في مواجهة حقبة حبلى بالصراعات كتلك التي يمر بها العالم في الآونة الحالية. لم يجد ممثلو المجتمع الدولي أفضل من العمل على تكريس قيمة المعرفة باعتبارها عنصرا رئيسيا في استراتيجية الأمم المتحدة لتعزيز ثقافة السلام في العالم. وفي وقت الأزمات والصراعات يصبح من الأهمية بمكان مضاعفة الخدمات والفرص التعليمية التي من شأنها إفساح المجال لإمكانية تفادي وقوع الصراعات وما ينتج عنها من عواقب وخيمة مثل المجاعات والنزوح الجماعي للسكان.

ومن هنا تأتي أهمية مبدأ التعليم الوقائي الذي تسعى من أجله الأمم المتحدة من خلال منظماتها ووكالاتها المختلفة التي تعمل في مختلف دول العالم. ولهذا المبدأ عدة ميادين وأهداف تعمل في إطارها الأمم المتحدة، ومنها محاربة الإيدز والتوعية ضد أماكن الألغام الأرضية المنتشرة في أماكن ليست محدودة من كوكبنا. كما أن حماية الأنظمة البيئية وإعادة إعمار الأماكن التي طالها الدمار في العالم هي الأخرى من الميادين التي تشملها مبادرة التعليم الوقائي.

معظم مواطني العالم الذين يعيشون في المناطق المتأثرة بالصراعات بمختلف أنواعها يتوقون إلى السلام ولكنهم في الوقت ذاته يعانون من مشاعر الكره والثأر التي روجها وزرعها تجار الحروب الذين أشعلوا نيران تلك الصراعات.

ولذا من المهم للغاية أن يتدخل المجتمع الدولي لتزويد تلك المناطق وأهلها بمهارات تعليمية تساعد على إرساء مبادئ السلام والثقافة السلمية وتساعد الأطفال والبالغين على حد السواء على تفهم كيفية نشوء الصراعات وكيفية العمل في اتجاه الوصول إلى حلول ليست لها علاقة بالحلول العسكرية التي تلجأ إليها بعض الأطراف والتي لا تؤدي في النهاية إلا إلى تكريس الفوضى وزيادة الطين بلة.

ومن جانبها تعمل منظمة اليونسكو على تشجيع شركائها في مختلف أنحاء العالم على الاشتراك في برامج تعليمية تقود العالم إلى تكريس ثقافة السلام. غير أن تلك الجهود الدولية من جانب المنظمة لن يُكتب لها النجاح المنشود من دون أن تمد المنظمات غير الحكومية في مختلف الميادين أيدي المساعدة.

وتشير دراسة صدرت حديثا من منظمة اليونسكو إلى أن الحق في التعلم أثناء الأزمات والطوارئ لم يكن حقا معترفا به في الماضي. واستمر الوضع هكذا حتى صدور «إطار عمل داكار» في 2003 والذي مثل خطوة ـ وإن لم تكن كافية- في اتجاه تعزيز فرص السلام في العالم والارتقاء بمستوى الشعوب فيما يتعلق بثقافة السلام.

وفي هذا الصدد تعمل اليونسكو مع المنظمات المانحة في العالم بهدف تضمين الخدمات التعليمية داخل أولويات المساعدات التنموية التي تقدمها تلك الجهات إلى الدول الأشد فقرا في العالم. وذلك بالإضافة إلى مناقشة الحق في التعلم أثناء أوقات الأزمات مع الدول الأعضاء في المنظمة ومع المؤسسات الوطنية في مختلف أنحاء العالم. وتركز المنظمة أيضا في هذا الصدد على حق النساء والأطفال في التعليم تماشيا مع إعلان حقوق الإنسان الصادر من الأمم المتحدة.

وتوضح الدراسة أن اليونسكو تدعو وتعمل من أجل تمكين باحثي اللجوء السياسي واللاجئين من الحصول على حق التعلم أثناء الأزمات وذلك بموجب المواثيق العالمية الصادرة في هذا الشأن مثل ميثاق حقوق الطفل وميثاق وضع اللاجئين والإعلان العالمي لحقوق الإنسان.

وتعمل المنظمة العالمية من خلال معظم مكاتبها على تسهيل الاعتراف بالدراسات التي قام بها طلبة لاجئون من قبل وذلك على أمل أن يتم السماح لهم بالالتحاق بالمعاهد التعليمية في الدول التي يُمنحون فيه حق اللجوء السياسي. وتدعو اليونسكو إلى إلحاق هؤلاء الطلبة بتلك المعاهد التعليمية بلا رسوم أو على الأقل بالرسوم ذاتها التي يدفعها أبناء الدولة الأصليون، إذ عادة ما تُفرض على هؤلاء رسوم هي أعلى بكثير من تلك التي تُفرض على مواطني تلك الدول.

وتسعى اليونسكو أيضا من خلال وكالاتها المختلفة إلى وضع قاعدة معلومات أو مرصد لعملية تطبيق حق التعلم أثناء مواقف الأزمات وأثناء عمليات إعادة الإعمار. وتضيف الدراسة أن الحرمان من التعليم يعد سببا أساسيا من أسباب الفقر وذلك على المستويين الشخصي والاجتماعي على حد السواء. كما أن الفقر هو أيضا أحد الأسباب الرئيسية التي تقف وراء فشل أعداد كبيرة من الأطفال في الالتحاق بالمراحل التعليمية المختلفة لاسيما في مرحلة التعليم الأساسي. غير أن هذا الموقف يتفاقم في خطورته أثناء أوقات الأزمات وموجات عدم الاستقرار.

