أكد الشيخ محمد حسان أن حملة (دبي العطاء) التي أطلقها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي وتدعو إلى تعليم مليون طفل لفتة طيبة وخطوة مباركة تؤكد الدور الإنساني لأهل الفضل والخير من أبناء الإسلام تجاه شعوب الأرض بكل أجناسها وأعراقها.
وركز في محاضرته ضمن الملتقى الرمضاني السادس لدائرة السياحة والتسويق التجاري في دبي على ثلاث رسائل رأى أنها كفيلة بإصلاح أحوال الأمة الإسلامية وحال شبابها على وجه التحديد وحدد هذه الوسائل بأنها:استعادة الأسرة لدورها التربوي وفق منهج (حدثني أبي) الذي سار عليه السلف الصالح، وتوجيه الاهتمام إلى الرسالة الإعلامية عبر الصحف والفضائيات لتصحيح المفاهيم والأخطاء، وتنشيط دور المؤسسات الدينية وفى مقدمتها المساجد كي تلعب دورها في هداية واستقامة الشباب، كما أشار إلى أن مجتمعاتنا بحاجة إلى دور جديد مؤكدا على ضرورة قيام الأندية الرياضية والثقافية بدور فاعل لاستعادة الشباب إلى حظيرة القيم وإبعاده عن مزالق الانحراف والمعاصي.وقال في المحاضرة التي حملت عنوان (كيف نحصن شبابنا من الفتن): إن المحاور الرئيسية لحديثه تدور حول ثلاثة موضوعات مهمة هي: مكانة الشباب، وكثرة الفتن في العصر الراهن، والسبيل للخروج مما وصلت إليه أحوال الأمة.
وتحدث المحاضر عن مكانة الشباب فقال :إذ كان شيوخنا وكهولنا هم عقول الأمة فإن شبابنا هم سواعدها ولا يمكن للمرء أن يقوى إلا بساعديه كما أننا لا نستغني عن حكمة الشيوخ وطاقة الشباب وقد كان رسولنا الكريم صلوات الله وسلامه عليه شديد الحفاوة بالشباب فهم الذين حملوا الدعوة من لحظاتها الأولى ونشروا دين الله في أرجاء الدنيا.
وأضاف:أن الجيل الذي أيد الله به دين الإسلام كان من الشباب، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم في الأربعين من عمره عندما نزل عليه وحي السماء.
وكان أبوبكر في الثامنة والثلاثين من عمره عند إسلامه أما عمر بن الخطاب فقد كان في السابعة والعشرين من عمره عندما هداه الله إلى الإسلام، كما أن عليا وجعفر والأرقم ومصعب بن عمير وأسامة بن زيد كانوا في ريعان شبابهم عندما انضموا إلى قافلة النور والهداية إلى حظيرة الإسلام.
ويؤكد الشيخ محمد حسان على دور الشباب في تأسيس الدول الإسلامية عند بداية قيامها، وقال هل تعلمون أن أول من تحدث باسم الإسلام بأرض مقفرة ورفع راية الحق في بلاد نائية هو جعفر بن أبي طالب الذي لم يكن قد بلغ العشرين من العمر عندما اختاره الرسول صلى الله عليه وسلم ليكون أول سفير في الإسلام وأرسله إلى النجاشي في الحبشة فأضاء للإسلام شعلة أوقدت شموس الحياة.
وأضاف: هناك مثال آخر هو مصعب بن عمير الذي وضع النبي الكريم مستقبل الأمة بين يديه باختياره ليكون أول من يرفع راية الدعوة ليضع بيديه مستقبل الدين والدعوة بعد انطلاقه إلى يثرب والأمثلة كثيرة ومنها أسامة بن زيد ذلك الشاب المسلم الذي عينه الرسول صلى الله عليه وسلم قائدا لجيش جرار وفي صفوف جيشه وتحت قيادته كان أكابر الصحابة في حين لم يكن أسامة قد بلغ سن الخامسة والعشرين وقتها.
واستطرد قائلا: وهاهو أول فدائي في الإسلام سيدنا علي بن أبي طالب عندما نسج بدمائه عباءة جعلها سدا منيعا يحول بين الرسول وأعدائه من كفار قريش ليلة الهجرة.
