وحذر يعقوب في محاضرة ألقاها مساء أمس الأول في الخيمة الرمضانية ضمن فعاليات الملتقى الرمضاني السادس الذي تنظمه دائرة السياحة والتسويق التجاري في دبي تحت عنوان «قفزة الثقة» من وقوع الأمة بشبابها ورجالها ونسائها في براثن فتن الشهوات والشبهات اللتان تحيطان بالمسلمين من كل جانب في هذا العصر الذي يشهد صراعا خفيا ومخيفا من المتعصبين ضد الإسلام دينا وحضارة ورسالة.

واستهل الشيخ يعقوب محاضرته بالإشادة بالفقرة التي سبقت حديثه والتي قدم فيها طفل في التاسعة من عمره خطبة ضمن مشروع «خطيب الأمة» ندد فيها بالفضائيات الهابطة وقال: هذا الشيخ الصغير في سنه والكبير فيما قدم وقال وخطبته الفصيحة يمثل مشروعا مهما في صحوة الأمة الإسلامية، فقد رأيت في حديث الطفل جرأة ودقة في النطق ما يجعلني أقول هذه هي الأمة التي هي خير أمة أخرجت للناس وأري أن هذا المشروع وثماره شيء يبشر بالخير، فقد جاء محاضرنا الصغير بزيه الإسلامي الشرعي وبألفاظه العربية السليمة وباعتزازه وانتمائه لأمته المسلمة ما يجعلني أوقن بان امتنا كالمطر لا يدري احد إن كان أوله خير أو آخره خير.

واقترح المحاضر على القائمين على الملتقى أن يتبنوا إقامة منتدى بعنوان «غرس الإسلام» ليكون قاعدة لمواجهة ما تتعرض له الأمة من غزو ثقافي، ومن محاولات أو مؤامرات لهدم أسس وقيم الدين الحنيف خصوصا في الأجيال الجديدة التي يجب علينا أن ننشئها على طاعة الله ورسوله تحصينا لأجيالنا ومجتمعاتنا.

وانتقل الشيخ يعقوب إلى الحديث عن واقع الأمة الإسلامية في عصرنا الراهن فقال: امتنا الآن تعاني من فتنتين هما: الشهوات والشبهات، أما بالنسبة لفتنة الشبهات فهي موجودة في الانترنت وآفاته وفي الفضائيات وفضائحياتها، وقد بُثت في بيوت المسلمين بعد أن صار الكمبيوتر والتليفزيون من أهم الأجهزة في البيوت.

وأضاف أن الشبهات أو محاولة بثها في أجيالنا تبدأ بالتشكيك في التوحيد والقرآن وفي الرسول الكريم وفي أحكام الإسلام، ومن المؤسف أن هذه الشبهات أو الشكوك دخلت إلى العقول لتجدها فارغة فتمكنت من نفوس البعض منا، ما يجعلنا نحن المسلمين بحاجة ماسة وملحة إلى قفزة ثقة في الدين نتخطى بها ما يعده لنا أعداء الدين من مكائد وكمائن.

وواصل المحاضر حديثه قائلا: إن أعداء الإسلام وضعوا أمامنا عقبة أخرى هي فتنة الشهوات فعصرنا يمر بمرحلة فجور زائد بعد أن أصبح «الزنا سهلا ومتاحا» بل زاد الفجور وامتدت الشهوات لتشمل كل أمور حياتنا فقد أصبح جمع المال شهوة وتغيير السيارة كل عام شهوة واستعمال أحدث أجهزة الهاتف شهوة، وباختصار اشتعلت الشهوات فحطمت القيم الأصيلة ومن ثم غاص الناس في الطين وابتعدوا عن قيم الدين وأصبحنا بالفعل بحاجة إلى قفزة الثقة تخرج الناس من بئر طين وقعوا فيه.

