ناقشت الجلسة الرمضانية التي حملت عنوان «التطوع رمز العطاء» وعقدت في مقر إدارة خدمات نقل الدم والأبحاث بالشارقة الطرق الكفيلة في تطوير العمل التطوعي ودفعه ليكون على مستوى مثيله بالدول المتقدمة في العالم، والتي تشهد تطوراً كبيراً في هذا المجال فاق حدود الدولة المحلية لينتقل إلى العالمية وذلك من خلال تقديم الأبحاث العلمية المختلفة في جميع المجالات بالإضافة إلى القيام بالأعمال الصحية والثقافية والاجتماعية التطوعية المتنوعة.

وربما من أهم الأمور والمحاور التي دارت حولها الجلسة هو الدور الذي يجب على القطاع الخاص في الدولة القيام به لدعم العمل التطوعي بما يدفعه إلى الوصول إلى مكانة متقدمة، كما طُرح موضوع كيفية تحويل العمل التطوعي إلى عمل مؤسسي متكامل يشكل قاعدة أساسية لاستمرارية الأعمال التطوعية في الدولة وعدم ارتباطها بأفراد بعينهم تذهب أعمالهم التطوعية بغيابهم. ويأتي الأمر الأخير الذي ركزت عليه الجلسة هو الطرق اللازمة لدعم العمل التطوعي بما يمكن دولة الإمارات التي تمتاز بموقع جيد في أعمالها التطوعية لتتبوأ مكانة عالمية في هذا المجال ويقارب الدول المتقدمة ولاسيما أنها تمتلك الأرضية لتحقيق ذلك.الارتقاء بالعمل التطوعي البداية كانت مع الدكتور أمين بن حسين الأميري وكيل وزارة الصحة المساعد وأمين عام جائزة الشارقة للعمل التطوعي الذي افتتح حديثه بالإشادة بالمبادرة الكريمة التي أطلقها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي لتعليم مليون طفل حول العالم.

منوهاً إلى أن هذه المبادرة والتي اهتمت بالتعليم كمحرك أساسي لتطور الشعوب تعتبر من أهم الأعمال التطوعية التي تبين نظرة سموه الإنسانية والاجتماعية والدور الكبير الذي تسعى إليه دولة الإمارات بقيادتها الحكيمة نحو تعزيز الأعمال التطوعية على الصعيد العالمي، كما نوه بأن هذه المبادرة تعتبر مدرسة حقيقية في العمل التطوعي على الجميع الاقتداء بها وليس فقط على الصعيد المحلي وإنما على الصعيدين العربي والعالمي أيضا.

وتحدث بعدها الأميري عن أهمية الجائزة مبيناً أنها تعد الأولى من نوعها على مستوى الدولة والوطن العربي لشموليتها في مجالات وفئات التكريم، فإنها لا شك تحث على بناء الشخصية الإسلامية المتوازنة وبناء المجتمع الإسلامي المتضامن الذي يربط بين أفراده الأخوة في العقيدة وما يترتب عليها من تكافل وتراحم وتناصر وإخاء وتعاون، كما أنها تساهم في استقطاب الأجيال الشابة إلى العمل التطوعي والحياة التطوعية والعطاء النفعي العام.

وبين أن الجائزة تعنى بالارتقاء بكافة جوانب وأشكال العمل التطوعي، وتبادر إلى تكريم الرواد المتميزين في المجال التطوعي منذ إنشائها من خلال ما تمنحه من جوائز لفئات متنوعة مع تكريم الأفراد والمؤسسات الداعمة للجائزة نفسها، كما بين أن الجائزة تنطلق في دورتها الحالية لتكون ولأول مرة على المستوى العربي بفئات ثلاث هي المؤسسات التطوعية والجمعيات غير الربحية والمؤسسات وشركات القطاع الخاص ومجال البحوث والدراسات.

دور الجمعيات التطوعية

وقال الدكتور الأميري إن الحديث عن العمل التطوعي يقود إلى الحدث عن محاور مهمة في هذا المجال والتي تحتاج إلى الإجابة عنها وإيجاد الطرق الكفيلة بتحويلها إلى أرض الواقع، وهي عجز الجمعيات التطوعية المحلية والعربية عن القيام بدورها الفاعل في المجتمع رغم أنها تمتلك دستوراً إسلامياً يحفز ويشجع ويدعم القيام بالأعمال التطوعية في الوقت الذي يزدهر عمل هذه الجمعيات في الدولة المتقدمة.