وفي كلمة منصفة لشباب الأمة قال الشيخ حسان: الشباب شعلة متقدة وطاقة جبارة والأمل بعد الله معقود على شبابنا المبارك، ولست مع الذين ينظرون إلى شبابنا بمنظار اسود بل إني والله أرى أملا عندما أنظر إلى المعتمرين وإلى المؤدين لصلاة التراويح فأجد أن معظمهم شباب في ريعان أو فتيات في عمر الورود، إنني أرى في هؤلاء كوكبة جديدة تتنزل من جديد وكوكبة كريمة أعطت ظهرها لعواصم غير الإسلام لتكون وجهتها نحو الإسلام.
وقال إن هناك أولادا وأحفادا ممن انحرفوا عن دين الله وابتعدوا عن الصراط المستقيم، لأن الفتن حولهم كثيرة، والنشأة وسط الفتن والمشكلات هي سبب انحرافهم خصوصا وان زماننا كثرت فيه الفتن.
وتعالوا ننظر إلى حال شبابنا وهو يعيش في بحر لجي تتنزل عليه الفتن من الفضاء عبر القنوات التلفزيونية وكلما رفع الشاب يده طالبا النجاة قد تمتد إليه أياد طاهرة لكن الأيادي الشريرة تجذبه لأن أصحابها لا يريدون لشبابنا أن ينهضوا بالأمة، وهنا مكمن الخطر فعلى سبيل المثال إن حاول شاب في مجتمعنا أن يغلق الموقع الاباحي أو المجلة الفاضحة او الابتعاد عن مستنقع المخدرات فقد يتصور ان الفتنة قد ذهبت عنه لكن المؤسف انه تتراقص أمام عينيه صور الفتنة وتتهامس في أذنيه كلمات رفقاء السوء، لأن الفتن تعرض علي القلوب كعرض الحصير عودا عودا.
وحذر المحاضر من تجرؤ الشباب على تخطي الحدود الشرعية مشيرا إلى ضرورة أن يراجع العلماء الربانيون قبل أن يخطوا احدهم خطوة على الأرض مؤكدا ان الحماس وحده لايكفي، والإخلاص وحده لا يكفي، بل لابد ان يكون هناك انضباط شرعي تحكمه قواعد الشرع والدين.
وعن المخرج والحل وكيف يكون سبيل الأمة للخروج من أزمتها الراهنة قال: إن الشباب إذا انحرف عن الدين غرق في بحور الشهوات وان انحرف عن الفهم الصحيح للدين سقط في شباك الشبهات، وهنا لابد ان تكون بداية الإصلاح من البيت ومن الأسرة وكلنا يعرف ان الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم أكد في حديث شريف أهمية المحصن التربوي الأول أي الأسرة عندما قال إن المرء يولد على الفطرة وأبواه يهودانه او ينصرانه او يمجسانه وبذلك فان المخرج العملي الأول لما نحن فيه يبدأ بالأسرة.
وتساءل قائلا: ماذا يكون الحال لو أن أما قدمت لزوجها استقالة من تربية الأولاد أو زوجا قدم استقالته من مهمة رعاية الأبناء وتنشئتهم؟ سوف يتهم الأب او الأم بفقدان الأبوة أو الأمومة التي تعني التربية والتوجيه والعاطفة والمسؤولية أمام الله.
وفي استنكار واضح لأحوال المجتمع الإسلامي في زماننا الحالي قال المحاضر: ان نظرة فاحصة ستطلعنا على استقالة جماعية ومنها الآباء والأمهات وشعر معها الأولاد باليتم التربوي الحقيقي فراحوا إلى وسائل الإعلام او الأندية او الصحبة السيئة أو مستنقع الرذيلة كي يعوضوا بها شعورهم باليتم.