ووجه المحاضر حديثه إلى المسلمين في كل مكان قائلا: يا من تلتزم ثم تترك.. تسلك وتوقف.. تقترب ثم تبعد.. أنت بحاجة إلى قفزة الثقة لا يصاحبها خوف ولا تردد رغم أن هذه القفزة قد تحول دونها مصائب المعاصي بعد أن امتلأت شوارعنا بالفجور وأصبح «العجل الفضي» وهو شاشات التليفزيون والكمبيوتر مثل إله يعبد، وأعرف أن هناك موانع لكن يجب أن تعرف أن لك ربا اسمه الرحمن وما تحتاج إليه هو فقط الثقة بالله.

وضرب المحاضر مثالا على ثقة الناس وسرعة استجابتهم لما يطرح عليهم من إعلانات تجارية فقال: نلاحظ كثيرا أنه عندما يعلن بنك أو شركة عن قيمة سهم من أسهما فإن الناس يخرجون ما لديهم من أموال لشرائها وهم واثقون من الإعلان، وأيضا من الأرباح، وإني لأتساءل: أين الثقة في ذلك؟.

نحن بحاجة إلى قفزة ثقة في وعود الله لنا وإذا كنت من الباحثين عن السعادة وقرة العين والأمان فيجب أن تعمل صالحا لأن الله وعدك بأن يحييك حياة طيبة ولعلي أسال كل مسلم سؤالا عن الفرق بين ساعة تقضيها مع فيلم كوميدي وساعة تقضيها في تلاوة القرآن الكريم؟، وأرى أن الإجابة لا تحتاج إلى ذكاء أو تفكير.

وقدم الشيخ يعقوب مثالا آخر من تاريخ الرسالة المحمدية فقال رسولنا الكريم صلوات الله وسلامه عليه عندما خرج مهاجرا من مكة إلى المدينة بصحبة الصديق أبي بكر دخل الغار ومساحته 180 في 80 سم، ووضع رأسه على حجر أبي بكر ونام في حين وقف أكابر الكفار أبو جهل وأبولهب وأبو سفيان ـ وهم أئمة الكفر على باب الغار ـ والحقد يأكل قلوبهم والتهديد والوعيد يفيض على ألسنتهم ورسولنا الكريم يسمع كلامكم ويسمع كلام أبي بكر له: يا رسول الله لو نظر أحدهم تحت قدميه لرآنا، فيرد رسول الله وخاتم الأنبياء: يا أبا بكر لا تحزن إن الله معنا.

ويخلص المحاضر من هذا المثل ليقول: هنا يكمن الدرس في الثقة بالله فلقد شعرت أن الله معك فمن عليك.

إذن ماذا يستطيع الكون كله أن يفعل بك إذا كان الله معك؟ لقد كانت ثقة رسولنا صلي الله عليه وسلم في ربه صادقه ومخلصة إذ انفرط عقد الكفار دون أن يتعرض رسولنا صلي الله عليه وسلم لسوء وأتم هجرته، وأكمل رسالته على أتم وجه.

وعرض المحاضر في سياق أمثلته القرآنية قصة سيدنا موسي وأمه عليهما السلام حينما أمرها الله عز وجل أن تلقي ولدها فلذة كبدها في البحر فنفذت ما أمرها الله به عن يقين منها بأنه صادر من الله القاهر فوق عباده رغم ما في هذا من «عصرة» في القلب تصيب عادة قلب التائب، ولو أننا أمرنا شابا في هذا العصر بان يتخلص من هاتفه المتحرك بما فيه من «كليبات» وصور أو أن يتخلص من التليفزيون، أو أمرنا فتاة بان تتخلص من ملابسها غير اللائقة بإسلامها لكان الرد مثيرا ومختلفا عما رويناه، ولكان اتخاذ القرار صعبا على الشباب أو الفتيات رغم أن قرارهما هو في الحقيقة «قفزة ثقة» إلى أعلى تبعدهما عن الطين، والدنيا ليقترب من السماء ومن الفضاء ومن الروح بعيدا عن شهوات الجسد.