وأشار إلى أن العبرة ليست في عدد الجمعيات التطوعية فهناك ما يزيد على 120 جمعية تطوعية ذات نفع عام في الدولة ولكن ليس لها وجود فعلي وحقيقي على أرض الواقع كما أنها لا تسهم فعلياً في دعم الأعمال التطوعية بالصورة التي يحتاجها المجتمع الإماراتي، وبين أن تقليل عدد هذه الجمعيات إلى 12 جمعية فعالة فقط له الأثر في المجتمع ويعتبر أفضل بكثير من الكم دون فائدة ملموسة على صعيد الأعمال التطوعية.

ونوه بأن الدور يقع هنا على الجهات المختصة في وزارة الشؤون الاجتماعية لتضع الاستراتيجيات المناسبة لتنظيم العمل التطوعي في هذه الجمعيات بما يزيد من فعاليتها المجتمعية وتسهم في دفع عملية التطور في الدولة.

وقال إن هناك أيضاً أمراً آخر لابد من تحقيقه حتى يتمكن العمل التطوعي من خدمة المجتمع بالصورة المثلى وهو مساهمة القطاع الخاص في دعم الأعمال التطوعية من خلال دعم المؤسسات التربوية والصحية الإنسانية كمراكز المسنين ودور رعاية الأيتام وذوي الاحتياجات الخاصة وغيرها.

وتساءل عن كون القصور في التشريعات هي السبب في عدم تحقيق العمل التطوعي للفائدة القصوى منه، إلا أنه نوه في الوقت نفسه أن العمل التطوعي لابد أن يكون ذاتياً ولا يتحول إلى أمر إلزامي أو جبري لأنه عندها يفقد ميزته كعمل تطوعي إنساني نبع من الإحساس بالحاجات المختلفة لأفراد المجتمع أوالمجتمعات الأخرى.

مساهمة رجال المال والعلم

وتحدث بعدها إبراهيم النقبي رئيس قسم التربية في جامعة الشارقة عن أهمية العمل التطوعي وأصوله الإسلامية فقال إن العمل التطوعي ليس جديد وعرف الآباء والأجداد من تراثنا وتاريخنا الإسلامي من خلال أنواع مختلفة من الأعمال، وبين أن الأهالي أنفسهم والأعيان في الدولة في وقت سابق هم من أسس المدارس كما أنه كان هناك من يخطب ويصلي بالناس تطوعاً وذلك لشعورهم بأن العمل التطوعي قيمة إنسانية عالية تنطلق من تعاليم الدين الإسلامي الحق.

وأشار إلى ضرورة أن يساهم أصحاب الأموال والعلوم والمعارف في تقديم الخدمات التي يحتاجها المجتمع من بناء مدارس والمساهمة في التدريس وتأليف وطباعة الكتب والعمل على تقديم الخبرات المختلفة كل في مجاله، وقال: إن تقديم هذه الأعمال من أفراد مختلفين يصب في دعم التطوع في الدول الإسلامية التي بدأ بها العمل التطوعي منذ قرون قديمة وقبل ظهور مثل هذه الأعمال في المجتمع الغربي.

تطوع ردة الفعل

ورأى الدكتور أحمد العموش رئيس قسم علم الاجتماع في كلية الآداب والعلوم الإنسانية في جامعة الشارقة أن هناك قيماً اجتماعية إنسانية في أي عمل تطوعي لأن هذه الأعمال تنطلق من الفرد ذاته ومن قناعاته دون تكليف رسمي وتوجيه، وقال: إن العمل التطوعي كان في السابق يعتمد على روح المبادرة إلا أنه حالياً أصبح يقوم على ردة الفعل عند حدوث مشكلة ما أو حادث يتطلب مساعدات كبيرة كإعصار جونو والأعمال التطوعية التي برزت في تلك الفترة.

وأشار إلى أن العمل التطوعي لابد أن يستهدف نوعية الحياة على مستوى الدولة كاستهدافه للخدمات الاجتماعية المتنوعة وأن يكون المجتمع هو الذي يحفز الدولة وليس العكس لأن ما يحدث الآن هو أن الدولة هي التي تحفز مؤسسات المجتمع على القيام بالأعمال التطوعية والعمل على التخلص من ثقافة العيب في القيام بالأعمال التطوعية والتي تحول دون تنفيذ الكثير من الأعمال التطوعية في قطاعات مختلفة.

وبين أنه لابد أن يكون هناك بيئة محفزة للعمل التطوعي والاستمرار به والعمل على الإعلام عن هذه الأعمال التطوعية في المؤسسات الإعلامية المختلفة وفتح باب العضوية للمتطوعين والاستفادة من تخصصاتهم والتوجه إلى المجتمعات المحلية وحث أفرادها لخدمة المجتمع من خلال التطوع وتوسيع دائرة العمل التطوعي وتقديم التسهيلات، وإقامة الندوات وتحديد تشريعات مناسبة تكون قادرة على جذب المتطوعين ووضع الخطط الملائمة لتشغيل المتطوعين الجدد وتكليفهم بمهام معينة تناسب اهتماماتهم.