وأضاف: ان الله عز وجل حذرنا من هذه الاستقالة، ونبينا الكريم حدثنا عن مسؤولية الراعي في رعيته ولذا فان عودة المحصن الأول أي (الأسرة) هو الخطوة العملية الأولى لإنقاذ أولادنا وانتشالهم مما هم فيه، بل إني أرى أن جلوس الأب مع أبنائه ولو بقي صامتا فيه عمق تربوي، فكيف إذا تكلم وناقش وسأل كل منهم عن أحواله وأموره وغيرها من الأسئلة التي فيها من عمق التوجيه ما فيها، وماذا لو اصطحب ولده إلى ملتقى ديني يستزيد فيه الابن معارفه عن دينه.
ودعا المحاضر إلى حاجة الأمة إلى منهج تربوي مستمد من أسلوب السلف الصالح في التربية فقال: ما أحوجنا إلى منهج (حدثني أبي) وإذا قال احد الآباء أنا لا أحسن الحديث عن الدين فإننا نقول له اذهب وتعلم مع ولدك في بيت من بيوت الله لتؤدي دورك التربوي كاملا بغير قصور وهذا يجرنا إلى نقطة ثانية في الحديث عن الحل والمخرج.
وهو ضرورة تنشيط دور المساجد واعني بذلك ان يتناسب الطرح الدعوي فيها مع مشاكل وقضايا الشباب لأننا نلاحظ ان الشباب يدخل إلى المسجد فلا يجد حلا لمشكلته ولا خطابا لعقله وعاطفته بل قد يدخل شاب على معصيته وقد ارتدى زيا ساقطا في لحظة رق فيها قلبه وخشع فلجأ إلى المسجد فإذا به يقابل من يعامله بغلظة وربما باحتقار فيخرج الشاب ولا يعود للمسجد ثانية.
وأوصى المحاضر بان يعمل أهل الفضل على الاقتراب ممن انحرفوا بأدب جم وحكمة بالغة فالناس في حاجة إلى صدر واسع وقلب يسع أخطاءهم، داعيا لأن يكون المسجد عيادة للمرضى تفتح أبوابها لأهل المعاصي كي تنقلهم من الحرام إلى الحلال.
وفي استعراض لوسائل العلاج المنشود لإصلاح حال المجتمعات الإسلامية وشبابها قال: يجب إعادة النظر في دور الأندية الرياضية والثقافية في بلاد المسلمين كافة لأنها مسؤولية الجميع في مواجهة النار التي ستحرق الأمة بأسرها لو تغافلوا عنها خصوصا .
وان الدراسات والاستطلاعات أثبتت أن 80% من الشباب يتأثرون بالرفقة السيئة تأثرا بالغا ينعكس على سلوكهم فيضيعون صلواتهم ثم يتمردون على أسرهم ومعلميهم إلى أن يصلوا إلى التمرد على سلطان الدين قبل أن يتمردوا على خالقهم وعلى نبيهم حتى ينتهوا إلى حالة التمرد على الذات فيكرهون أنفسهم وأسرهم ومجتمعاتهم وأمتهم الإسلامية ويصبحون معول هدم في الآسرة والأمة.
وأضاف أن القضية خطيرة ويجب تضافر الجهود للتصدي لها عبر وسائل ثلاث هي التعليم والإعلام والمؤسسات الدينية، فالتعليم ضرورة، والإعلام رسالة، ولن تستطيع الأمة أن تشق طريقها للعزة والكرامة وسط صخور العولمة إلا بالعلم والعمل وعلينا أن نوصل رسالتنا عبر إعلام جيد لا ينقل رسالة نظرية فحسب بل يحولها إلى رسالة منهجية تنقل النور لأهل الأرض عبر الصحف والفضائيات التي يجب أن تقيم الحجة على أهل الأرض وهنا تتجدد الدعوة لأهل الفضل جميعا كي يلتفتوا إلى أهمية الإعلام في مخاطبة العقول والقلوب وتصحيح المفاهيم والأخطاء .
وان تكون هناك فضائية او أكثر تخاطب أهل الأرض بلغاتهم وألسنتهم، وان تكون الرسالة الإعلامية الموجهة إلى شبابنا مشتملة على الجوانب العلمية والعملية والمهنية والخلقية والسلوكية بحيث ترفع الهمة وتصحح المسار ويتجه الجميع توجها جديدا يسعدوا به وتسعد به أمته.
