمليات التي أجريتها هي التي غيرت مجرى حياتي بشكل إيجابي، وجعلتني أستطيع المشي بشرط إمساك قدمي. ويذكر فيصل أنه كان مشاكساً جداً أيام الطفولة، ويذهب إلى كل مكان ويمارس كل الألعاب الشعبية مع باقي أطفال الفريج، دون أدنى اكتراث لإعاقته.

لكن بعد إجراء العمليات كانت الحركة بالنسبة له صعبة جداً، خاصة وهو منحنٍ وممسكاً بقدميه، لكن سرعان ما تأقلم مع الحالة، ودخل المدرسة الحكومية ولم يواجه أي مشكلات، حيث إنه كان معفى من الطابور الصباحي وحصص الرياضة ومن عقاب المدرسين. كما كان يتجاهل أيضاً كل التعليقات الموجهة له، ولم يبال بها نهائياً، بل على العكس فقد كان لقب الأعرج بمثابة تعريف أو تمييز له عن باقي الطلاب.

أما عن الدراسة يقول فيصل: لم أكن أحب الدراسة وعرضت على أهلي فكرة ترك المدرسة أكثر من مرة، لكنهم كانوا يرفضون دائماً، وبسبب عدم وجود ميول دراسية لدي، أعدت الصف الخامس أكثر من مرة ولم أنجح، فرضخ أهلي لرغبتي خصوصاً أن عمري أكبر بثلاث سنوات تقريباً مقارنةً مع باقي طلاب الفصل.

تخلص فيصل من الدراسة وحصل على ما يريد، لكن والده لم يرغب ببقائه في المنزل وانتقاله منه إلى الشارع لمشاركة الأولاد اللهو واللعب حيث إن والده كان شديد الحرص على العلم والتعليم ويشجع عليه، لذا قام بتسجيله في معاهد للغات لتعلم اللغة الانجليزية، فأصبح يتحدثها بطلاقة وهو في عمر16 عاما.

في منتصف التسعينات التحق فيصل بصفوف نادي دبي للمعاقين وتدرب على رياضة الجري على الكرسي المتحرك والسباحة وحصل على ميداليات ذهبية وفضية وبرونزية عدة، وشارك في ماراثون دبي، وآخر للسباحة والجري في أبوظبي 800 متر سباحة 10 كيلو مترات جرياً، والعديد من البطولات على المستوى الخليجي.

استمر فيصل في النادي ثماني سنوات وعن طريقه حصل على عمل في الدائرة الاقتصادية بدبي وبقي فيها خمس سنوات، تعلم خلالها طباعة الرسائل الرسمية وكيفية التعامل مع المراجعين والقدرة على تحمل ضغوط العمل ووسع دائرة علاقاته الاجتماعية.

ويؤكد فيصل أنه استطاع من خلال عمله أن يجد مكاناً له في المجتمع، كما أن العمل شجعه كثيراً وبث الثقة في نفسه. لكنه لم يكتف بهذا الحد وفضل أن يجد عملاً آخر بنفسه غير الذي يعمل فيه عن طريق النادي، ليتخلص من التزامه معه ويستطيع أن يكمل دراسته. فتقدم لمؤسسات ودوائر حكومية وبنوك وحاول إقناع المسؤولين بقدراته وأنه يستطيع عمل كل شيء.

وفي إحدى المقابلات طلب من المدير إعطاءه فرصة عمل أي شيء حتى ولو فراش، لكن عدم حصوله على شهادات وقف حجر عثرة في طريقه وكان سبب رفضه دائماً، مما أعطاه الحماسة والدافع الأكبر لاستكمال دراسته، كما أنه كلما كان يتم رفضه في أي عمل بسبب الشهادات كان يشعر بالندم الشديد على تركه الدراسة. في 2003 وفق فيصل بعمل في محاكم دبي بمهنة كاتب أرشيف إلكتروني، والتحق بالوقت نفسه في الدراسة المسائية ووصل إلى الصف الثالث الإعدادي.

يقول فيصل: كنت أنهي عملي كمؤرشف وأذهب لمساعدة زملائي في قسم خدمة العملاء، لأنني أحب العمل ولا أستطيع الجلوس بدونه، فكنت أعمل بجد ليس من أجل الراتب، بل لإثبات ذاتي وإرضاء ضميري، بالإضافة إلى أنني أفضل التعامل مع الجمهور، لأن أكون على احتكاك مباشر معهم وكلما تعاملت معهم أكثر كلما اتسعت خبرتي وزادت معلوماتي. أما الذي ساعد فيصل بزيادة قدرته على العمل الجهاز الذي قام بتركيبه عام 2004، لأنه بدون عكازات أصبح يستطيع حمل الملفات وينقلها ويرفعها من مكان إلى آخر.

يذكر فيصل أنه عندما كان يعمل في قسم الأرشيف الالكتروني وتحديداً في سنة 2005 حصل على جائزة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، للأداء الوظيفي المتميز عن فئة الجندي المجهول، الأمر الذي لم يكن يتوقعه ففي اليوم ذاته أتصل به مدير شؤون الموظفين وطلب منه الذهاب إلى فندق جميرا بيتش بعد انتهاء العمل مباشرة.

وظن طول الطريق أنه سيكون مندوبا من المحكمة لحضور دورة تعقد في الفندق، لكن عندما دخل وجد أجهزة تفتيش وأشخاصا من مختلف الدوائر والمؤسسات، فجلس مع مجموعة من الشباب الذين يعملون في بلدية دبي، وبعد نصف ساعة تقريباً، جاء أحد المنظمين وأخبرهم بفوزهم بالجائزة وقال لهم إن صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد سيأتي لتكريمهم، ففوجئ كثيراً بالخبر وكان سعيداً جداً بالوقت نفسه، حيث قال فيصل: إن الدنيا بأكملها لم تتسع لفرحتي بسمع الخبر.

وأضاف فيصل أن هذه الجائزة لم تكن الوحيدة لكنها المميزة، فقد حصلت على شهادات عدة من الدائرة التي أعمل فيها بالمحاكم. وقد تمت ترقيته إلى الدرجة السابعة من صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد.

يقول فيصل: مع بداية العمل لم تواجهني أي صعوبات مهنية وقد حصلت على شهادة لقيادة السيارة، والدولة تؤمن لنا كل أساليب الراحة من حيث توفير المواقف وممرات الدخول والخروج الخاصة بنا إلى جميع مراكز التسوق والدوائر والمؤسسات.

أما عن الحياة الشخصية فيقول فيصل: لم أتزوج لغاية الآن ولن أتزوج حتى أكون نفسي وأكون قادرا على تحمل مسؤولية منزل وأطفال وزوجه، ويعتقد أن هذا يحتاج الكثير من الوقت خصوصاً في ظل ارتفاع الظروف المعايشة.

دبي ـ سمانا النصيرات

email: bayanweekly@albayan.ae