وتساءل المحاضر قائلا: عندما يعيش المرء بلا معاصي فهذه رحمة الله الذي فتح عليك أبواب الرزق وأعانك على صيام شهر رمضان، فلماذا لا يتأسي المسلمون بالصالحين من عباد الله ويصنفون كامل ثقتهم في الله ربا مقسما للأرزاق وإلها أحق أن يعبد وحكما يحكم بالحق أن من يقبل على الله وهو صادق له ثوابه العظيم في الدنيا والآخرة.

ويستكمل المحاضر خطوات قفزة الثقة فيقول: يجب الثقة في رسول الله خصوصا في هذا العصر الذي نشهد فيه تطاولا من الكفار على أشرف خلق الله وتشكيكا في نبوته ورسالته، وعندما نثق في رسولنا الكريم بأن هذا يزيد المؤمنين إيمانا بدينهم واعتزازا برسولهم وأحاديثه الشريفة التي يحاول أعداء الدين التشكيك في مصداقيتها رغم أن العلم أثبت دقتها وصحتها كما شهد العلماء بعد أن شكك أهل الكفر في حديث الذبابة الشهير عن أضرار جناح ومنافع آخر.

وضمن برنامج أمسيات الملتقى الرمضاني السادس قدمت مدرسة النخبة النموذجية في دبي خطيبا آخر من طلابها المشاركين في المشروع التربوي الرائد «خطيب الأمة». الذي ترعاه الدائرة.

وقدم الطالب سلطان عيسى الحوسني بالصف الرابع الابتدائي خطبة بعنوان «الفضائيات الهابطة» تناول فيها اثر الفضائيات على شباب الإسلام وما أحدثته فيهم من اثر بالغ صرفهم عن امرر دينهم.

وقال إن أعداء الأمة لم يتمكنوا سابقا من التسلل إلى عقول أبناء الإسلام إلا أنهم بالفضائيات نجحوا في السيطرة على العقول والأفكار وتحولت هذه الفضائيات إلى وسائل هدم لا بناء.

وقال إننا نعيش هذه الأيام زمناً تكاثرت فيه الشرور، وعظمت فيه الفتن. ولقد تزايد في هذا الزمان كيد الكفار أعداء الله مستهدفين ديار المسلمين يبتغون خلخلة دينهم وزعزعة إيمانهم وتدمير أخلاقهم، ولقد كانوا سابقا يعجزون عن الوصول إلى أفكار الشباب وعقول الناشئة لِبَثِ ما لديهم من سُموم وإلحاد ومُجون، وأما الآن فقد أصبحت تحمل أفكارهم الرياح لقد تمكن أعداء الله من خلال القنوات الفضائية من الوصول إلى العقول والأفكار، يحملون فتنهم وسمومهم.

وواصل سلطان خطبته ليبدي أسفه أن أصبح أبناء المسلمين وبناتهم بل رجالهم ونساءهم من يجلس أمام هذه الشاشات المدمرة الساعات الطوال ومع مرِ الأيام تتسلل الأفكار الخبيثة وتتعمق المبادئ الهدامة ويتحقق للكفار ما يودون.

قال تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ» (التحريم:6).

وتناول أضرار الفضائيات قائلا: إن من يتأمل الأضرار التي تبثها هذه الفضائيات الهابطة يجدها كثيرة لا تُحصى؛ أضرار عقائدية، وأضرار اجتماعية، وأضرار أخلاقية، وأضرار فكرية ونفسية. فما جنيناه من القنوات الفضائحية فنلمسه في واقعنا ومحيطنا، الذل والهوان وشبابٌ يجري وراء شهواته.

وحذر من الاستهانة بالأمر مؤكدا إن الأمر جِدَ خطير فما الواجب علينا تجاه ذلك كله؟ هل نسكت ونكون كما يريدون لنا أن نكون!! لا والله... فيجب علينا العودة الصادقة إلى دين الله والاعتصام الكامل بحبله والسير الحثيث على نهج رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وطالب الآباء والأمهات بان يتقوا الله في أبنائهم ويبادروا إلى البدائل الثقافية والترفيهية والقنوات الهادفة لكي لا نخسر الدنيا والآخرة.

دبي- السيد الطنطاوي