واختتم الشيخ محمد حسان محاضرته بالدعوة إلى الاهتمام بالجانب الإيماني باعتباره صمام الأمان لدى الشباب، بحيث يطبق ذلك بشكل غير نظري ولا في صورة ثقافة باهته، بل بالسعي لتحويل المنهج الرباني النبوي إلى منهج عملي، مع التوجه إلى الموهوبين والمبدعين من شبابنا بالدعم والرعاية والاهتمام كي يتخرج جيل مسلم يعلموا أن الله خلق امة الإسلام للقيادة والسيادة والريادة كما يجب علينا جميعا ان نفتح ابواب الرجاء والأمل أمام شبابنا لننزع منه الهزيمة النفسية واليأس والقنوط، ونمكنهم من الانطلاق في الحياة بثقة.
وضمن فعاليات الملتقى الرمضاني السادس الذي تنظمه دائرة السياحة والتسويق التجاري في دبي ألقى الطالب محمد عبد السلام الشامسي في مدرسة الحكمة خطبة قبل بدء المحاضرة الرئيسية للشيخ محمد حسان، الذي نوه بمشروع (خطيب الأمة) مشيدا بدوره في صقل هذه المهارات وتخريج هذه النماذج المفرحة من الأبناء.
وقال إن الأمة بحاجة إلى مثل هؤلاء، لافتا إلى أن كل إنسان مسلم بإمكانه ان يكون كذلك وأكثر، وليس بالضرورة ان يكون خطيبا مفوها بالكلام، وانما الامة الإسلامية بحاجة إلى دعاة كل في موقعه، فكلنا على ثغر من ثغور الإسلام.
وأشاد بفكرة المشروع والقائمين عليه.
وكان الطفل قدم خطبته ضمن مشاركة مدرسته في المشروع الذي تتبناه مدرسة (النخبة النموذجية) في دبي. بإشراف شيخة كدفور المهيري.
والطفل الخطيب طالب في الصف السادس الابتدائي بمدرسة الحكمة، وبدأ الطفل الخطيب باستهلال خطبته بالحمد لله والصلاة على الرسول صلى الله عليه وسلم، وقال الداعية الصغير أمام الحشود المتزايدة من الجمهور الذي حضر الأمسية: اعلموا يا عباد اللهِ أن رقابة البشرِ على البشرِ قاصرة، وأن رقابة المخلوقاتِ على بعضها قاصرة. البشرُ يغفل، ويسهو، ينام، يمرض، يسافر، يموت.
إذاً فلتسقطُ رقابةَ المخلوقين ولتسقط رقابة الكائنات جميعَها، وتبقى الرقابةُ الكاملة، الرقابةُ المطلقة ألا وهي رقابةُ اللهِ جل وعلا.
(إِنَّ اللَّهَ لاَ يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْء فِي الأرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاء) يعلم ما تسره الآن في سريرتك ومَن بجوارك لا يعلم ذلك، يعلم ما ينطوي عليه قلبك بعد مائة عام، وأنت لا تعلم ما ينطوي عليه قلبك بعد دقائق أو ساعات.
وما أنت واللهِ إلا أحدُ رجلين: إن كنتَ ظننتَ أن اللهَ لا يراك فقد كفرت. وإن كنت تعلمُ أنه يراك فَلِمَ تجترئ عليه، وتجعلَه أهونَ الناظرينَ إليك؟
وتناول القصة المشهورة لدى تفقد عمر بن الخطاب رضي اللهُ عنه، واستمع إلى الحوار الشهير حول غش اللبن بين الام وما كانت نتيجته لأن البنت استشعرت رقابة الله.
إذا ما خلوتَ الدهرَ يوماً فلا تقل خلوتُ ولكن قل علي رقيبُ
ولا تحسبنَ اللهَ يغفلُ ساعةً
ولا أن ما تخفيه عنه يغيبُ
واختتم الطالب خطبته اعلموا علم يقينٍ أن اللهَ هو الرقيب، وأن الله هو الحسيب، وأنه لا ملجأ منه إلا إليه، ولا مهرب منه إلا إليه. هو الشهيدُ وكفى به شهيداً.
دبي ـ السيد الطنطاوي