وتشير الدراسة إلى أن العائلات الفقيرة عادة ما تعطي أولوية إلى تعليم الأولاد على حساب البنات وذلك في ضوء الاعتقاد السائد بأن الأولاد يمكنهم العمل بشكل أكبر وبالتالي يمكنهم تحسين مستوى دخل الأسرة في المستقبل أو حتى أثناء الدراسة. وفي الوقت ذاته يحدث أن ينقطع عدد كبير من أبناء العائلات الفقيرة عن الدراسة في منتصف الطريق أو حتى في بدايته من أجل العمل وتدبير احتياجات أسرهم.

وفي هذا الصدد تعمل اليونسكو على تحديد ونشر المعلومات الخاصة بالمجتمعات التي تأثرت بشكل مباشر بالأزمات في السنوات الأخيرة وتبين كيف نجحت بعض من تلك المجتمعات في مساعدة بعض الأطفال على الالتحاق بالمدرسة. وتسعى المنظمة أيضا إلى نشر خدمات التعليم غير التقليدية والدورات التدريبية التي تُصقل مهاراتهم وتساعدهم على التوظيف الذاتي. كما تولي المنظمة أولوية إلى مشروعات التمويل المالي المتناهي الصغر.

وتفيد الدراسة أن الأزمات تُفرز تحديات أكبر تعوق مبادرة التعليم للجميع. فعدم وجود استقرار ومناخ أمني مشجع يدفع الآباء والأمهات إلى عدم إرسال أبنائهم، لاسيما البنات، إلى المدارس في مثل تلك الأجواء، وذلك في ضوء حقيقة أن آليات الحماية التي تعمل في أوقات الطوارئ والأزمات يمكن أن تتعطل ولا تعمل بكامل كفاءتها أثناء أوقات الأزمات وعدم الاستقرار. وتفيد الدراسة بأن الفقر يحد بشكل مباشر من اشتراك البنات في العملية التعليمية وذلك لعدم توافر عدة عوامل منها عدم وجود الملبس المناسب وغياب الخدمات الصحية.

وتسعى اليونسكو إلى تضمين عنصر إدارة الأزمات داخل مبادرة الأمم المتحدة لتعليم البنات. فعن طريق توجيه اهتمام خاص بالتعليم الأساسي للفتيات بالتعاون مع المنظمات الشقيقة والعاملة في المجال ذاته، تهدف اليونسكو إلى رفع التوعية بتلك القضية ومن ثم العمل من أجل إتاحة التعليم لأكبر شريحة ممكنة من الفتيات في العالم حتى يمكن إتاحة فرص عمل لهن في شتى المجالات لاسيما التدريس.

وتوضح الدراسة أن تفشي الأمية في صفوف الأمهات والآباء على مستوى البادية وجهلهم بأهمية تعليم الفتاة، وعدم وعيهم بالدور الذي يمكن أن تلعبه في تنمية الاقتصاد الوطني والمنزلي والتربية الصحية وتنظيم الأسرة- كل هذه عوامل تحد من الرغبة في إلحاق البنات في المدارس، علاوة على اعتقادهم بأن انفتاح الفتاة على المدرسة والثقافات، يؤدي إلى انحرافها وتمردها.

ومن ثم فإن المكان الطبيعي لها هو البيت، وأن الوظيفة الأمثل لها هي أن تكون ربة بيت. ولإخراج المرأة من هذه البوتقة لا بد من الدفع بعجلة تحصينها بالعلم والمعرفة حتى تكون طرفا فاعلاً وتشارك في عملية التنمية المنشودة بالنسبة للفرد والمجتمع بإدماجها في النسيج الاجتماعي والاقتصادي والبيئي، والتركيز على ضرورة تنمية العالم القروي بمجمله، وتحسين الأوضاع والظروف المعيشية المحلية للسكان القرويين مع الأخذ بعين الاعتبار خصوصيات كل منطقة.

إضافة إلى ذلك تأتي ضرورة تحقيق مبدأ تكافؤ فرص التعليم بين القرى والحواضر وبين الذكور والإناث، وتعميم التعليم على مجموع الأطفال البالغين سن التعليم وتشجيع الأطفال القرويين على الانتظام المدرسي، وخاصة الإناث منهم، والتخفيف من وتيرة الرسوب والتكرار، ومحو أمية النساء، وحث الآباء على الدفع لتعليم أبنائهم، والرفع من المستوى المادي للأسر بتخصيص دعم مادي كوسيلة لحثها على تعليم أبنائها.

فالاهتمام بالعالم القروي وخصوصا أوضاع المرأة فيه انطلاقًا من التعليم ومحو الأمية يمكن من فك العزلة عنه ليصبح مساهما فعالاً في التنمية الوطنية، خصوصا أن الأمية مازالت تعتبر من أبرز التحديات التي تواجها دول العالم الثالث.

ترجمة: حاتم حسين