وأوضح أن الميدان في الأعمال التطوعية واسع ويدخل في جميع المجالات كما أن أبواب التطوع مفتوحة للجميع في مجالات الأعمال الثقافية والبيئية والتعليم والبحث العلمي والخدمات الاجتماعية، ونوه بأن القيام بهذه الأعمال التطوعية يعمل على تحقيق الذات كما أنها تزرع في داخله الشعور بالسمو الإنساني من خلال قيامه بأعمال مهمة تسهم في خدمة المجتمع وتطوره.

التطوع في الخمسينات

وقال محمد بن عبدالله الخيال رجل أعمال وأحد أعضاء جائزة الشارقة للعمل التطوعي في حديثه عن الأعمال التطوعية في فترة الخمسينات في الدولة إن العمل التطوعي كان مزدهراً كثيراً في تلك الفترة لأن الجميع كان يشعر بأنهم أسرة واحدة تتقاسم الأفراح والأحزان ما جعل تلك الفترة تقدم نموذجاً فريداً للتطوع حيث كان الجميع يقدم المساعدة للمحتاج لها، حيث أنه في حال حدوث مناسبة زواج أو حدوث مشكلات أو حوادث مختلفة كالحرائق والطوفانات وغيرها كان جميع سكان المنطقة يقفون إلى جانب المحتاج.

وأضاف قائلاً كما أنه من الجوانب التطوعية الجميلة التي أذكرها من تلك الفترة أن الغواصين الذين كانوا يغوصون في البحر والصيادين الذين يذهبون لأيام في البحر للبحث عن رزقهم، كانوا عندما يعودون إلى وطنهم ويبيعون محصولهم يقدمون بعض المال للدولة لمساعدتها في تأمين بعض الخدمات للمجتمع.

تطور العمل التطوعي

وقال عزالدين فرحان العنزي مدير مركز الدعوة الإسلامي السعودي في دبي إن التطوع يعتبر مقصداً من مقاصد الشريعة الإسلامية التي أقرت بأن أي عمل يقوم به المسلم يوضع في ميزان حسناته، ونوه بان الشريعة بناء على هذا الأساس طالبت الإنسان المسلم أن لا يحقر من العمل الصالح أي شيء لأنه يعتبر صدقة ويثاب عليها، وأشار إلى أن النبي محمد صلى الله عليه وسلم هو سيد العمل التطوعي وهو الذي شرع طرقه وشارك فيه مشاركة فعلية ويحفز أصحابه على القيام بمثل هذه الأعمال.

وبين أن العمل التطوعي في السنوات العشر الماضية لابد أنه أخذ جوانب إيجابية ويعود الفضل في ذلك إلى جملة من العوامل الأساسية التي ساهمت في هذا الأمر وأهمها زيادة الوعي الديني المتمثل في نوعية الخطاب الذي يقوم به الخطباء والعلماء الذين أصبحوا ينتقون من الأمور ما يسهم في ترسيخ أهمية العمل التطوعي، بالإضافة إلى الدور الكبير الذي بدأت تقوم به وسائل الإعلام في نشر التوعية بالعمل التطوعي وكذلك الصحوة في العمل التطوعي من خلال البرامج الإنسانية المتنوعة التي تقدم المساعدات لمحتاجيها.

العمل المؤسسي

وقال الدكتور طه حسين من وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل وسكرتير تحرير مجلة «شؤون اجتماعية» الصادرة عن جمعية الاجتماعيين في الشارقة إن هناك الكثير من الأفراد يقومون بتقديم المساعدات والأعمال التطوعية بمفردهم والتي تتركز في بعض المساعدات في التعليم والصحة وغيرها من الجوانب الخدمية الأخرى.

ومع ذهاب هؤلاء الأفراد فإنها تغيب مثل هذه الأعمال ولابد هنا من التأكيد على أهمية أن تكون هناك أعمال تطوعية متقدمة تقوم من منظور مؤسسي تسهم في ترسيخ مفهوم العمل التطوعي الممنهج وفق أسس محددة تطور هذه الأعمال وتضمن لها الاستمرارية والتطور لتنطلق من المحلية نحو العالمية لاسيما مع حصولها على الدعم الإعلامي اللازم لتوعية افراد المجتمع بأهمية مثل هذه الأعمال التطوعية والانتماء إليها.

الشارقة ـ عمر بدران